إيران تعيد صياغة علاقتها مع الوكالة الدولية.. من التفتيش الفني إلى القرار الأمني

Ad 4nxezszz3a8j5 ud7zoj9vohpb5nwhm6robznbii mdplw5cepmrjp36 rdy34rz5g3l711gxvyybgm0gtrgbfwmbpkzw7enrhh6urgeumxnlpn3padnhl h6f5kgilufjqdoobrrkeye1qsqp0ihnxnjdhtotrlbq

في ظل التصعيد الإقليمي والهجمات غير المسبوقة على المنشآت النووية الإيرانية، تدخل علاقة طهران بالوكالة الدولية للطاقة الذرية مرحلة حساسة تتسم بإعادة رسم قواعد التعاون وتحديد أطر جديدة للرقابة والتفتيش، فالتطورات الأخيرة، المدعومة بتشريعات داخلية وإشراف مباشر من المجلس الأعلى للأمن القومي، تعكس انتقال الملف النووي الإيراني من دائرة التفاعلات الفنية البحتة إلى فضاء أوسع من الحسابات السياسية والأمنية المعقدة. 

في هذا السياق، برزت تصريحات وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، كإشارة واضحة إلى تبنّي طهران نهجا أكثر فاعلية يقوم على إعادة تعريف العلاقة مع الوكالة الدولية، فإقرار البرلمان لقانون جديد يمنح المجلس الأعلى للأمن القومي سلطة الإشراف المباشر على التعاون النووي، لم يكن مجرد إجراء إداري، بل خطوة استراتيجية تهدف إلى تغيير موازين التعامل مع الوكالة بما يضمن حماية المصالح الوطنية.

نشرت صحيفة “شرق“، الجمعة 8 أغسطس/آب 2025 ، تقريرا أفادت فيه بأن التصريحات الأخيرة لعباس عراقجي، وزير الخارجية، تعكس تأكيد طهران مجددا ضرورة إحداث تغيير جذري في أسلوب التعامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.  

وذكرت الصحيفة أنه قد أقرّ البرلمان الإيراني قانونا جديدا، فوّض بموجبه عمليا مهمة الإشراف والسيطرة على التعاون النووي للبلاد مع الوكالة إلى المجلس الأعلى للأمن القومي؛ وهي خطوة تعبّر عن تعزيز دور الأمن القومي وتبنّي نهج أكثر استقلالية في هذا الملف النووي الحساس.

وأضافت أنه بموجب هذا القانون، انتقلت مكانة إيران بوضوح من مرحلة “التفاعلات الفنية البحتة” إلى “اتخاذ القرارات الأمنية الكبرى”.

وأشارت إلى أن هذا التحول لا يكتسب أهميته من الناحية الهيكلية فحسب، بل يعكس أيضا استياء عميقا لدى إيران من أداء الوكالة في الآونة الأخيرة، فقد شدّد عراقجي على أن تقارير الوكالة الأخيرة- خاصة تلك التي صدرت قبيل الحرب والهجوم على المنشآت النووية الإيرانية- صيغت استنادا إلى مزاعم لا أساس لها من الصحة، معلنا بشكل صريح حالة من انعدام الثقة.

وأوضحت أن طهران ترى أن هذه التقارير جاءت نتيجة نهج سياسي موجّه داخل الوكالة، أدى إلى إصدار قرارات ضدها؛ قرارات تعتبرها إيران غير عادلة ومبنية على اتهامات قديمة.

وتابعت أنه من جهة أخرى، فإن الاشتباكات والهجمات الأخيرة التي شنّتها إسرائيل والولايات المتحدة على المنشآت النووية الإيرانية، والتي تقع مسؤولية حمايتها والإشراف عليها على عاتق الوكالة، قد أوجدت تحديا غير مسبوق في مسار التعامل بين طهران وفيينا. 

وذكرت أن عراقجي يعتبر هذه الأحداث انتهاكا صارخا للقوانين الدولية وللمهام الجوهرية التي تضطلع بها الوكالة، ويرى أنه في ظل هذه الظروف لم يعد من الممكن الاستمرار في التعاون وفق الإطار السابق.

وبينت أنه بناء على ذلك، تطالب إيران بـ”إطار جديد” للتعاون، يكون متوافقا مع التطورات الميدانية، ومرتبطا في الوقت نفسه بالقانون الذي أقرّه البرلمان.

ضرورة صياغة تعاون جديد

ذكرت الصحيفة أنه من أبرز النقاط التي أكد عليها عراقجي هو وجود ظروف “جديدة تماما” في الساحة الميدانية للبرنامج النووي الإيراني، فالاعتداءات المباشرة وقصف المنشآت النووية- في سابقة لم يشهدها الملف من قبل- أضافت أبعادا جديدة لمسألة التعاون مع الوكالة. 

وأضافت أن هذه التطورات تطرح أسئلة قانونية وعملية جوهرية، من قبيل: كيف يمكن إجراء عمليات التفتيش والرقابة على منشآت تعرضت لأضرار ناتجة عن الحرب؟

ونقلت أن عراقجي تساءل صراحة: هل توجد مبادئ أو قوانين أو لوائح تنظم عمليات التفتيش في منشآت تعرضت للقصف؟ هذا السؤال يكشف أن إيران، رغم قبولها بمبدأ الرقابة التي تمارسها الوكالة، تسعى إلى توضيح الإجراءات وتنظيم التعاون في ظل الظروف الاستثنائية، وهو ما قد يؤدي إلى تغييرات جذرية في نماذج الرقابة والتفتيش التي كانت حتى الآن تُنفذ وفق بروتوكولات قياسية لا تراعي الظروف الميدانية الخاصة.

وتابعت أن دعوة نائب المدير العام للوكالة إلى طهران، بغرض الحوار فقط حول إطار التعاون- وليس لإجراء عمليات تفتيش أو رقابة- تعكس رغبة إيران في التفاوض وفق المعطيات الجديدة، مع الالتزام بالأطر القانونية الداخلية والتأكيد على أن القرار النهائي بيد المجلس الأعلى للأمن القومي.

وأردفت أن هذا التوجه يُمثل محاولة إيرانية لصياغة “نماذج تعاون جديدة” أو “ترتيبات مستحدثة” تحمي المصالح الأمنية الوطنية وتتيح في الوقت نفسه إمكانية تفاعل فعّال مع الوكالة، ومن الملاحظ أن هذا المسار التفاوضي يختلف عن التجارب السابقة، إذ يحمل طابعا قانونيا – سياسيا أكثر من كونه فنيا بحتا.

التداعيات الدبلوماسية والأمنية للآلية الجديدة

ذكرت الصحيفة أنه من خلال تصريحات عراقجي، يتضح أن إيران في هذه المرحلة تنتهج سياسة أكثر فاعلية قائمة على مبدأ الاقتدار، فمع إقرار البرلمان للقانون الجديد والتأكيد على إشراف المجلس الأعلى للأمن القومي، تسعى طهران إلى إعادة صياغة إطار التعاون بما يغيّر قواعد اللعبة مع الوكالة لصالحها. 

وأضافت أنه تكمن أهمية هذا النهج في جانبين أساسيين: أولا، الحفاظ على السيادة الوطنية وتشديد الرقابة على الملف النووي، وثانيا، الإصرار على أن تتسم الوكالة بسلوك مهني وعادل في التعامل مع الظروف الاستثنائية الراهنة.

وأشارت إلى أن إيران ترى أن عدم إدانة الوكالة ومديرها العام للهجمات التي استهدفت المنشآت النووية يمثل دليلا على تقصيرها وانحيازها غير العادل، ما قد يزيد من حدة التوتر، ومن ثم، يُتوقع من الوكالة أن تبدي مرونة في قبول الإطار الجديد والتجاوب مع مطالب إيران من أجل إعادة بناء الثقة وضمان استمرار التعاون،  ويُعدّ وصول نائب المدير العام للوكالة قريبا إلى طهران فرصة لتحديد الأدوار والقيود بدقة.

وأكدت أن هذه التطورات تؤكد أن الملف النووي الإيراني بلغ مرحلة لم يعد فيها مجرد قضية فنية ورقابية، بل أصبح ميدانا لتفاعلات سياسية وأمنية معقدة تتطلب حلولا متعددة الأبعاد وذكية.

واختتمت بالقول إن أي اتفاق جديد على إطار التعاون، بعيدا عن نتائجه الفنية، سيحمل رسالة قوية إلى العالم بأن إيران مستعدة لإعادة تعريف علاقاتها بالمؤسسات الدولية وفقا للظروف المستجدة، مع الحفاظ على مصالحها الوطنية.

كلمات مفتاحية: