جدل في طهران…كتاب جهانجيري يعيد فتح ملف عقد مثقل بالأزمات

شهدت طهران تجمعا سياسيا لافتا، حيث استقطب حفل إزاحة الستار عن كتاب لأحد أهم رموز نظام الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني نخبة من الشخصيات الوزارية والأكاديمية والحزبية، وجاء الحدث ليعيد إلى الواجهة نقاشات حادة حول تجربة الحكم خلال سنوات مفصلية، بينما تبادل الحاضرون قراءات نقدية لمسار التنمية، وأدوار الإدارة، وأزمة غياب التنظيم السياسي، في وقت لم تغب عنه الانتقادات الإعلامية الحادة.

فقد شهدت قاعة الحكمة في مركز مؤتمرات المكتبة الوطنية الإيرانية، صباح الخميس 20 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، واحدا من أبرز التجمعات السياسية في السنوات الأخيرة، حي أقيم حفل إزاحة الستار عن كتاب في فكر إيران، رواية 8 سنوات من منصب النائب الأول لإسحاق جهانجيري، النائب الأول للرئيس حسن روحاني في حكومتيه المتعاقبتين، وقد حضر الحفل عدد من الوزراء السابقين، وشخصيات أكاديمية، وقيادات حزبية على رأسهم حسين سیمايي ‌صراف، علي خاتمي، محسن هاشمي، على جنتي، ومحمد عطریان ‌فر.

Image

جهانجيري.. التنمية كانت هاجسي والرواية يجب أن تكتب بلا تجميل

في بداية الحفل، قدم جهانجيري عرضا صريحا لمحتوى عمله، الواقع في 460 صفحة والصادر عن مؤسسة اطلاعات والذي بلغ الآن طبعته الرابعة، مؤكدا أن الرواية التي يقدمها ليست سرد ذكريات تقليدية، بل تسجيل أمين لفترة معقدة من الحكم، وقال إن الحوادث يجب أن تروى كما وقعت بلا حذف أو تزيين، حتى لو استغلتها بعض الأطراف سياسيا، مشيرا إلى أن الخوف من النقد هو ما يمنع رؤية نقاط الضعف وبالتالي إيجاد طريق للإصلاح.

Image

وأعاد جهانجيري التذكير بأنه دأب منذ أن كان محافظا لأصفهان في بداية العقد الثاني من الالفية الثانية على تدوين ملاحظات يومية حول عمل الدولة، وأوضح أن هذا الكتاب هو جزء من هذه اليوميات، ويغطي مرحلة كانت البلاد فيها أمام أزمات متراكمة من الركود التضخمي، إلى العقوبات، إلى التحديات البنيوية التي سماها التحديات الكبرى.

كذلك، فقد أشار إلى ثلاث عقبات يرى أنها كانت دائما حجر عثرة أمام التنمية، وهي هيمنة توجهات فكرية تعتبر التنمية خصما للمرجعيات العقائدية، سيطرة بنى إدارية تقدم المصالح الشخصية على الوطنية، وإساءة إدارة الثروة النفطية، الأمر الذي جعل الدولة، على حد تعبيره، تشعر بأنها تمن على الناس بدلا من أن تعمل وفق قاعدة الدولة تحصل على المال مقابل تقديم الخدمات.

وانتقل جهانجيري إلى تفاصيل حساسة من تجربته الحكومية، منها قرار رفع أسعار البنزين مرتين خلال ولاية روحاني، رغم تحذيرات سابقة من تأثير ذلك على الأسعار، مؤكدا أن الحكومة واصلت مسار الإصلاحات الاقتصادية حتى تراجع التضخم، وفي تقييمه اليوم، قال جهانجيري إن إيران بحاجة إلى فريق إدارة منسجم تدعمه كل مؤسسات القوة، محذرا من أن استمرار الدوران المنفصل لمؤسسات الحكم سيجعل الآلة واقفة، كما شدد على أن حل مشكلات الاقتصاد لن يتحقق من دون تفاعل مع العالم والحصول على المال والتكنولوجيا والسوق.

