أكاديمي إيراني: على طهران أن تُحوّل وجود المهاجرين الأفغان إلى ميزة اقتصادية

أجرت صحيفة “إيران“، السبت 26 يوليو/تموز 2025، حوارا مع ناصر هاديان، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة طهران، للحديث عن أبعاد سياسة الهجرة الإيرانية تجاه الأفغان، وتداعيات طرد المهاجرين غير القانونيين، فضلا عن مستقبل العلاقات مع حكومة طالبان.

وفي ما يلي نص الحوار:

كيف تغيرت سياسة إيران تجاه المهاجرين الأفغان بعد الحرب الأخيرة والتحولات الإقليمية، وهل تتجه حاليا نحو وتشديد الإجراءات؟

أرى أن دخول اللاجئين الأفغان إلى إيران بعد التطورات الأخيرة في أفغانستان كان أمرا لا مفر منه، فالحرب وعدم الاستقرار دفعا الناس للفرار، وكانت إيران الوجهة الطبيعية، خاصة في ظل الروابط الثقافية والدينية والتاريخية التي تجمع الشعبين.

واجهنا مجموعة ترى نفسها قريبة منا ليس جغرافيا فقط، بل هويّاتيا أيضا، وفي هذا السياق، البحث عن جهة مسؤولة أو تحميل جهة بعينها المسؤولية لا يبدو مجديا.

سواء تعاملنا مع الظاهرة بتشدد أو تساهل، كنا سنصل إلى وضع مشابه، فالمشكلة لم تكن في الرفض المطلق، بل في غياب إطار منظم لإدارة دخول المهاجرين.

كان بإمكان إيران تصميم آلية واضحة، لكن جزءا كبيرا من الهجرة تم عبر طرق غير رسمية وخطرة، حيث دخل كثيرون عبر الجبال والمعابر الوعرة، ودفعوا أموالا دون تسجيل رسمي.

وفي مثل هذه الظروف، حتى أفضل الأنظمة كانت ستواجه صعوبات في التنظيم.

لذلك، بدلا من التركيز على الماضي أو لوم السياسات السابقة، علينا اليوم أن نواجه الواقع بعقلانية ومسؤولية.

هل أدركت السلطات الإيرانية تأثير الهجرة الواسعة على البنية التحتية بشكل كاف، وهل أدى ذلك إلى تحول في سياستها من نهج إنساني واقتصادي إلى أمني؟

علينا الاعتراف بأن المهاجرين الأفغان لا يُشكّلون بالضرورة تهديدا أمنيا لإيران، رغم أن الرقم الرسمي يقدّرهم بنحو ستة ملايين، وهو رقم كبير يستحق التأمل.
لكن كثيرا منهم لم يأتوا بدافع الرغبة، بل نتيجة الحرب، الفقر، وانعدام الأمن، وأنا لا أرى هذه الظاهرة في جوهرها مشكلة حقيقية.

للأسف، في العامين الأخيرين، خاصة الأشهر الماضية، امتلأت الفضاءات الإعلامية بالشائعات، وعند أي حادثة يُشار فورا إلى بعض الرعايا الأفغان، وكأنهم سبب انعدام الأمن أو شاركوا في الحروب.

لكن لنكن منصفين: إن ارتكب بضعة آلاف فقط من أصل ستة ملايين مخالفة، فهل يبرر هذا التشكيك في كامل الشريحة؟

 معظمهم مكافحون، يعيشون في إيران منذ سنوات، وكان لهم دور فعلي في الاقتصاد.

 كثير منهم يتمنون العودة لبلادهم، لكن الظروف لا تسمح، ومع ذلك، يُعاملون أحيانا وكأنهم غرباء عن المنطقة، رغم أن هذه الأراضي كانت جزءا من نسيج حضاري مشترك قبل قرنين.

