انكماش التجارة الخارجية في إيران يدق ناقوس الخطر بشأن العزلة الاقتصادية

نشرت صحيفة آرمان ملي الإصلاحية، الأربعاء 23 يوليو/تموز 2025، تقريرا أفادت فيه بأن التجارة الخارجية لإيران شهدت في الربع الأول من عام 2025، انخفاضا ملحوظا من حيث الوزن والقيمة المالية في كل من قطاعي الصادرات والواردات، وذلك مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، وذلك استنادا إلى الإحصائيات المنشورة.

وأضافت الصحيفة أن الخبراء يرون أن العقوبات، والعوائق التي تواجه الإنتاج داخل إيران- مثل اختلال توازن الطاقة، وانعدام الاستثمارات، والعقبات البيروقراطية، وغياب السياسات الداعمة- تُعد من أبرز الأسباب التي أدّت إلى هذا التوجّه.

وتابعت أن بعض المحللين يعتقد أن بعض السياسات التي تُعدّ بمثابة عقوبات ذاتية، مثل الإجماع على عدم قبول اتفاقية مجموعة العمل المالي FATF، ووجود عقبات أمام التبادلات المالية والتجارية، تُعدّ من الأسباب التي لا يمكن إنكارها في هذا السياق.

وأردفت أن إجمالي صادرات إيران قد بلغ خلال الربع الأول من العام الجاري 11,655 مليون دولار، بوزن يعادل 34,476 ألف طن، في المقابل، وصلت واردات إيران إلى 13,029 مليون دولار، بوزن يقارب 9,013 ألف طن.

وأوضحت أن مقارنة هذه الأرقام بالفترة نفسها من عام 2023 تُظهر انخفاضا ملحوظا في كل من الصادرات والواردات الإيرانية؛ إذ تراجعت قيمة الصادرات من 13.622 مليار دولار إلى 11.655 مليار دولار، والواردات من 14.761 مليار دولار إلى 13.029 مليار دولار، كما انخفض وزن الصادرات من 38.019 ألف طن إلى 34.476 ألف طن، ووزن الواردات من 9.442 ألف طن إلى 9.013 ألف طن.

وبيّنت أن الخبراء يرون أن هذا التراجع يُعد جرس إنذار خطيرا لوضع التجارة الخارجية في إيران، حيث يشير هذا المسار التنازلي إلى وجود مشكلات هيكلية وعوائق دولية ومحلية ينبغي دراستها ومعالجتها بشكل جاد.

تراجع التجارة الخارجية 

ذكرت الصحيفة، على لسان الخبير الاقتصادي علي حريت‌ برور، أن الانكماش في نمو التجارة الخارجية الإيرانية يعود إلى مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية، ومن أبرزها الضغوط الناتجة عن العقوبات الدولية والقيود المصرفية، كما تُعدّ التحديات الهيكلية، وعلى رأسها عدم انضمام إيران إلى مؤسسات دولية مثل مجموعة العمل المالي (FATF)، عائقا كبيرا أمام تنفيذ المعاملات المالية بشفافية وأمان.

وأضاف أن رفض إيران الالتزام بتوصيات FATF دفع العديد من البنوك الدولية إلى الامتناع عن التعاون مع إيران، نظرا لعدم تسوية قضايا غسيل الأموال أو تمويل الإرهاب، مما جعل المعاملات المالية أكثر كلفة، ودفع التجارة نحو مسارات غير رسمية وأحيانا محفوفة بالمخاطر.

وأشار إلى أن التقلبات الحادة في سعر الصرف، وغياب السياسات التجارية الواضحة، والتغييرات المستمرة في لوائح التصدير والاستيراد، خاصة فيما يتعلق بالتعريفات الجمركية والقيود المفروضة على الواردات، قد قلّلت إلى حد كبير من القدرة على التنبؤ في بيئة التجارة، وفي ظل هذه الظروف، يواجه الناشطون الاقتصاديون مخاطر عالية، ما يضعف حوافزهم على الاستثمار وتوسيع أنشطتهم التصديرية.

كما أكد أن مشكلات البنية التحتية في مجالي النقل واللوجستيات تلعب دورا مهما في تراجع الصادرات غير النفطية، موضحا أن القيود المفروضة على الموانئ، ومشكلات النقل البري والسككي، وارتفاع تكاليف الترانزيت، كلها أدّت إلى زيادة تكلفة التصدير بالنسبة للشركات الإيرانية مقارنة بمنافسيها الإقليميين.

ووصرَّح بأن الظروف الاقتصادية الداخلية، مثل ارتفاع التضخم، وتراجع قدرة المنتجين على توفير المواد الأولية بأسعار تنافسية، ونقص رأس المال العامل، فرضت ضغوطا إضافية على المنتجين والمصدرين، وتضطر العديد من الشركات إلى المنافسة في الأسواق التصديرية بأرباح أقل وتكاليف أعلى، وهو ما يضعف دافعها للتصدير على المدى الطويل.

استمرار الاتجاه التنازلي

أوردت الصحيفة قول حريت بور في حديثه عن تبعات هذا الاتجاه، إن تراجع الصادرات غير النفطية لا يؤدي فقط إلى انخفاض العائدات من العملة الأجنبية في إيران، بل يخلّ أيضا بالتوازن في الميزان التجاري، وبالنظر إلى حاجة إيران إلى استيراد السلع الأساسية والمعدات، فإن أي انخفاض في عائدات الصادرات سيؤدي إلى مزيد من الضغط على الاحتياطيات من العملة الأجنبية، وبالتالي إلى ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق.

وأكَّد أن هذه المشكلة قد تؤدي إلى تأثير تسلسلي (دومينو) على التضخم وتكاليف الإنتاج داخل إيران، بالإضافة إلى ذلك، فإن تراجع الصادرات يعني تقليص حصة إيران في الأسواق الدولية، وفي ظل المنافسة العالمية، فإن أي سوق يتم فقدانه لا يمكن استعادته بسهولة، لأن المنافسين الإقليميين مثل تركيا، والإمارات، أو السعودية، يسارعون لملء الفراغ الذي تتركه إيران.

وأردف أنه على مستوى الواردات، فإنَّ تراجع القيمة والحجم، خاصة في ظل بقاء الحاجة المحلية قائمة، قد يفضي إلى تنامي ظاهرة التهريب وظهور أسواق موازية غير رسمية.

دور مجموعة العمل المالي (FATF)

نقلت الصحيفة عن حريت بور قوله إنَّ رفض إيران الالتزام بتوصيات مجموعة العمل المالي (FATF) يُعدّ من أبرز العوائق التي تعرقل تطور تجارتها الدولية، مشيرا إلى أن الامتثال لهذه التوصيات قد يشكّل خطوة محورية نحو تحسين واقع التجارة الخارجية في إيران.

 وأبرز أن عضوية إيران في هذه المجموعة من شأنها أن تُعزّز شفافية المعاملات المالية، مما يسهل على البنوك والمؤسسات المالية العالمية التعامل مع النظام المالي الإيراني، ويقلل من المخاطر المرتبطة بذلك.

وأظهر أن هذا التطور قد يؤدي إلى عودة تدريجية للبنوك العالمية الكبرى إلى التعاون مع إيران، خاصة وأن شركاء إيران التجاريين يواجهون حاليا صعوبات كبيرة في تنفيذ التحويلات المالية، حيث تُجرى المدفوعات في الغالب عبر صرّافين غير رسميين أو عبر مسارات معقدة، ما يؤدي إلى ارتفاع التكاليف وزيادة خطر تجميد المعاملات.

وجزم بأنه لا شك في أن قبول توصيات مجموعة العمل المالي (FATF) من شأنه أن يخفف من الضغوط الدولية ويفتح القنوات المصرفية الرسمية أمام التجارة الإيرانية، إلا أن معارضي هذا الانضمام كثيرا ما يبدون تخوفاتهم من الرقابة الخارجية والقيود السياسية المحتملة. 

وأوضح أن تجربة دول مثل الصين وروسيا تُظهر أنه حتى في ظل التوترات السياسية مع الغرب، فإن الالتزام بالمعايير المالية الدولية يمكن أن يساعد في الحفاظ على العلاقات التجارية، ومن الواضح أن رفض FATF سيؤدي في النهاية إلى زيادة عزلة الاقتصاد الإيراني وتراجع حصته في التجارة العالمية.

تحسين التجارة الدولية

أفادت الصحيفة بأن حريت بور قال إن عودة إيران إلى مسار النمو في التجارة الخارجية تتطلب حزمة من الإصلاحات والإجراءات المنسقة، مشيرا إلى أن أهم خطوة في هذا السياق لتقليل العوائق المالية هي الانضمام إلى مجموعة العمل المالي (FATF) وإنشاء نظام مالي شفاف يتماشى مع المعايير العالمية، وبيّن أن هذا الإجراء يمكن أن يسهم في تعزيز الثقة الدولية وتسهيل عمليات التحويل المالي.

