طهران بين طالبان وإسلام آباد: دبلوماسية الحياد الفاعل في اختبار أمني جديد

الترجمان

نشرت صحيفة “شرق” الإيرانية تقريرا، الاثنين 13 أكتوبر/تشرين الأول 2025، حول الاشتباكات الدامية بين أفغانستان وباكستان وتداعياتها على أمن المنطقة، ودور طهران المحتمل في احتواء التصعيد عبر دبلوماسية الوساطة.

ذكرت الصحيفة أنه في أعقاب الاشتباكات الدامية الأخيرة بين الجيش الباكستاني وحركة طالبان الأفغانية، والتي أسفرت عن مقتل عشرات العسكريين والمسلحين من الجانبين، تحركت طهران سريعا على خطّ الدبلوماسية لاحتواء التصعيد.

وأضافت أن محمد رضا بهرامي، مدير إدارة جنوب آسيا في وزارة الخارجية الإيرانية، أجرى الأحد 12 أكتوبر/تشرين الأول 2025 اتصالا هاتفيا مع صادق خان، المبعوث الباكستاني الخاص لشؤون أفغانستان، جرى خلاله بحث التطورات الإقليمية والتوترات الحدودية المتصاعدة، وأكد الجانبان خلال المحادثة أهمية خفض التوتر والحفاظ على الاستقرار وتعزيز التعاون الإقليمي.

Image

وأشارت إلى أنه ووفق مصادر دبلوماسية، فإن إيران، مستفيدة من علاقاتها التاريخية والثقة المتبادلة مع كابل وإسلام آباد، تسعى إلى لعب دور الوسيط الفاعل لمنع انزلاق الأزمة الحدودية إلى مواجهة أوسع.

ولفتت إلى أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أكد في مقابلة تلفزيونية، أن طهران على تواصل دائم مع الطرفين، داعيا إلى التحلّي بضبط النفس، والاحتكام إلى الحوار، وتسوية الخلافات بالطرق السلمية.

ونقلت تشديده على أن استقرار العلاقات بين إيران وباكستان وأفغانستان يشكّل ركيزة أساسية لأمن المنطقة، مشيرا إلى استعداد طهران للتعاون مع الجانبين من أجل استعادة الهدوء.

وتابعت الصحيفة أن هذا الموقف يأتي في وقت أغلقت فيه إسلام آباد معابرها الحدودية، بما في ذلك “تشمن” و”طورخم”، فيما لا تزال الاشتباكات العنيفة وتبادل القصف مستمرّين في المناطق الجبلية الحدودية.

تأثير الاشتباكات بين أفغانستان وباكستان على أمن المنطقة وحدود إيران

ذكرت الصحيفة أن الاشتباكات الأخيرة بين حركة طالبان الأفغانية والجيش الباكستاني ليست مجرد أزمة ثنائية، بل إن تداعياتها الأمنية تمتد لتشمل مجمل المنطقة، ولا سيما إيران. 

وأضافت أن إغلاق المعابر الحدودية، ونزوح سكان المناطق الحدودية، وتزايد تهريب السلاح والمخدرات، واحتمال عودة الجماعات الإرهابية، تُعدّ من أبرز المخاوف المطروحة في حال استمرار أو تصاعد المواجهات بين الجانبين.

وأوضحت أن الحدود الطويلة والمعقدة بين أفغانستان وباكستان كانت منذ زمن بعيد مسرحا لنشاط تنظيم تحريك طالبان باكستان (TTP)، وفرع داعش- خراسان، وسائر الجماعات المتطرفة، وأي اضطراب أمني في هذا المحور من شأنه أن ينعكس مباشرة على أمن الحدود الشرقية لإيران.

وتابعت أن خبراء الأمن  يحذرون من أن استمرار المعارك وضعف السيطرة الحدودية قد يؤديان إلى تصاعد التحركات الإرهابية على الحدود الإيرانية-الباكستانية، ومن جهة أخرى، فإن استمرار إغلاق المعابر التجارية سيعطل حركة التجارة وتبادل السلع بين دول المنطقة، مما سيؤثر سلبا في معيشة المجتمعات الحدودية.

وأشارت إلى أن الحدود الإيرانية مع أفغانستان، في محافظتي سيستان وبلوشستان وخراسان الجنوبية، من أكثر النقاط هشاشة أمنيا، إذ شهدت خلال الأعوام الماضية تسلّل عناصر مسلحة وعمليات تهريب متكررة. 

وبينت أنه مع تصاعد الاضطراب في أفغانستان وباكستان، يُتوقّع أن تزداد الضغوط الأمنية على هذه المناطق، بل وربما تنشأ مواجهات متفرقة أو هجمات إرهابية.

ولفتت إلى أنه على المستوى الأوسع، فإن انعدام الثقة بين كابل وإسلام آباد يُضعف التعاون الإقليمي في مكافحة الإرهاب والتهريب، وفي ظل هذا الفراغ الأمني، تشعر دول الجوار مثل إيران والصين وروسيا بالقلق من احتمال أن يؤدي ذلك إلى إحياء الشبكات الإرهابية الدولية شرق المنطقة، وهو تطور قد يهدد أمن آسيا الوسطى والشرق الأوسط بأسره.

Image

دور الدبلوماسية الإيرانية وقدراتها في احتواء التوترات

ذكرت الصحيفة أن إيران تعد، بفضل علاقاتها الوثيقة مع باكستان وصلاتها العملية المحدودة ولكن المؤثرة مع حركة طالبان، من القلة القادرة على أداء دور الوسيط الفاعل في الأزمة الراهنة.

وأضافت أن طهران حرصت خلال السنوات الأخيرة على الحفاظ على التواصل مع طالبان من دون الاعتراف الرسمي بحكومتها، حفاظا على موقعها كطرف محايد يمكنه التدخل في مثل هذه الأزمات، ويبدو أن هذا الموقف المتوازن يمنحها اليوم فرصة حقيقية لتخفيف التوتر بين إسلام آباد وكابل.

وأوضحت أنه من منظور تحليلي، يمكن للدبلوماسية الإقليمية النشطة لإيران أن تتحرك على ثلاثة محاور أساسية هي: فتح قنوات حوار مباشرة بين الممثلين السياسيين والعسكريين للبلدين لتفادي سوء الفهم على الحدود، وإطلاق آلية للتعاون الاستخباراتي والأمني بهدف كبح الجماعات الإرهابية الناشطة على جانبي الحدود، وتشجيع القوى الإقليمية الكبرى مثل الصين وروسيا ودول منظمة شنغهاي على الانخراط في جهود تثبيت الاستقرار.

وتابعت أنه يمكن لطهران أن تستثمر في أطر التعاون الإقليمي مثل منظمة التعاون الاقتصادي (إيكو) ومنظمة شنغهاي لعقد اجتماع أمني طارئ يسعى إلى احتواء الأزمة قبل تفاقمها، فاستمرار المواجهات المسلحة لا يشكل فقط خطرا على استقرار الحدود الشرقية لإيران، بل يهدد أيضا الممرات التجارية الحيوية مثل ممر الشمال–الجنوب الذي يربط إيران بآسيا الوسطى وروسيا والهند.

Image

وأوضحت أن تحركا إيرانيا متوازنا وذكيا بين جارين متوترين يمكن أن يحول دون نشوء موجة جديدة من انعدام الأمن على الحدود الشرقية، غير أن هذا الدور يتطلب تنسيقا وثيقا بين الأجهزة الدبلوماسية والأمنية الإيرانية ودول الجوار، وفي الظروف الراهنة، تبقى الدبلوماسية النشطة هي الأداة الأنجح أمام طهران لمنع تمدد أزمة أفغانستان وباكستان إلى داخل أراضيها.

وأكدت أن الاشتباكات الأخيرة بين أفغانستان وباكستان تكشف مجددا هشاشة النظام الأمني في جنوب آسيا، وبينما تنزلق الدولتان إلى حلقة خطيرة من الفعل ورد الفعل العسكري، تبدو الوساطة الواقعية والمتوازنة التي تقودها إيران مفتاحا محتملا لإعادة شيء من الاستقرار إلى المنطقة. 

واختتمت الصحيفة بالتأكيد على أن إيران بفضل علاقاتها التاريخية والثقة المتبادلة مع الطرفين، تستطيع أن تطلق مبادرات دبلوماسية جديدة تسهم في احتواء الأزمة ومنع امتدادها نحو حدودها الشرقية.