ظريف… جهانجيري المعتدل والشعب هو دائما البوصلة

كان محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الإيراني ونائب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان للشئون الاستراتيجية الأسبق، أول المتحدثين في الحفل، حيث وصف جهانجيري بأنه “يمثل الاعتدال، والسعي إلى التنمية، واحترام الشعب”، وقال إن جهانجيري هو بالضبط ما يظهر في كتابه، وأضاف ” كان السيد جهانجيري دائما يفكر في إيران، بمعنى أن فكر إيران كان العنصر الأساسي في حياة السيد جهانجيري السياسية، لقد كان دائم التفكير في تنمية إيران، وكانت بوصلة حركته هي تنمية إيران، إن إيران بلد كبير جدا وقوي وقادر، وقوة إيران كامنة في شعبها، لكننا لم نحسن استثمار رأس المال الكبير لإيران، أي المديرين”.

Image

كذلك، وخلال كلمته اعتبر ظريف أن الشفافية واحترام الشعب من النقاط الأخرى التي يجسدها هذا الكتاب، فقال” كل من يقرأ الكتاب يشعر أن مؤلفه يعتبر الشعب المالك الحقيقي للبلد، يجب أن يكون الشعب دائما بوصلة حركتنا، لأن الشعب أكبر رأسمال لدينا».

كما أشار ظريف إلى علاقة جهانجيري بروحاني، مضيفا” خلافا لما يقال، فقد كان السيدان جهانجيري وروحاني دائما إلى جانب بعضهما بعضا، وربما وجدت بعض حالات الانزعاج، لكنهما كانا دائما ثقلا كبيرا لصالح الاعتدال في الحكومة بجوار السيد روحاني”.

غياب التنظيم السياسي الموحد… عقدة التنمية المستعصية

خلال الحفل، صرح حسين مرعشي، الأمين العام لحزب كوادر البناء، أن صداقته مع جهانجيري تمتد إلى 49 عاما، حين قبل الأول في فرع الكيمياء من رفسنجان، والثاني في فرع الفيزياء من سیرجان عام 1976، وأوضح أن عملهما الجماعي بدأ منذ تأسيس الجمعية الإسلامية للأكاديميين في جامعة كرمان، وهو التجمع الذي ما زال قائما حتى اليوم رغم الانقسامات، باعتباره أقدم تجربة مستمرة في العمل الجماعي داخل إيران.

Image

انتقل مرعشي بعد ذلك إلى نقد حاد موجه لطبقة القادة والسياسيين المؤثرين، قائلا إن الجميع، من هاشمي رفسنجاني إلى خاتمي وصولا إلى جهانجيري وزنجنه، قد تعاملوا مع قضايا البلاد بمسؤولية، لكنهم عملوا بمبدأ المشاريع المنفصلة، ولم ينجحوا في إنشاء تنظيم سياسي قادر على حمل مشروع التنمية المستدامة لإيران، وأوضح أن تسليم البلاد بعد 16 عاما من حكومتي هاشمي وخاتمي إلى ما سمي بظاهرة الألفية الثالثة كان نتيجة مباشرة لغياب هذا التنظيم، الذي وصفه بالخيط الذي يجمع الشخصيات المؤثرة كحبات مسبحة متصلة.

وأضاف مرعشي أن الإيرانيين” يهربون من العمل الجماعي الحزبي والتنظيمي”، مستشهدا بتجربة مهاتير محمد في ماليزيا، الذي نجح، كما قال، لأنه أسس حزبا قويا استطاع من خلاله قيادة البلاد أكثر من 25 عاما بمعدلات نمو مرتفعة، وأبدى أسفه لأن رفسنجاني لم يتول رئاسة حزب شامل بعد انتهاء ولايته الرئاسية، بل اتجه مباشرة إلى رئاسة مجمع تشخيص مصلحة النظام، الأمر الذي فوت فرصة تنظيم الطاقات السياسية المؤثرة في البلاد داخل إطار مؤسسي واحد.

Image

وتابع مرعشي نقده قائلا” أين موقع جهانجيري؟ أين موقع ظريف؟ أين موقع جنتي؟ لا يمكن إدارة بلد من دون تنظيم سياسي منسجم وذو برنامج، وأشار إلى أن حكومة التدبير والأمل التي شكلها روحاني لم تكن ذات ظهر حزبي قوي، ما جعل البرلمان يعطل الكثير من برامجها، وترك جهودا كبيرة غير مكتملة.

هذا وقد أختتم مرعشي كلمته بالقول إن غياب التنظيم السياسي هو سبب تعثر التنمية، وأن إيران لن تستطيع التقدم من دون إطار حزبي متين يجمع الخبرات والطاقات ويمنح الدولة القدرة على الاستمرار في السياسات التنموية بعيدا عن الارتجال والتشتت.

مشاركات مختلفة من أصدقاء الكفاح

هذا فيما قدم بيزن نامدار زنكنه، وزير النفط الأسبق في حكومة روحاني، واحدة من أكثر المداخلات نقدا للواقع السياسي الراهن، حيث تحدث عن جيل المديرين الذين تولوا إدارة البلاد بعد الثورة بوصفهم كوادر عصامية، نزيهة، وشديدة الوطنية، وأكد أن هذا الجيل نشأ في ظروف صعبة ومن دون ريع أو محسوبية.

Image

هذا فيما ربط زنكنه مسار التنمية الإيرانية بمحطات مفصلية مثل مرحلة إعادة الإعمار بعد الحرب، وحكومة هاشمي رفسنجاني، وحكومة خاتمي التي صاغت وثيقة الرؤية العشرينية، لكنه حذر من أن استمرارية هذا النهج تكسرت منذ منتصف العقد الأول من القرن الحالي.

كما أكد خلال كلمته أن البلاد تعاني اليوم من انقطاع في الإدارة المبنية على الكفاءة، وأن التعيينات لم تعد تعكس معايير مهنية صارمة، بل باتت، كما قال، مرتبطة بالعلاقات العائلية، فيما وصف جهانجيري بأنه نموذج لمدير نمت تجربته بطريقة طبيعية وبناءة، وأن إيران بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى هذا النمط من التفكير.

محمد نهاونديان، رئيس مكتب روحاني في ولايته الأولى ونائبه الاقتصادي في الثانية، قدم قراءة تحليلية تعتمد على مؤشرات أداء الاقتصاد، حيث قال إن تقييم العقد الأول من الألفية ككتلة واحدة لهو بمثابة ظلم سياسي ومنهجي، مضيفا أن السنوات الثلاث من 2015 إلى 2017 كانت من أفضل فترات النمو في نصف القرن الماضي، واستعرض أيضا أرقاما أكدت هذا التقييم، حيث بلغ متوسط النمو في تلك السنوات بلغ 7.2٪، والتضخم هبط إلى 10.1٪، وتكوين رأس المال الثابت تضاعف مقارنة بالمتوسط التاريخي.

Image

وقال نهاونديان إن على الباحثين والطلاب أن يروا نقاط القرارات التي صنعت هذه التحولات، مشيرا إلى أن السنوات اللاحقة، يقصد بعد وصول ترامب إلى السلطة وفرض العقوبات، كانت مرحلة صمود، ساهم فيها جهانجيري بدور محوري.

وزير العلوم الأسبق، رضا فرجي ‌دانا، ركز بدوره على الدور الأكاديمي والعلمي في مسار التنمية، وقال إن الكتاب يستعرض بوضوح مفهوم فكر إيران بوصفه أساسا لكل نقاش تنموي، كما أعاد التأكيد على أن استقلال الجامعات شرط حتمي لأي عملية إصلاح، مشيرا إلى أن أكبر مشكلة تواجه البلاد اليوم ليست مائية أو طاقية، بل غياب العقلانية عن إدارة الدولة.

Image

لعيا جنيدي، مساعدة رئيس الجمهورية للشؤون القانونية سابقا، قدمت قراءة قانونية وسياسية لمرحلة حكومة روحاني، وقالت إن العالم القانوني كان حاضرا في كل ملف اقتصادي وسياسي، من قضايا الوقف إلى لوائح FATF، مؤكدة أن جهانجيري كان لاعبا محوريا في هذه الملفات، كما أبرزت جنيدي اسفها لعدم إقرار قانوني الشفافية وإدارة تعارض المصالح بشكل كامل، معتبرة أنهما كانا سيغيران جذريا في طبيعة اتخاذ القرار في البلاد.

وفي رسالة مكتوبة، أكد وزير الاقتصاد الأسبق علي طيب ‌نیا أن التجربة الاقتصادية لحكومة روحاني، ورغم صعوبتها، كانت ناجحة نسبيا في السيطرة على التضخم واستعادة الاستقرار، مشددا على ضرورة أن تبني الدولة على تلك التجارب للخروج من الظروف الحرجة الراهنة.

Image

الفاشل يعظ.. كيهان تنتقد الحفل ورجالاته

هذا ولم تضيع الصحيفة الأصولية كيهان الفرصة لانتقاد تصريحات رجالات الإصلاح الإيراني، ففي عددها اليوم السبت 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، قالت” تحول حفل إزاحة الستار عن كتاب إسحاق جهانجيري، إلى مناسبة أتاحت لبعض الذين يعدون من صناع الوضع الاقتصادي الراهن ومن المتهمين الرئيسيين بالتراجع في عهد روحاني، أن يدافعوا مجددا عن أدائهم الضعيف وأن يطرحوا وصفاتهم للتنمية في خطوة تبدو أقرب إلى تبرئة العقد الضائع والمحترق منها إلى عرض التجارب أو تقييمها، فقد جاء حفل تقديم مذكرات جهانجيري ليمنح الفرصة لعدد من المسؤولين الذين تركوا سجلا اقتصاديا ضعيفا خلال العقد الماضي كي يظهروا مجددا ويقدموا دفاعا غير مبني على أسس واضحة عن أداء حكومتهم، بل ويطرحوا حلولا وإصلاحات للبلاد! وهذه الخطوات لا تدل على الوعي أو القراءة النقدية للماضي، وإنما تشبه محاولات لتلميع عقد كامل من الركود والخسائر”.

Image

وتتابع كيهان” الواقع أن الذين يظهرون اليوم بمظهر المنتقدين ويطرحون وصفات للتنمية والإصلاح، هم أنفسهم صناع الوضع الحالي والمتهمون الرئيسيون في العقد الاقتصادي المحترق، هؤلاء لم يكونوا مجرد مراقبين، بل كانوا أصحاب القرار والمسؤولية المباشرة في إدارة البلاد، وقد منحوا فرصا عديدة لإصلاح الهياكل الاقتصادية وتحسين المؤشرات، إلا أنهم لم يتركوا خلفهم سجلًا يمكن الدفاع عنه، لقد كان عقد روحاني عقدا ضائعا، مليئا بإهدار الفرص وضعف الحوكمة الاقتصادية، وسيادة النظرة القصيرة بدلا من الإصلاحات البنيوية طويلة المدى. ومن غير المقبول اليوم أن يعفي الذين كانوا على رأس المسؤولية أنفسهم من المحاسبة، ليعودوا ويقدّموا وصفات جديدة لمستقبل البلاد، والحقيقة أن إيران اليوم تحتاج إلى مسؤولين يتعلمون من التجارب المؤلمة الماضية ويتحملون مسؤولية أدائهم، لا إلى إعادة ظهور الفريق نفسه الذي كان سببا في الأزمة ليقدم حلولا جديدة”.