وتابع أن التركيز على التجارة مع عدد محدود من الدول يُعد أمرا محفوفا بالمخاطر، وينبغي لإيران أن تستهدف أسواقا جديدة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وهذا التنويع يمكن أن يقلل من مدى تعرض إيران للضغوط السياسية والاقتصادية. 

وأوصى بضرورة تحسين جودة المنتجات الإيرانية وزيادة قدرتها التنافسية بهدف تطوير الأسواق التصديرية، إذ إن أحد أسباب تراجع الصادرات هو ضعف بعض المنتجات الإيرانية مقارنة بالسلع الأجنبية المماثلة، ومن خلال استخدام مؤشرات الجودة، وتحديث التكنولوجيا الإنتاجية، والالتزام بالمعايير الدولية، وتحسين التغليف، يمكن تعزيز موقع إيران في الأسواق العالمية.

وأشار إلى أن تطوير البنى التحتية للنقل واللوجستيات أمر لا ينبغي تجاهله، فإيران، بفضل موقعها الجيوسياسي، تمتلك طاقة كبيرة لتصبح مركزا ترانزيتيا إقليميا، لكن ضعف البنية التحتية حال دون استغلال هذا الامتياز بالكامل، لذا فإن الاستثمار في الموانئ، وخطوط السكك الحديدية، وأسطول النقل، يمكن أن يعزّز دور إيران في سلاسل الإمداد الإقليمية.

وبيَّن أن عدم استقرار القوانين والأنظمة التجارية قد أربك الكثير من التجار المحليين والأجانب في تعاملاتهم، إذ إن التغييرات المتكررة في سياسات التصدير والاستيراد ألغت خاصية التنبؤ بالمستقبل، ولذلك على الحكومة أن تضع سياسة مستقرة وطويلة الأمد للتجارة الخارجية، بما يسمح للفاعلين الاقتصاديين بالتخطيط السليم. 

وأورد أن إنشاء صناديق دعم، وتوفير التأمينات التصديرية، وتقديم التسهيلات بالعملات الأجنبية، يمكن أن يُخفف من أعباء المخاطر على المصدّرين.

وشدد على ضرورة أن تدير الحكومة سعر الصرف بذكاء، للحد من التحديات الناتجة عن التقلبات المتكررة في قيمة العملة، موضحا أن سعر الصرف يُعدّ من أهم العوامل المؤثرة على تنافسية الصادرات، وعليه، يجب أن تصمم السياسات النقدية بحيث تدعم الصادرات، وتحقق في الوقت ذاته الاستقرار الاقتصادي، وتُسهم في كبح التضخم.

آفاق تطوير التجارة

أبلغت الصحيفة أن إحصاءات الربع الأول من عام 2025 تُظهر مرور التجارة الخارجية لإيران بظروف صعبة، ويرى خبراء الاقتصاد أن التراجع المزدوج في قيمة الصادرات والواردات يحمل رسالة واضحة بشأن التحديات الهيكلية والقيود الدولية، وفي ظل هذه الظروف، قد يؤدي استمرار الوضع الحالي إلى مزيد من إضعاف الاقتصاد الوطني، وتراجع العائدات من العملات الأجنبية، والتخلّف عن المنافسين الإقليميين والدوليين.

وأكَّدت أن تحسين التجارة الخارجية لإيران يتطلب اتخاذ إجراءات حاسمة وسريعة في مجالات السياسات الاقتصادية، والعلاقات الدولية، والإصلاحات الهيكلية، ويعتقد معظم المحللين أن من أهم الخطوات في هذا السياق هو قبول التوصيات المتعلقة بمجموعة العمل المالي الدولية (FATF)، والاتجاه نحو الشفافية المالية، والتفاعل البناء مع النظام المالي العالمي.

ونوَّهت إلى أن هذا الإجراء، إلى جانب تطوير البنية التحتية اللوجستية، وتحسين جودة المنتجات المحلية، وتحقيق الاستقرار في القوانين التجارية، من شأنه أن يُمهّد الطريق أمام إيران لاستعادة مكانتها الحقيقية في التجارة الدولية، أما إذا لم تُنفّذ هذه الإجراءات في الوقت المناسب، فإن خطر فقدان الأسواق الرئيسية، وانخفاض العوائد من النقد الأجنبي، وازدياد الضغوط على الاقتصاد المحلي، سيصبح أكثر خطورة.

وفي الختام لفتت الصحيفة إلى أن خبراء الاقتصاد يعتقدون أن بإمكان إيران توظيف موقعها الجيوسياسي وطاقاتها الاقتصادية بشكل فعّال، من أجل إعادة توجيه مسار تجارتها الخارجية نحو النمو وتحقيق تنمية مستدامة.