إيران أمام الإعلام الأمريكي.. غياب الاستعداد يحوّل الرسائل إلى نقاط ضعف                     

نشرت صحيفة فرهيختكان الأصولية، الأربعاء 23 يوليو/تموز 2025، تقريرا ذكرت فيه أن الدبلوماسية الإعلامية تُعَدّ واحدة من الأدوات الأساسية في السياسة الخارجية الحديثة، إذ تتيح للحكومات التواصل المباشر مع الرأي العام في الدول الأخرى، وفي حالة إيران، تزداد أهمية هذا النهج بشكل خاص في التعامل مع الولايات المتحدة التي لا تربطها بها علاقات دبلوماسية مباشرة.

وأضافت الصحيفة أن مقابلة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع قناة فوكس نيوز، المعروفة بقربها من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقاعدتها المحافظة، جاءت كمحاولة لإيصال رسالة إيران إلى جمهور غالبا ما يتسم بالعداء التقليدي تجاه السياسات الإيرانية.

وتابعت أن عراقجي واجه خلال هذه المقابلة أسئلة استفزازية، وهو أمر كان متوقعا تماما؛ فكلما جلس مسؤول إيراني أمام كاميرات وسيلة إعلام غربية، يتعامل مقدّم البرنامج معه كأنه محقّق.

وأردفت أن الأهم من طبيعة الأسئلة هو أسلوب الرد، إذ إن الردود الذكية يمكن أن تعيد الكرة إلى ملعب الطرف الآخر، وتحوّل موقع المسؤول الإيراني من متّهَم إلى مدّع، بينما الوقوع في فخ الإجابة على سلسلة من الاتهامات اللامتناهية قد يعزّز موقف الطرف الآخر الهجومي.

.

وأوضحت أن كلا من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في مقابلته مع الصحفي الأمريكي تاكر كارلسون، وعراقجي في حواره مع فوكس نيوز، ارتكبا خطأ مشتركا تمثّل في افتراض وجود حاجز فاصل بين الجمهورين الداخلي والخارجي؛ ما جعل بعض تصريحاتهما تؤدي، من حيث الأثر، إلى نقل مركز العمليات النفسية من الولايات المتحدة إلى داخل إيران.

لا حاجز بين الجمهورين

ذكرت الصحيفة أن من النقاط المحورية في الدبلوماسية الإعلامية إدراك أن تصريحات أي مسؤول رسمي في وسيلة إعلام أجنبية لا تقتصر على الجمهور الخارجي فحسب، بل سرعان ما تجد صدى داخل إيران أيضا؛ إذ لا يوجد حاجز بين الجمهورين، فصوت عراقجي يُسمع في إيران تماما كما يُسمع في الولايات المتحدة.

وأكَّدت أنه من غير الواضح ما إذا كانت مقابلة عراقجي قد خلّفت أثرا إيجابيا على الساحة الخارجية، غير أن تأثيرها السلبي داخل إيران يكاد يكون مؤكدا في ظل هذه الظروف.

وأفادت فضلا عن ذلك، بأن المقابلة وإن كانت تهدف إلى التأثير في الرأي العام الأمريكي، فقد جاءت نتائجها في غير صالح إيران؛ إذ إن الطريقة التي تحدث بها عراقجي، والتي أوحت بأنه في موقع دفاع، بعثت برسالة واضحة للجمهور الأمريكي بأن إيران في موقف ضعف، وأن الاتهامات الموجهة إليها تبدو موثوقة وجديرة بالتصديق، وهذا لا يساهم في تقوية موقف إيران، بل يمنح الطرف الآخر فرصة لترسيخ روايته وفرض مزيد من الضغوط.

“لسنا نحن من يجب أن يدافع عن نفسه أمام الاتهامات”
أوردت الصحيفة أنه من أبرز الانتقادات التي وُجّهت إلى مقابلة عراقجي، تتعلق بالنبرة والأسلوب اللذين بديا كأن الهدف منهما لم يكن توضيح مواقف إيران، بل تبرير أو الدفاع عن سياساتها في مواجهة الاتهامات التي طرحها مذيع قناة فوكس نيوز.

وبيَّنت أن هذا الأسلوب، خصوصا عند الرد على أسئلة تتعلق بشعار الموت لأمريكا واستراتيجية زوال إسرائيل، أعطى الانطباع بأن إيران في موقع المتهم الذي يسعى إلى تبرئة نفسه، في حين أن تهديدات إيران جاءت في سياق ردود فعل على عمليات حقيقية نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل بهدف تقسيم إيران أو القضاء عليها.

ونوَّهت إلى أن عراقجي بدلا من أن يوضح الخلفيات التي تقف وراء مواقف إيران الدفاعية ويضع الطرف المقابل في موضع الاتهام، اختار نهج التراجع، كأن تأثيره المقصود لم يكن على الرأي العام الأمريكي، بل على الداخل الإيراني من خلال شن عملية نفسية موجهة.

