- زاد إيران - المحرر
- 379 Views
في ليلة تاريخية تكتنفها التوترات الجيوسياسية، تترقب العالم إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة على إيران، كأنها عودة إلى عصر الجليد النووي. مع اقتراب الساعة من منتصف الليل بتوقيت غرينتش يوم 28 سبتمبر/أيلول 2025، تنتهي المهلة الدبلوماسية، ويبدأ فصل جديد من الضغط الدولي على طهران، هذا “الانفجار المتأخر” – كما يصفه مراقبون – ليس مجرد إجراء روتيني، بل صراع يجمع بين قوى عظمى، حيث تتقاطع مصالح الغرب مع طموحات إيران النووية، وسط مخاوف من تصعيد عسكري قد يشعل الشرق الأوسط بعد عقد من الاتفاق النووي التاريخي لعام 2015، الذي رفع العقوبات مقابل قيود على برنامج إيران النووي، يعود الجميع إلى نقطة الصفر، لكن هذه المرة، مع تفاصيل جديدة تشمل استدعاء سفراء وتهديدات بقطع الروابط المالية، يبدو الأمر أكثر تعقيدًا وخطورة.
من اتفاق السلام إلى آلية “الزناد”
البداية من توقيع إيران على “خطة العمل الشاملة المشتركة” (JCPOA) لعام 2015، مع الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، روسيا، والصين، تحت رعاية الأمم المتحدة، كان الاتفاق يهدف إلى منع إيران من تطوير أسلحة نووية مقابل رفع العقوبات الاقتصادية، ومع ذلك، انسحبت الولايات المتحدة في 2018 تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب، خلال دورته الرئاسية الأولى، مما أثار سلسلة من الانتهاكات المتبادلة، الآن، تتهم “الترويكا الأوروبية” (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا) إيران بانتهاك الاتفاق من خلال تخصيب اليورانيوم إلى مستويات تصل إلى 60%، قريبة من صنع الأسلحة النووية، وتقييد عمل مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) ثم العودة المشروطة.

في أغسطس/آب 2025، أرسلت الترويكا رسالة إلى مجلس الأمن تفعل آلية “العودة التلقائية” (snapback)، التي تمنح إيران 30 يوما للعودة إلى الالتزام، وإلا تعاد العقوبات تلقائيا، هذه الآلية، المدرجة في قرار مجلس الأمن رقم 2231، صممت لتكون “غير قابلة للتصويت”، مما يجعل أي محاولة لإيقافها صعبة، وفقا لتقارير الأمم المتحدة، قدمت روسيا والصين ثلاث مسودات قرار منذ سبتمبر/أيلول 2025 لتمديد الاتفاق ستة أشهر، حتى مطلع الربيع المقبل، لكنها فشلت جميعها.
فشل الجهود الروسية-الصينية وتفعيل العقوبات
في 26 سبتمبر/أيلول 2025، عقد مجلس الأمن الدولي جلسة مصيرية، حيث رفض مشروع قرار روسي-صيني لتأجيل العقوبات. التصويت كان مدويا: 4 أصوات لصالح (روسيا، الصين، ودولتين أخريين)، 9 ضد، و2 ممتنعان، هذا الفشل يعني أن العقوبات دخلت حيز التنفيذ في 28 سبتمبر/أيلول 2025 عند الساعة 00:00 بتوقيت غرينتش (الثامنة مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة).
وقد وصفت روسيا والصين المقترح بأنه “فرصة للدبلوماسية”، لكنه اعتبر من قبل الغرب محاولة لإعاقة العدالة.
إثر تحرك دول الترويكا الأوروبية الثلاث (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) وتفعيل “آلية الزناد”، أُعيد تفعيل ستة قرارات عقوبات صادرة عن مجلس الأمن الدولي ضد إيران.
قائمة العقوبات الأممية الجديدة
هذه العملية، التي لا يمكن نقضها، تُعيد فرض القيود الدولية النووية والعسكرية والاقتصادية التي فُرضت من قبل على طهران بين عامي 2006 و2010، وتشمل العقوبات الجديدة، وفقا لتقارير الأمم المتحدة:

• حظر شامل على الأسلحة التقليدية، بما في ذلك تصدير أو استيراد الأسلحة.
• منع تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجته، مع حظر أي أنشطة نووية غير مراقبة.
• قيود صارمة على برنامج الصواريخ الباليستية القادرة على حمل رؤوس نووية.
• تجميد أصول ومنع سفر لعشرات الشخصيات والكيانات الإيرانية، بمن في ذلك قادة الحرس الثوري.
• السماح للدول بتفتيش شحنات شركتي “إيران إير” وخطوط الشحن الإيرانية.
• قطع بنك إيران المركزي من نظام SWIFT الدولي للتحويلات المالية، مما يعيق التجارة الدولية.
تفاصيل جديدة تكشف أن إيران سمحت لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) بالعودة إلى البلاد قبل أيام قليلة، في محاولة أخيرة لتهدئة التوترات، لكن ذلك لم يمنع التفعيل.
ما هي القرارات التي ستعود؟
مع تفعيل آلية “الزناد” ستعود ستة قرارات، تشمل قيودا وعقوبات شاملة على برامج إيران النووية والصاروخية، وحظرا على تصدير واستيراد الأسلحة التقليدية، وقيودا مصرفية، وعقوبات فردية ومؤسسية، ومراقبة دقيقة للسفن والطائرات، كما تشمل هذه العقوبات تجميد أصول أفراد وكيانات محددة، وقيودًا ائتمانية، وحظرا على الاستثمار الأجنبي في المشاريع النووية والدفاعية، بل وحتى مصادرة شحنات مشبوهة.
وأكد العديد من المسؤولين الإيرانيين أن تأثير هذه العقوبات نفسي في الغالب ويمكن السيطرة عليه، ومع ذلك، يحذر الخبراء من أنه الآن، نظرا للربط العالمي وانتهاء عمل لجنة الخبراء، سيكون تأثير العقوبات على الاقتصاد الإيراني أشد وطأة، وصرح الخبير الاقتصادي، الدكتور ألبرت باغزيان لموقع “إيفنت 24” بأن احتياطيات إيران من النقد الأجنبي لا تكفي لمواجهة الوضع القادم، ومن المتوقع ارتفاع سعر الدولار والذهب.
رد الفعل الإيراني
أدان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان العقوبات بشدة، واصفا إياها بـ”غير منصفة وجائرة وغير قانونية”، في كلمة أمام مجلس الأمن، أكد وزير الخارجية عباس عراقجي أن “الولايات المتحدة والترويكا الأوروبية أغلقتا نافذة الحوار”، مشيرا إلى انسحاب أمريكا من الاتفاق وفشل الأوروبيين في الوفاء بتعهداتهم، وفقًا لوكالة تسنيم، هددت إيران بملاحقة أي شخص يتحدث عن آلية snapback داخليا، مما يعكس مخاوف من اضطرابات داخلية.

وأكد الرئيس الإيراني أنه تم اتخاذ الإجراءات اللازمة في حال تفعيل آلية “سناب باك”، وقال: “بالنظر إلى العلاقات التي تربطنا بجيراننا ودول البريكس وشنغهاي، وكذلك الشعب الإيراني العزيز الذي يؤمن ببلاده وسلامة أراضيه وكرامته وكبريائه، فإننا سنخرج من هذا الوضع”، وختم بزشكيان: “لم نتوصل إلى تفاهم بشأن آلية التراجع، لأن طلب الأمريكيين غير مقبول، يطلبون منا أن نمنحهم كامل اليورانيوم المخصب لدينا، بينما يطلبون منا أن نمنحهم ثلاثة أشهر، وهو أمر غير مقبول على الإطلاق، وفي النهاية، ليس الأمر كما لو أن السماء ستسقط على الأرض ونستسلم!”.
في خطوة درامية، استدعت إيران سفراءها من بريطانيا، فرنسا، وألمانيا للتشاور، ساعات معدودة قبل تفعيل العقوبات، هذا الإجراء يأتي كرد فعل على اتهامات الترويكا، ويُعتبر إشارة إلى تصعيد دبلوماسي محتمل، كما أعربت إيران عن مخاوفها من تأثير العقوبات على إمدادات الغذاء والحرب الإقليمية، وسط تقارير عن تجنيد الشباب في صفوف الجيش.
التأثيرات المتوقعة
ستكون التأثيرات مدمرة على اقتصاد إيران، الذي يعاني بالفعل من عقوبات أمريكية سابقة مع قطع SWIFT، ستصعب المعاملات المالية، مما يؤثر على صادرات النفط والغاز، التي تشكل 40% من الإيرادات، خبراء يتوقعون انكماشا اقتصاديا بنسبة 5-7%، مع ارتفاع التضخم إلى 50%، وزيادة البطالة بين الشباب، على الصعيد العسكري، سيحد الحظر من قدرة إيران على تطوير صواريخها، مما يضعف دعمها للحلفاء مثل حزب الله والحوثيين.
ومع ذلك، يرى بعض الاقتصاديين أن العقوبات الجديدة “مكررة”، حيث تتداخل مع العقوبات الأمريكية الحالية، لكنها تضيف ضغطًا دوليًا أوسع، كما حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من “عودة نووية إيرانية”، داعيًا الأمم المتحدة إلى منعها.
نحو حوار أم تصعيد؟
مع تفعيل snapback، يبقى السؤال: هل ستؤدي إلى عودة إيران إلى المفاوضات، أم إلى تصعيد نووي؟ لاسيما أن حزمة العقوبات الجديدة تأتي بعد هجمات أمريكية-إسرائيلية على إيران، مما يعيق الدبلوماسية، روسيا والصين قد يستمران في دعم إيران اقتصاديا، لكن الضغط الغربي قد يدفع طهران إلى خيارات أكثر تطرفا، مثل الانسحاب الكامل من معاهدة عدم الانتشار النووي.

وفي هذا الصدد قال الدكتور يسري أبو شادي كبير المفاوضين النووين السابقين بالوكالة الدولية للطاقة الذرية ستسوء العلاقات أكثر، سواء بقى إن البرلمان الإيراني ربما يواصل جلساته لاستصدار قرار سريع بالانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي “NPT”، لكنه تراجع خلال تصريحاته لـ “زاد إيران”، قائلا: “أعتقد إنه سيتأنى لفترة، وصحيح فيه غضب إيراني كبير ومطالبات بالانسحاب من المعاهدة، ولكنني أتخيل أن إيران حتى لو تم تفعيل العقوبات، سيعودوا أيضا للوكالة الذرية يمكن لن يأخدوا هذا القرار بهذه السرعة”.
رد إيران
وفي ردها على القرار أدانت طهران عبر وزير خارجيتها عباس عراقجي خلال محادثاته مع وزيرة الخارجية البريطانية إيفات كوبر على هامش الدورة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة، القرار بشدة أداء الدول الأوروبية الثلاث (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) تجاه القضية النووية الإيرانية، ووصف إصرارها على إعادة تطبيق قرارات مجلس الأمن الملغاة بأنه “غير مبرر وغير قانوني وغير مسؤول”.
وأوضح عراقجي أن نهج الدول الأوروبية الثلاث والولايات المتحدة خلال العقد الماضي لم يكن له أي منطق سوى محاولة حرمان الشعب الإيراني من حقوقه المشروعة بموجب معاهدة حظر الانتشار النووي، مشيرا إلى أن هذا النهج تُوّج بالهجوم غير القانوني الذي شنته الولايات المتحدة والنظام الإسرائيلي على المنشآت النووية السلمية الإيرانية، وسط صمت متهاون من الدول الأوروبية الثلاث E3.
وأكد أن إيران اتبعت نهجا مسؤولا ومبدئيا يعتمد على الدبلوماسية لحل أي شكوك حول طبيعة برنامجها النووي، معتبرًا أن سلوك الولايات المتحدة والدول الأوروبية الثلاث، من خلال انتهاك التزاماتها والهجوم الأمريكي اللاحق على إيران، يمثل خيانة للدبلوماسية واتفاقية حظر الانتشار، وحذر من أن مؤسسي وداعمي آلية الزناد “سناب باك” سيتحملون عواقب هذا النهج المدمر ونتائجه غير المتوقعة.

كما أشار إلى المقترحات والمبادرات العديدة التي قدمتها إيران للحفاظ على مسار الدبلوماسية ومنع التوتر، موضحًا أن قرار الدول الأوروبية الثلاث بتفعيل آلية “العودة السريعة” يتماشى مع سياسة الضغط القصوى اللاإنسانية التي تتبعها الولايات المتحدة، مما يجعل هذه الدول شريكة في ما وصفة بـ “مسار البلطجة والفوضى”.
وشدد عراقجي في النهاية على عزم الشعب الإيراني الثابت على الدفاع عن مصالحه وحقوقه، مؤكدًا أن العقوبات أو الهجمات العسكرية أو الضغوط الدبلوماسية لن تستطيع ثني أمة مصممة على الحفاظ على استقلالها وكرامتها عن مسارها.. هذه الأزمة ليست مجرد عقوبات، بل اختبار للنظام الدولي.