والسؤال: كيف نتعامل مع هذه الظاهرة؟ الجواب: بعقلانية وواقعية.
نعم، استفاد المهاجرون من دعم حكومي في التعليم والصحة، لكن من منظور إنساني، إذا كانت لدينا موارد طبيعية كالنّفط، فلم لا نخصّص منها لجيران محتاجين؟
لكن دخول موجات واسعة من المهاجرين في ظروف غير مستقرة قد يخلق أرضية محتملة لنقل الاضطرابات، ما يطرح تساؤلات جدية عن أولوية المصلحة الوطنية مقارنة بالمساعدات الإنسانية.
هل سياسة الأبواب المفتوحة، دون تقدير للقدرة الاستيعابية، تُضعف المصالح الوطنية وتثير استياء الرأي العام؟
الهجرة من أفغانستان لإيران بدأت منذ الثورة نتيجة الاضطرابات المزمنة، وظلت تيارا مستمرا تتفاوت حدّته.
ورغم أن العدد يشكل ضغطا على البنية التحتية، فلا يجب النظر إلى الظاهرة كتهديد فقط، فقد ساهم كثير من الأفغان في الاقتصاد، والفن، والتعليم، وحتى الدراسات الجامعية.
بفضل القواسم الثقافية واللغوية والدينية، يُعد وجودهم فرصة للتنمية، لا مجرد عبء إداري.

وقد بذلت الحكومة الإيرانية جهودا لتسجيلهم، ومنحهم بطاقات إقامة، وتوفير خدمات، وهو ما يُهدد الآن بعمليات الطرد الجماعي التي قد تضر بصورة إيران دوليا، إلى جانب آثارها الأخلاقية والإنسانية.

ما مدى إمكانية تعزيز الأمن القومي عبر الاستفادة من هوية وقدرات المهاجرين الأفغان بدلا من السياسات الإقصائية؟

الحل لمواجهة التهديدات الأمنية لا يكون بالطرد العشوائي، بل قد يخلق تهديدات جديدة، فالشخص المطرود قد يُستقطب لاحقا من أجهزة معادية كالموساد، ويعود للبلاد بدافع الانتقام، عارفا بالمنطقة ومسارات الدخول، ما يعني أننا نُعزز قدرات العدو بأنفسنا.

السياسة الذكية تعتمد على القدرات الاستخباراتية لتحديد مصدر التهديد، لا الاكتفاء برؤية نتيجته، وإذا كنا نخشى تغلغل إسرائيل، علينا فهم ارتباط الشبكات ببعض الأفراد، لا الاكتفاء بإقصائهم.

المواجهة الفعالة تستدعي الاستفادة من العناصر المحلية المطلعة على المنطقة، كمهاجرين يحملون عداء لإسرائيل ويمكن توظيفهم في العمل المعلوماتي والرقابي.

ولتبني سياسة صحيحة تجاههم، يجب التعرف عليهم رسميا، منحهم بطاقات هوية، والسماح لهم بدخول سوق العمل.

عندها يمكن فرض الضرائب، وتوفير التأمين والرعاية، ومراقبة سلوكهم، أما الآن فكثيرون منهم بلا ملفات طبية، ولا حسابات بنكية، ولا رخص قيادة، ويعيشون في تهميش تام.

عادة ما تنظر الدول المستقبِلة للمهاجرين إلى الهجرة كفرصة لمعالجة الاختلالات الديموغرافية.. فهل ينطبق هذا الأمر على إيران أيضا؟

القرارات الأخيرة لا تعكس وجود سياسة خروج واضحة أو استراتيجية هجرة متماسكة، فدخول أشخاص من دول الجوار دون مسار منظم يدل على غياب التخطيط.

لكن حتى لو تورّط مئة شخص من مئات الآلاف في تعاون مشبوه، فهل الحل هو طرد 750 ألف شخص دفعة واحدة؟

الطرد الجماعي لا يعزّز الأمن القومي، بل قد يخلق دوافع انتقامية، ويزيد خطر استقطاب المتضررين إلى شبكات متطرفة.

الحل يكمن في تحرك استخباراتي دقيق لا في ردود أفعال شاملة، خاصة أن كثيرا من المهاجرين المتعلمين، ومنهم مديرون وضباط سابقون، دخلوا إيران ولم يجدوا وظائف تناسب خبراتهم.

فليس من المنطقي أن يعمل ضابط سابق في البناء ثم ننتظر ألا تحدث مشكلات، ومع ذلك، لم تكن لدينا خطة للاستفادة من هذه الطاقات ولا نملكها حتى الآن.

والأجدى، حتى أمنيا، هو استخدام قدراتهم لكشف الشبكات المشبوهة داخل البلاد وخارجها.

هل يمكن أن يشكّل التفريق بين الجيلين الأول والثاني من المهاجرين حلا واقعيا لإصلاح هذه السياسات؟

نعم؛ ربما قد حان الوقت لأن نفرّق في السياسات المرتبطة بالمهاجرين بين الجيل الأول من المهاجرين الأفغان، والجيل الثاني الذي وُلد جزء كبير منه على هذه الأرض، في إيران نفسها. 

كثير من هؤلاء الشباب نشؤوا في إيران، تعلّموا لغتنا، وعاشوا ثقافتنا، ويعتبرون أنفسهم جزءا من المجتمع الإيراني، لذلك، فإن تطبيق سياسة موحدة على الجميع قد لا يكون غير فعّال فحسب، بل من حيث الأساس غير عادل.
أنا أعارض مبدأ طرد الرعايا الأجانب؛ إلا إذا ثبت، في محكمة صالحة وعادلة، أن شخصا ما قد شكّل تهديدا واضحا ومحددا لأمن البلاد.

كيف يمكن تخفيف العبء الأحادي الذي تتحمله إيران في أزمة الهجرة الأفغانية؟

رغم التحديات والانتقادات، تحمل سياسة الهجرة الإيرانية رواية مختلفة، بل مدهشة أحيانا، مقارنة بأداء الدول الغربية.

فإيران استضافت، دون ضجيج، ملايين المهاجرين، معظمهم من أفغانستان، لسنوات، وهو رقم لافت مقارنة بإمكانيات الدول الأوروبية الغنية وحتى الولايات المتحدة.

فبينما رحّلت أمريكا مؤخرا أكثر من 11 ألف مهاجر، بينهم آلاف الأفغان الذين تعاونوا معها خلال احتلال أفغانستان، كانت إيران، رغم محدودية الإمكانات، تحتضن ملايين المحرومين.

أما ألمانيا، فقد استقبلت في ذروة أزمة اللجوء نحو مليون لاجئ فقط، رغم قوة اقتصادها وبنيتها التحتية.

هذا التناقض بين شعارات حقوق الإنسان في الغرب وسلوكهم الفعلي، يؤكد أن سياساتهم غالبا ما تُبنى على المصالح السياسية لا المبادئ الإنسانية، والهوة بين الخطاب والواقع باتت اليوم أكثر وضوحا من أي وقت مضى.

كيف يمكن لتنظيم الوضع الاقتصادي، والثقافي، بل حتى الحضاري لهذه الشريحة، أن يُشكل مدخلا لتحديد سياسة واقعية تجاه هيكل السلطة في كابول؟

قبل اللجوء للطرد، يجب تقييم مكاسب وخسائر وجود المهاجرين، فإذا تبيّن أنهم يسهمون في الاقتصاد أو الأمن، علينا وضع آلية لتنظيمهم، تشمل لجانا، مؤتمرات، دراسات علمية، والتعرف على الحاجات، لكن هذا المسار لم يُستكمل بعد.

التعاطي الإقصائي والمفاجئ دون تقييم دقيق قد يترتب عليه مخاطر أمنية؛ فالشخص الذي يُطرد بعد سنوات من العيش في إيران قد يقع في شراك شبكات معادية.

حتى مع وجود قيود تعليمية أو اقتصادية، الحل يكون بالتفاوض الدقيق والانتقائي، سواء مع طالبان أو المؤسسات الدولية.

المشكلة أننا لم نُحدّد جهة مسؤولة عن هذا الملف، ولم نضع آلية لتحليل السياسات وصياغتها، وكان يجب اجتياز هذا المسار أولا قبل اتخاذ قرارات صعبة كالإبعاد، لا العكس.

في ظل وجود نحو 6 ملايين مهاجر في إيران، كيف يمكن تحويل هذا الواقع من عبء إلى “ميزة نسبية”؟

ما زلنا نتمسك بقوانين تعود أحيانا إلى تسعينيات القرن الماضي، لقد حان الوقت لاستعراض قوانيننا بشكل «نقدي» وتحديثها.

ومن جهة أخرى، عندما يدخل مسؤول أمريكي إلى الساحة بوعود تتعلق بالإفراج عن جزء من أصول أفغانستان، فإنّ هذا الحدث قد يُغيّر بسهولة السياسات الداخلية لكابل، بل وحتى سلوك حركة طالبان الإقليمي تجاه إيران. 

لذلك ينبغي أن نتحدث نحن أيضا، بالقدر نفسه، بلغة الاقتصاد والمنطق الإقليمي مع أفغانستان.

لخّص لنا أثر ترحيل الرعايا على التطورات والروابط السياسية والأمنية بين إيران وطالبان.

تعلم طالبان أن من بين 750 ألف مهاجر يُفترض أنهم غادروا إيران، سيعود نحو 600 ألف خلال شهرين، ما يدل على فهمهم لتعقيد المسألة، ولهذا يسعون لتجنب التصعيد مع إيران، التي تدرك بدورها الواقع.

جذر الأزمة ليس في إيران، بل في الوضع الداخلي المتدهور بأفغانستان، خصوصا اقتصاديا.

المهاجرون كانوا يعبرون سابقا من طريق جبلي ويدفعون 12-13 مليون تومان، واليوم من طريق مختلف، لكن الأزمة تعود دائما لنقطة الصفر، وكأنها تعود إلى “إعدادات المصنع”.

إن لم يُكبح موج الهجرة من أفغانستان، فقد يتجاوز الحدود، ويصل حتى أوروبا، وإيران لا يمكنها وحدها تنفيذ سياسات صارمة ما لم تتعاون مع دول وسيطة كتركيا.

على أوروبا ألا تنظر للهجرة بنظرة تبسيطية، فالأزمات الإقليمية أعقد من أن تُحل بحلول مؤقتة.

رغم ذلك، هناك فرص. يمكن لإيران التعاون مع النخب والمهاجرين الأفغان المتعلمين لخلق بيئة حوار وتعاون، من خلال التفاعل مع الممثليات الأفغانية، عقد مؤتمرات، ومتابعة دبلوماسية ثقافية وإنسانية، وهي خطوات قد تساهم في سياسة هجرة واقعية ومستدامة.

أختم بكلمات لطلابي: أغلب المهاجرين جاؤوا اضطرارا لا اختيارا، نعم، هناك من أخطأ، لكن لا يجوز التعميم، فكثيرون يعملون أشقّ الأعمال لتأمين لقمة العيش.

نحن أيضا نواجه أزمات، لكن الحل ليس في طرد المهاجرين/ جذور الأزمات في مكان آخر.

التعامل الإنساني مع المهاجرين ليس فقط فضيلة أخلاقية، بل سياسة ذكية تصب في مصلحة أمننا ومستقبل المنطقة.

إلى أي مدى يرتبط تنفيذ سياسة إعادة المهاجرين بطبيعة مستوى تعامل إيران مع السلطة الحاكمة لطالبان في أفغانستان؟

تحتاج إيران إلى سياسة واقعية ومتعددة الطبقات في تعاملها مع طالبان، إذ لا مفر من التعامل مع السلطة الحاكمة بأفغانستان، خاصة في مجالات الاقتصاد، الأمن والتعليم.

بدلا من فرض القيم، يجب تشجيع طالبان على إصلاحات كتعليم الفتيات من خلال الحوار والتعاون المشروط، أما الترحيل الواسع وغير المنظم، فلا يحل المشكلات، بل يخلّف تبعات أمنية وإنسانية.
إيران لم تحسم بعد موقفها النهائي من الاعتراف بطالبان، ومن دون هذا الحسم، لا يمكن بناء استراتيجية مستقرة.

 إقليميا، يجب استخدام أدوات دبلوماسية واقتصادية لإدماج طالبان ضمن شبكة مصالح مستدامة، حتى ترتبط ملفات مثل حصة إيران من نهر هيرمند والهجرة بمصالح مشتركة.

وفي النهاية، ينبغي أن تتحول النظرة إلى أفغانستان من تهديد إلى فرصة، وأن تُصمم سياسة الهجرة بمنظور إنساني يستفيد من طاقات المهاجرين.