ولفتت إلى أن هذا الأمر ينطبق أيضا على المقابلة السابقة لبزشکیان، والتي تناولتها صحيفة فرهيختكان حينها، إلا أن أداء الحكومة في تعاملها مع وسائل الإعلام الأجنبية لم يتغير، رغم الانتقادات الواسعة التي وُجهت لمقابلة بزشکیان، وها هو وزير الخارجية يكرر الخطأ ذاته، بافتراض وجود حاجز بين الجمهور الداخلي والخارجي، ويحوّل فرصة التأثير إلى ما يشبه الارتداد العكسي كالسهم المرتد.

لا يُواجه التهديد بالاستسلام لرواية الهزيمة
سلَّطت الصحيفة الضوء على أن الاستدلالات التي طرحها عراقجي في أجزاء عديدة من المقابلة توحي وكأن المخاطب الحقيقي ليس الرأي العام الأمريكي، بل شخص ترامب نفسه، فعندما يقول إن المنشآت النووية الإيرانية تعرّضت لأضرار جسيمة، فإنه يكرّر الموقف ذاته الذي عبّر عنه ترامب خلال الأشهر الماضية.

وأكّدت أنه استنادا إلى ما سبق يبدو أن عراقجي أراد من خلال هذا التصريح أن يعزز سردية انتصار ترامب في المواجهة مع إيران داخل الساحة السياسية الأمريكية، على أمل أن لا يضطر ترامب إلى شنّ هجوم جديد على إيران من أجل تثبيت هذه السردية وكسب مكاسب سياسية داخلية.

وأبرزت أن هذا النوع من المقاربة يعكس فهما ناقصا لطبيعة بيئة الحرب، فالمعادلات التي تحكم ساحة المعركة تُحدَّد بناء على معلومات استخباراتية وعملياتية دقيقة، لا على التصريحات الإعلامية أو الحسابات السياسية، والدليل على ذلك هو موقف الولايات المتحدة في دعمها لأوكرانيا في مواجهتها مع روسيا.

وأبلغت أنه عندما كان ترامب في الأوساط السياسية والإعلامية يسخر من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بسبب رفضه القبول بإنهاء الحرب، ذهب بعضهم إلى القول إن العلاقة الشخصية بين ترامب وبوتين قد تؤدي إلى فرض هدنة قسرية على أوكرانيا.

وأوردت أنه بعد بضعة أشهر، غيّر ترامب موقفه وأعاد تأكيد دعمه لأوكرانيا، بل أطلق تصريحات حادّة ضد بوتين، مما أظهر أن ساحة الحرب ليست ميدانا يمكن لرئيس الولايات المتحدة أن يتخذ فيه قراراته بتجاهل المعطيات الاستخباراتية والأهداف الاستراتيجية، والاعتماد فقط على مصالحه السياسية.

وأظهرت أن سوء الفهم تجاه السياسات الأمنية هو ما جعل ترامب، بعد مقابلة عراقجي يوم الثلاثاء 22 يوليو/تموز 2025، مباشرة، ينشر عباراته نفسها عبر شبكة تروث سوشال، مستندا إليها لبناء سردية انتصار جديدة، ومكرّرا لهجته التهديدية بالقول، إذا لزم الأمر، سأعيد الهجوم على إيران.

وأضافت أن هذا النوع من الخطاب المنفعل دفع كذلك صفحة إسرائيلية إلى إعادة نشر تصريحات عراقجي باعتبارها وثيقة تؤكد انتصار إسرائيل، مرفقة بتعليقات تهكمية على موقف إيران وبنبرة تهديدية.

وأقرَّت بأن هذه المواقف تُثبت من الطرف الآخر أن الإذعان لسردية الانتصار التي يروّج لها الخصم لا يضمن خفض التوتر، بل قد يؤدي إلى تعزيز دوافعه الإعلامية والسياسية لتصعيد الإجراءات العدوانية بشكل أكبر.

الفشل في تحويل التهديد إلى فرصة
ذكرت الصحيفة أن إحدى الفرص الرئيسية في مقابلة مع وسيلة إعلامية مثل “فوكس نيوز” هي إمكانية إيصال رسالة إيران إلى الجمهور الأمريكي وتحدي السرديات الأحادية التي تروّجها وسائل الإعلام الغربية، ومع ذلك، فإن عراقجي في بعض الحالات، بدلا من استغلال هذه الفرصة لشرح إجراءات إيران كرد فعل على اعتداءات الولايات المتحدة وإسرائيل، اكتفى بردود دفاعية. 

وتابعت أنه على سبيل المثال، في رده على سؤال يتعلق باتهام إيران بمحاولة اغتيال مسؤولين أمريكيين، بدلا من الإشارة إلى الأعمال الإرهابية للولايات المتحدة وإسرائيل، مثل اغتيال اللواء سليماني وقادة عسكريين آخرين خلال حرب الأيام الاثني عشر، واغتيال العلماء النوويين، ومحاولة استهداف كبار المسؤولين الإيرانيين، والتهديد الصريح باغتيال المرشد الأعلى، نسب هذه الاتهامات إلى جماعات متطرفة.

وأردفت أن هذا النهج، إضافة إلى أنه يعزز موقف الطرف الآخر في تبرير أفعاله التصعيدية، ينقل محور العمليات النفسية من واشنطن إلى طهران، وهذا الفشل في تحويل التهديد إلى فرصة، خاصة في ظل كون إيران ضحية لاعتداءات واضحة، يُعد خطأ استراتيجيا. 

وأكَّدت أنه كان بإمكان عراقجي، بالإشارة إلى الأعمال الإرهابية للولايات المتحدة وإسرائيل، أن يُلقي بالكرة في ملعب الخصم ويطلب من المذيع، بدلا من توجيه الاتهامات لإيران، توضيح موقف الولايات المتحدة من هذه الأعمال، وهذا النهج كان سيُظهر للجمهور الأمريكي أن إيران في موقع المطالبة، وأن أي تهديد صدر عنها حتى الآن لم يكن سوى رد فعل على الإجراءات العدوانية للطرف المقابل، وليس عملا تصعيديا بحد ذاته.


نوَّهت الصحيفة إلى أنه في ظل تشكّل تيار عالمي داعم لفلسطين ومعارض لسياسات إسرائيل، يُتوقّع من المسؤولين الإيرانيين أن يعززوا منطق هذا التيار من خلال مواقف حاسمة، ومع ذلك، فإن المواقف المترددة لعراقجي في هذه المقابلة قد تؤدي إلى نتائج عكسية. 

وأشارت إلى أنه “عندما يلجأ عراقجي، بدلا من تأكيد جرائم إسرائيل والمطالبة بمحاسبة هذا النظام على اعتداءاته، إلى ردود دفاعية وتبريرية، فإن الجبهة الإعلامية العفوية التي تشكّلت في الخارج لمواجهة تيار التحريف تُواجه تحدّيا مفاده أنه إذا كانت إيران نفسها قد أقرّت بالاتهامات أو تراجعت عن مواقفها السابقة”.

وأوضحت أن دفاعهم عن مقاومة شعوب المنطقة ضد إسرائيل والولايات المتحدة يبدو مبالغا فيه، وقد يُطلب منهم أيضا الرضوخ لمواقف أبرز داعمي محور المقاومة والتراجع عنها.

الطريق الصحيح للدبلوماسية الإعلامية

أبرزت الصحيفة أن إجراء مقابلات مع وسائل الإعلام الأجنبية، وخصوصا الوسائل المحافظة مثل فوكس نيوز، يتطلب استعدادا لمواجهة الجدل الإعلامي، ويجب على المسؤولين الإيرانيين أن يُعدّوا مسبقا إجابات منطقية وحاسمة على الأسئلة الجدلية المتكررة والمتوقعة قبل المشاركة في مثل هذه المقابلات، فذلك من شأنه أن يمنع الوقوع في فخ الاتهامات وسوء الفهم.
ودعت إلى ضرورة تصميم الدبلوماسية الإعلامية بطريقة تستجيب في الوقت نفسه لاحتياجات الجمهورين الداخلي والخارجي، ويجب ألا تؤدي التصريحات المطروحة إلى إضعاف الروح الوطنية أو تقويض الثقة العامة في السياسة الخارجية للدولة، وعلى المسؤولين الإيرانيين أن يُقيّموا بدقةٍ التأثيرات المحتملة لتصريحاتهم على الرأي العام المحلي قبل إجراء المقابلات الدولية.

ورأت أنه “بدلا من اتخاذ موقف دفاعي إزاء الاتهامات، ينبغي الرد بحزم عبر الإشارة إلى الأعمال الإرهابية والعدوانية للطرف الآخر، ونقل الكرة إلى ملعب الخصم، فالدبلوماسية الإعلامية تتطلب الحفاظ على توازن دقيق بين المرونة الدبلوماسية والاقتدار الوطني، إذ إن التصريحات التي تبدو مفرطة في الليونة أو مترددة قد توصل للطرف الآخر رسالة خاطئة مفادها أن إيران في موقع ضعف”.

وفي الختام حذرت الصحيفة من أن هذا الفهم قد يدفع الخصم في الساحة الدبلوماسية إلى السعي بمزيد من الحماسة نحو تحقيق مكاسب مفرطة.