إيران على أعتاب العودة إلى مجموعة العمل المالي.. انفراجة دبلوماسية واقتصادية بعد سنوات من الجمود

بعد أكثر من ست سنوات من إدراجها على القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي، المعروفة اختصارا بـFATF، تستعد إيران لفتح صفحة جديدة في علاقاتها المالية والاقتصادية الدولية، عقب تلقيها دعوة رسمية من الأمانة العامة للمجموعة لإجراء مفاوضات مباشرة في العاصمة الإسبانية مدريد، فيما تأتي هذه الدعوة في أعقاب خطوات تشريعية وسياسية بارزة، من بينها مصادقة مجمع تشخيص مصلحة النظام على اتفاقية باليرمو، ما يفتح الباب أمام احتمال رفع العقوبات المرتبطة بإجراءات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وإعادة دمج إيران في النظام المالي العالمي.

دعوة بعد قطيعة طويلة

فبحسب ما أعلنه المركز الإيراني للمعلومات المالية، الجمعة 8 أغسطس/آب 2025، تلقى هادي خاني، أمين المجلس الأعلى لمكافحة جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ذلك بصفته رئيس المركز، دعوة رسمية من أمانة مجموعة العمل المالي لحضور مفاوضات مباشرة في مدريد، وذلك بعد ست سنوات من توقف الاتصالات الرسمية مع طهران، فيما تعد هذه الدعوة تطورا استثنائيا بوصفها المرة الأولى منذ عام 2018 التي تبدي فيها مجموعة العمل المالي استعدادا للحوار المباشر مع إيران، في إطار مسار “تطبيع الملف” وتعليق الإجراءات العقابية.

وتأتي هذه الخطوة بعد أن قدمت إيران خلال العامين الماضيين تقارير مفصلة عن إجراءاتها في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب إلى المجموعة الإقليمية التابعة لـFATF، إلى جانب إقرار قانون الانضمام إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، المعروفة باتفاقية باليرمو.

وفي هذا السياق، كان سعيد إيرواني، سفير وممثل إيران الدائم لدى الأمم المتحدة، قد أعلن الثلاثاء 5 أغسطس/آب 2025، في رسالة إلى أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، أنه بناء على تعليمات الحكومة، سيقوم بإيداع وثيقة تصديق إيران على اتفاقية بالريمو، والتي تم توقيعها رسميا من قبل عباس عراقجي، وزير خارجية جمهورية الإيراني في 30 يوليو/تموز 2025.

وبهذا الشأن، أعلن وزير الاقتصاد الإيراني علي مدني ‌زاده أعلن، في مقابلة تلفزيونية مساء الجمعة 9 أغسطس/آب 2025، أن حل عقدة FATF بعد سبع سنوات يشكل خبرا سارا للمواطنين، مشيرا إلى أن الدعوة للتفاوض جاءت بعد التصديق على اتفاقية باليرمو، وأكد الوزير أن هناك خبرا اقتصاديا آخر سيعلنه الرئيس الإيراني خلال أسبوع الحكومة يتعلق بملف الأسهم العدلية، وهو ما اعتبره جزءا من السياسات الاقتصادية الهادفة إلى تحقيق فوائد مباشرة للمواطنين.

وخلال حديثه، أشار وزير الاقتصاد إلى أن التوافق والتنسيق بين مؤسسات الدولة يعد من أهم استراتيجيات الحكومة حاليا، مشددا على ضرورة التعاون، خصوصا في مجالات مثل الجمارك التي تتطلب تفاعلا متعدد الأطراف، معتبرا أن هذا المستوى من التكاتف كان استثنائيا خلال فترة الحرب المفروضة، ويمكن أن يشكل نموذجا للتعاون المستقبلي.

كما أوضح أن تفويض الصلاحيات هو ثاني استراتيجيات للحكومة، مبينا أن الانتقال من النظام المركزي إلى نظام لا مركزي كان هدفا رئيسيا، حيث ركزت إرادة الرئيس على منح الصلاحيات للوزراء واللجان الحكومية والمحافظين لتسريع عملية اتخاذ القرار، وتابع “هذا النهج، الذي أصبح أجندة دائمة بعد الحرب، ساعد على منع تشتت المهام وتعزيز التنسيق من خلال تحديد المسؤوليات بوضوح”.

وأكد مدني‌ زادة أن الحكومة تفضل استراتيجة مضادة الهشاشة الاقتصادية على الاكتفاء بالتركيز على المرونة، موضحا أن هذه الاستراتيجية تعني تحسين الوضع الاقتصادي بعد الصدمات الكبرى، لا مجرد الحد من آثارها، وتشمل تنفيذ إصلاحات هيكلية كانت مؤجلة، مثل تحويل نشاط الجمارك إلى العمل على مدار الساعة، ما ساهم في تحسين العمليات وحماية الاقتصاد.

باليرمو مفصل تشريعي مهم

يذكر أن اتفاقية باليرمو، اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة، والتي صادقت عليها إيران في مايو/أيار من العام 2025، ليست مجرد وثيقة شكلية، فهي واحدة من أربع اتفاقيات دولية تعتبرها FATF معيارا أساسيا لالتزام الدول بالشفافية المالية، وكانت إيران قد انضمت في السابق إلى اتفاقيتين فقط من هذه المجموعة، وبذلك كانت تواجه انتقادات متكررة لعدم استكمال التزاماتها.

الاتفاقية، التي وقعت من قبل إيران لأول مرة عام 2000، واجهت سنوات من الجدل الداخلي بين البرلمان، مجلس صيانة الدستور، ومجمع تشخيص مصلحة النظام، وبعد أخذ ورد دام سنوات، أقرها مجمع تشخيص مصلحة النظام، ليتبع ذلك إيداع الوثيقة رسميا لدى الأمين العام للأمم المتحدة عبر وزارة الخارجية.

هذا، وقد كان لتوقيع إيران على الاتفاقية تبعات اقتصادية وسياسية إيجابية بارزة، فقد أرسل القرار إشارات طمأنة للأسواق، ما أدى إلى انخفاض أسعار الدولار وارتفاع مؤشرات البورصة، خاصة في القطاعات المصرفية والصناعات الموجهة للتصدير، كما عزز التوقعات بانفراج العلاقات المصرفية الدولية وخفض المخاطر الائتمانية، الأمر الذي شجع مستثمرين وشركات أجنبية على إعادة النظر في مشاريعهم داخل إيران.

إلى جانب باليرمو، تضع FATF شرطا آخر على طهران يتمثل في الانضمام إلى اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب (CFT)، والتي ما زالت قيد الدراسة والمناقشة داخل أروقة اتخاذ القرار في إيران، حيث يرى خبراء أن انضمام إيران إلى CFT، باعتبارها الاتفاقية المكملة لباليرمو، سيكون خطوة حاسمة في إزالة العراقيل المتبقية أمام خروجها من القائمة السوداء، وفتح قنوات أوسع للتعاون الاقتصادي مع العالم.

مفاوضات مدريد.. على طريق رفع العزلة

المفاوضات المقررة في مدريد، بحسب المراقبين، قد تكون الخطوة العملية الأولى نحو إعادة دمج إيران في النظام المالي العالمي، بعد سنوات من القيود التي فرضتها FATF على تعاملات البنوك والمؤسسات المالية الإيرانية، هذه القيود، المندرجة تحت الإجراءات المضادة، كانت تعني عمليا توصية الدول الأعضاء بتشديد الرقابة على أي تعاملات مالية مع إيران، ما أدى إلى عزل القطاع المصرفي الإيراني عن النظام المالي الدولي، وزيادة تكاليف التجارة والتحويلات البنكية.

