موجة جديدة من الاستعدادات في طهران.. الملاجئ تعود إلى الواجهة بعد عقود

تشهد العاصمة الإيرانية طهران حراكا متزايدا في ملف الاستعدادات المدنية للأزمات، مع عودة ملف الملاجئ الحضرية إلى واجهة النقاش السياسي والهندسي في البلاد. فبعد عقود من غياب هذا المفهوم عن التخطيط العمراني، تتجه السلطات اليوم نحو إعادة تفعيل منظومة الدفاع المدني لمواجهة احتمالات التصعيد العسكري أو الكوارث الكبرى، في خطوة تعكس إدراكا رسميا بأن الأمن لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل بالبنية التحتية القادرة على حماية السكان، هذا التوجه يأتي في سياق تزايد التحذيرات من ضعف جاهزية العاصمة، وحاجة مؤسساتها إلى تحديث خطط الإغاثة والطوارئ بما يضمن سلامة المدنيين.

طهران وبناء الملاجئ.. حاجة ملاحة وعمل متتالي

خلال الجلسة رقم ٣٣١ لمجلس بلدية طهران، والتي عقدت الأحد 9 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، أكد مهدي جمران، رئيس المجلس، أن العاصمة الإيرانية تحتاج إلى استعداد هندسي شامل لمواجهة الأزمات، داعيا إلى وضع خطة متكاملة لبناء الملاجئ الحضرية بالاستفادة من تجربة فترة الحرب الإيرانية العراقية، موضحا أن طهران وسائر المدن الإيرانية تفتقر إلى ملاجئ آمنة وفعالة، ومشيرا إلى إمكانية إعادة استخدام الملاجئ القديمة في حالات الضرورة بعد ترميمها.

وقد أوضح جمران أنه خلال الحرب العراقية الإيرانية تم تشكيل هيئة خاصة لبناء الملاجئ، حيث صممت نماذج تعتمد على الجدران الخرسانية وأسلوب التجميع بالمسامير والصواميل، داعيا البلدية والجهات التنفيذية إلى إعادة دراسة هذه النماذج وتحديثها، كما أشار إلى تجارب دول أخرى، مثل سويسرا التي تمتلك ملاجئ مقاومة للإشعاعات النووية، وتل أبيب التي تقل فيها الخسائر البشرية أثناء القصف بفضل أنظمة الدفاع المدني المتطورة والتدريبات المنتظمة.

وأضاف أن طهران بحاجة إلى حلول هندسية تعتمد على المعايير العالمية، وأن الملاجئ يجب أن تكون جزءا من متطلبات البناء في المشاريع المستقبلية. كما أوضح إمكانية استخدام محطات المترو كملاجئ طارئة نظرا لموقعها تحت الأرض، شريطة إيقافها في الحالات القصوى، في حين أن قاعات إدارة الأزمات مخصصة أساسا للزلازل وتخزين المعدات وليست مناسبة للقصف، وختم جمران بالتأكيد على أهمية التنسيق بين البلدية ومحافظة طهران والجهات المعنية لتحديد المهام في مجال الاستعداد للأزمات، مؤكدًا أن البلاد يجب أن تكون دائمًا على أتم الجاهزية لمواجهة التهديدات، ومعبّرًا عن ثقته بأن طريق الاستعداد هذا هو طريق انتصار الشعب الإيراني.

وبشأن تركيب صفارات الإنذار في طهران، أوضح جمران” أنا حاليا لا أؤيد تركيب صفارات الإنذار في العاصمة، وقد اقترحت أن يتم أولا دراسة الجوانب الاجتماعية، وخاصة المسائل الأمنية، قبل تنفيذ ذلك، لقد كانت صفارات الإنذار موجودة في فترة الدفاع المقدس، الحرب الإيرانية العراقية، التي استمرت ثماني سنوات، وعندما كانت تطلق، كان الناس إما يجدون مأوىً ويذهبون إليه، أو لا يجدون فيصعدون إلى أسطح المنازل، لدينا تجربة سابقة في استخدام الصفارات، لكنها أزيلت لاحقا، يجب على المسؤولين الأمنيين في المدينة أن يتخذوا القرار بهذا الشأن. وهناك أيضا نقاش آخر، هل نعود لاستخدام تلك الصفارات القديمة أم يمكننا الاعتماد على الهواتف المحمولة لإرسال التحذيرات دون الحاجة إلى إصدار أصوات مرتفعة؟ لأن بعض الناس يرون أن صوت الصفارات يسبب الذعر والتوتر ولا يؤيدون استخدامه”.

ولم يمض يومين حتى يتحدث جمران مرة أخرى عن الملاجئ، فأعلن الثلاثاء 11 فبراير/ تشرين الثاني 2025، خلال جلسة لمجلس البلدية أيضا، عن بناء ملاجئ جديدة في أماكن خاصة بالعاصمة، مخصصة لاستخدام المواطنين في حالات الهجوم العسكري، مشيرا إلى أن ذكر مواقعها ليس ضروريا، وأضاف “لم تبن ملاجئ جديدة في طهران إلا في أماكن محددة، ولا يجوز الإفصاح عنها”، كما أشار إلى الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل، مضيفا أن السلطات جهزت محطات المترو لتكون صالحة للاستخدام كملاجئ أثناء الحرب، وأنهم قاموا بزيارات ليلية لتفقد تلك المواقع.

واختتم تصريحاته بقوله “نأمل ألا يحدث شيء، لكن على أي حال، يتم استكمال تجهيز هذه الملاجئ”.

قبل ذلك، كان اللواء غلام رضا جلالي، رئيس منظمة الدفاع المدني الإيرانية، قد أعلن إقرار وإبلاغ تعليمات جديدة لبناء وتجهيز الملاجئ في عموم البلاد، موضحا أن هذه التعليمات صادرة عن رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، وتنص على تكليف البلديات بمهمة إنشاء الملاجئ وإعدادها، فيما أُلزِمت وزارة الطرق والإسكان بتعديل لوائح البناء والإعمار لتتلاءم مع التهديدات العسكرية المحتملة.

Image

وخلال اجتماعه في اللجنة الوطنية للدفاع المدني التابعة لجمعية الهلال الأحمر الإيراني، الذي انعقد في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، أشار جلالي إلى أن البلاد تواجه في الوقت الراهن عدة أولويات أساسية، أهمها، تعزيز القدرات الدفاعية، وتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وزيادة مرونة البنية التحتية، ورفع الوعي الإعلامي في مواجهة الحرب المعرفية.

وأوضح أن تجربة الحرب التي استمرت ١٢ يوما أظهرت الحاجة إلى تحديث الخطط الدفاعية وفق التهديدات الجديدة، مؤكدا ضرورة إعداد خطط تشغيلية متخصصة لجميع المؤسسات بحيث يمكن تنفيذ الإجراءات المناسبة بسرعة في الحالات الطارئة.

وأضاف جلالي على ضرورة تعزيز قدرات الدفاع المدني في الهلال الأحمر، خصوصا في الدفاع الإشعاعي والكيميائي بالمناطق القريبة من المراكز النووية والصناعية، مع تطوير البنية التعليمية والتجهيزية، كما دعا إلى تفعيل مفهوم الدفاع الشعبي وتحديث الخطط الميدانية بانتظام، خاصة المتعلقة بـ الملاجئ الحضرية وبرامج الإغاثة والتدريب، مؤكدا أن تعليمات الشهيد شاطري لتنظيم الملاجئ والإسكان المؤقت تعد مرجعا أساسيا يستوجب إعادة تقييم وإدارة عاجلة.

جديرا بالذكر أن العاصمة الإيرانية طهران تضم أكثر من 290 ملجأ موزعة في مختلف مناطقها، غير أن مواقعها الدقيقة لا تعلن رسميا لأسباب أمنية تتعلق بالدفاع المدني، وبحسب تقرير موقع اقتصاد أونلاين، تعد بعض هذه الملاجئ من أبرز النقاط الآمنة في العاصمة، منها الملجأ الضخم الواقع تحت حديقة المدينة وسط طهران، وملاجئ مجمّع آزادي قرب الاستاد الرياضي، إلى جانب ملاجئ منطقة نارمك شرق المدينة التي تعود لفترة الحرب الإيرانية العراقية، والملاجئ المنتشرة في بازار طهران التاريخي، التي لا تزال حتى اليوم صالحة للاستخدام في الحالات الطارئة.

Image

تجارب إيران السابقة مع بناء الملاجئ

كان للمدينة القديمة تاريخ مع بناء الملاجئ والتحصينات، ففي أعقاب اندلاع الحرب بين الحرب الإيرانية العراقية، والتي جاءت بين سنوات 1980 و 1988، برزت لدى إيران ضرورة ماسة لإنشاء بنى دفاعية مدنية تحصن المدن والسكان من الغارات الجوية والقصف الصاروخي، وأشار باحثون إلى أن هذه الحرب دفعت الجهاز المدني والعسكري في إيران إلى تطوير مكونات ما يعرف أي الدفاع (المدني) غير الفعال للمدن والبُنى التحتيّة، وبحسب الدراسات، فخلا فترة الحرب فقد تم إنشاء ملاجئ عامة وصغيرة تحت إشراف وحدات الهندسة في الجيش والحرس الثوري ووزارة الإسكان آنذاك، خصوصا في المناطق الحضرية المعرضة للقصف، فعلى سبيل المثال، ففي العاصمة طهران، لا تزال بعض الملاجئ التي أقيمت خلال تلك الفترة موجودة وتعد مواقع مذكورة ضمن قوائم مواقع آمنة حتى اليوم، مثل الملاجئ تحت الأرض في منطقة نارمك أو في بازار طهران.

Image

لكن رغم هذه التجربة، فإن المصادر تشير إلى أن الكثير من تلك الملاجئ لم يتم صيانتها أو تحديثها بعد الحرب، بل تعرضت للتطويع أو الإهمال إلى حد كبير، وبناء عليه، يمكن القول إن تجربة إيران في بناء الملاجئ خلال الحرب كانت تجربة ضغط استثنائي، استجابة مباشرة للحاجة العاجلة، في وضع تتعرض فيه المدن لقصف شامل، وسكان فقدوا الأمان، وبنى تحتية متناثرة تتطلب حماية فورية، هذا الواقع جعَل الملاجئ، حتى لو كانت بسيطة أو تحت التجريب، جزءا من هيكل الدفاع المدني وقت الحرب، لكن مع انتهاء الحرب، تغير تركيز الحكومة أكثر إلى إعادة الإعمار والتحول الاقتصادي، فيما تأخرت جهود تحديث مناهج القبول والتطوير لتلك الملاجئ. وهنا ظهر فجوة زمنية بين الجيل الذي عاش الحرب والجيل الذي يعيش اليوم في السياق المدني الحديث.

الخبراء أشاروا إلى أن أحد أبرز الدروس كان أن ملاجئ اليوم يجب أن تكون مصممة ليست فقط لقصف تقليدي، بل لمجالي الصواريخ الدقيقة، والأسلحة الخارقة للتحصينات، ما يستدعي أن تراجع التصاميم القديمة وتعدل، وبالتالي، تجربة الحرب توفر على الأقل نقطتي ارتكاز، أولا، إثبات أن الملاجئ تعمل وتستخدم فعليا في وقت الخطر، وثانيا، مواجهة سؤال تحديثها وصيانتها وتجهيزها في عصر تبدّلت فيه طبيعة التهديدات، وهذا يؤدي إلى الحاضر الذي يتطلب من السلطات ألا تعيد بناء من الصفر فحسب، بل تستعيد وتطور ما بني سابقا.

كيف ستساعد الملاجئ الشعب الإيراني وتحميه من الهجمات

إن الحديث اليوم عن تطوير منظومة الملاجئ الحضرية في إيران ليس ترفا أو توجها شكليا، بل هو ركيزة حماية حيوية للسكان في الظروف الحرجة، خصوصا تلك التي عاصرها الشعب الإيراني خلال حرب يونيو/ حزيران 2025، وطالت مبنى الإذاعة والتلفزيون ورؤساء السلطات الثلاث، فالملاجئ تشكل خط الدفاع الأول للمواطنين أمام هجمات ربما تتغير طبيعتها وتوقيتها، ومن ثم استخدامها بطريقة فعالة يعد عاملا مهدئا للذعر الجماعي.

أولا، ومن منظور التهديد، فلا تزال ايران تواجه إمكانية تعرضها لهجمات جوية وصاروخية او حتى تهديدات اشعاعية كيميائية في المستقبل، ووجود ملاجئ حضرية قريبة من مكان سكن المواطنين يقلل الزمن الذي يستغرقه الفرد للوصول الى مكان امن و يخفض احتمالات وقوعه في مسار الخطر أثناء الفرار، وهذا يعني انخفاضا في الخسائر البشرية وإبطاء انهيار النظام الاجتماعي خلال الهجوم.
ثانيا، تلبي الملاجئ دورا أكبر من مجرد مكان للنزول تحت الأرض، فهي تعزز الثقة المجتمعية بالمؤسسة عندما يدرك المواطن ان هناك خطة واضحة ومكان جاهز للاستخدام فان ذلك يعزز شعور الأمان ويقلل من حالة الذعر الجماعي التي غالبا ما تتسبب في تدفق جماعي او فرار يبدو عشوائيا.

Image

كذلك، فيمكن للملاجئ ان تستغل خارج إطار العدوان المباشر مثل الزلازل الفيضانات او الحوادث الكبرى كما تشير التجارب اي انها تتحول الى عنصر من منظومة الطوارئ المدنية الشاملة وهذا يضاعف مبرر الاستثمار فيها، ورابعا من الناحية النفسية، فإن وجود ملاجئ فعالة يسهم في استقرار الوضع النفسي للناس وهو عامل يقلل من التكلفة الطبية والاجتماعية بعد الهجوم فعندما يرى الفرد ان مكان الحماية قريب ومعلوم يقل شعوره بالهشاشة والعزلة، وأخيرا من الناحية التنظيمية، فإن ادماج الملاجئ ضمن عمليات البلديات والمجتمعات المحلية وتدريب المواطن على استخدامها يخلق ثقافة دفاع مدني شعبية حيث لا يكون المواطن فقط مستهلكا للخدمة بل مشاركا فيها وهذا يعزز فعالية الاستجابة تحت الضغط.