وفي حال نجاح المفاوضات، فإن أولى النتائج المتوقعة هي تعليق الإجراءات العقابية، يليها خروج تدريجي لإيران من القائمة السوداء، وهو ما سينعكس على شكل زيادة في حجم المبادلات التجارية، وتسهيل الوصول إلى القنوات المصرفية، وجذب الاستثمارات الأجنبية.

البعد السياسي والاقتصادي للخطوة

إن إعادة التواصل بين إيران وFATF تحمل أبعادا سياسية واقتصادية متشابكة، فعلى الصعيد السياسي، فإن هذه الخطوة تعكس رغبة الحكومة الإيرانية في إظهار التزامها بالمعايير الدولية، خاصة في ظل سعيها لتخفيف الضغوط الاقتصادية وجذب الاستثمارات، أما على الصعيد الاقتصادي، فإن الخروج من القائمة السوداء سيمنح البنوك الإيرانية فرصة للتعامل المباشر مع المصارف العالمية، ما قد يخفض تكلفة التحويلات ويزيد القدرة على تمويل المشاريع الكبرى.

كما أن استكمال انضمام إيران إلى الاتفاقيات الأربع التي تضعها FATF كشرط للتعاون، قد يسهم في بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، ويُحسن تصنيف إيران الائتماني، ويعزز قدرتها على المشاركة في المشاريع الاقتصادية الإقليمية والدولية.

كذلك، فمن المتوقع أن تؤدي هذه التطورات إلى تحسن في مناخ الأعمال داخل إيران، حيث سيشعر المستثمرون المحليون والأجانب بمزيد من الثقة في قدرة البلاد على الالتزام بالمعايير المالية الدولية. كما أن عودة القنوات المصرفية قد تساهم في خفض التضخم عبر تسهيل استيراد السلع الأساسية وخفض كلفة المدفوعات الدولية.

رغم ذلك، فقد تستغرق النتائج الإيجابية وقتا قبل أن تنعكس بشكل ملموس على حياة المواطنين، خاصة إذا بقيت بعض العقوبات الاقتصادية الأخرى المفروضة على طهران قائمة.

تحديات أمام المسار الجديد

رغم الأجواء الإيجابية التي أحاطت بالدعوة، فإن الطريق أمام إيران ليس خاليا من التحديات، فالانضمام الكامل إلى CFT لا يزال يثير نقاشات سياسية داخلية حادة، خاصة في ما يتعلق بتفسير بعض بنودها وتأثيرها على سياسات إيران الإقليمية، كذلك، فإن تطبيق معايير FATF يتطلب تحديثا شاملا للإجراءات المصرفية والرقابية داخل البلاد، وضمان الشفافية في جميع التعاملات المالية.

علاوة على ذلك، قد تواجه إيران ضغوطا خارجية من بعض الأطراف الدولية التي ترى في عودتها إلى النظام المالي العالمي خطوة تعزز من قدرتها الاقتصادية والسياسية، وهو ما قد يتعارض مع سياساتهم.

لحظة مفصلية

الدعوة التي تلقتها إيران من FATF ليست مجرد خطوة بروتوكولية، بل هي مؤشر على تغير في المزاج الدولي تجاه طهران، وفرصة لا تعوض لإعادة الاندماج في الاقتصاد العالمي، فنجاح المفاوضات المقبلة في مدريد قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات المالية والتجارية، ويمنح إيران فرصة لإعادة بناء جسور الثقة مع الشركاء الدوليين.

ومع ذلك، فإن هذه الفرصة مرهونة بقدرة الحكومة الإيرانية على المضي قدما في استكمال التزاماتها الدولية، وحسم القضايا العالقة مثل CFT، وتنفيذ إصلاحات هيكلية عميقة تضمن استدامة الشفافية المالية، وإذا ما تحقق ذلك، فقد تكون عودة إيران إلى FATF بداية فصل جديد في تاريخها الاقتصادي والسياسي، بعد سنوات من العزلة والتحديات.

كلمات مفتاحية: