- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 73 Views
شهدت انتخابات هيئة رئاسة البرلمان الإيراني في دورتها الثالثة ضمن أعمال البرلمان الثاني عشر واحدة من أكثر المحطات السياسية إثارة للجدل خلال الأشهر الأخيرة، ليس فقط بسبب النتائج التي أسفرت عنها، وإنما أيضا بفعل الحواشي السياسية والتنظيمية والإعلامية التي أحاطت بها. فالانتخابات التي انتهت بتجديد الثقة بمحمد باقر قاليباف رئيسا للبرلمان للسنة السابعة على التوالي، عكست في الوقت نفسه توازنات القوى داخل المؤسسة التشريعية الإيرانية، وكشفت حجم الانقسامات والخلافات السياسية بين التيارات المختلفة داخل البرلمان، كما فتحت الباب أمام نقاشات أوسع تتعلق بطريقة إدارة المجلس، ومستقبل التحالفات البرلمانية، ودور المؤسسة التشريعية في ظل الظروف الإقليمية والأمنية الحساسة التي تمر بها إيران.
قاليباف يعزز موقعه السياسي داخل البرلمان
جاءت نتائج انتخابات هيئة رئاسة البرلمان لتؤكد استمرار نفوذ محمد باقر قاليباف داخل البرلمان، بعدما تمكن من الحصول على 235 صوتا من أصل 271 صوتا صحيحا، متفوقا بفارق كبير على منافسيه محمد علي نقدي وعثمان سالاري. هذا الفوز لم يكن مجرد إعادة انتخاب اعتيادية لرئيس البرلمان، بل حمل دلالات سياسية أوسع، خصوصا أنه يمثل أعلى عدد من الأصوات يحصل عليه قاليباف منذ انطلاق البرلمان الثاني عشر، ما اعتبره مقربون منه رسالة واضحة بأن غالبية النواب ما زالوا يرون فيه الشخصية الأكثر قدرة على إدارة البرلمان خلال المرحلة الحالية.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية إضافية بالنظر إلى الظروف الإقليمية والسياسية التي جاءت فيها الانتخابات، إذ تزامنت مع تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأمريكية الإسرائيلية، إلى جانب استمرار الملفات التفاوضية الحساسة المتعلقة بالعلاقات الخارجية الإيرانية. وفي هذا السياق، رأى عدد من النواب والتيارات السياسية أن إعادة انتخاب قاليباف بهذا العدد المرتفع من الأصوات تعكس رغبة البرلمان في الحفاظ على الاستقرار المؤسسي، والاستمرار في دعم التنسيق القائم بين رئاسة البرلمان والأجهزة التنفيذية والدبلوماسية.
ورغم أن قاليباف نجح في تسجيل رقم مرتفع داخل البرلمان الحالي، فإن الرقم القياسي الأعلى في تاريخ انتخابات رئاسة البرلمان ما زال يعود إلى علي لاريجاني، الذي حصل خلال البرلمان العاشر على 279 صوتا، ومع ذلك، فإن الأداء التصاعدي لقاليباف خلال السنوات الأخيرة يعكس تحسن موقعه داخل البرلمان، خصوصا إذا ما قورنت نتائجه الحالية بنتائج البرلمان الحادي عشر، عندما حصل في إحدى دوراته على 194 صوتا فقط.

وفي انتخابات نواب الرئيس، احتفظ علي نيكزاد وحميد رضا حاجي بابائي بمنصبيهما كنائبين أول وثان لرئيس البرلمان، بعدما حصلا على 143 و100 صوت على التوالي. إلا أن اللافت في هذه النتائج كان تراجع عدد الأصوات مقارنة بالدورات البرلمانية السابقة، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشرا على تراجع نسبي في حجم التوافق داخل المجلس، أو على الأقل اتساع مساحة التباين بين الكتل البرلمانية المختلفة.


كما شهدت الانتخابات تغيرات جزئية في تركيبة أمناء هيئة الرئاسة، حيث خرج عدد من الأسماء التي كانت حاضرة في الدورات السابقة، ليحل محلهم نواب جدد، من بينهم محمد رشيدي وفرشاد إبراهيم بور وسمية رفيعي، وقد شكل انتخاب رفيعي تحديدا حدثا بارزا، إذ أصبحت أول امرأة تدخل هيئة رئاسة البرلمان الثاني عشر، بعد حصولها على 105 أصوات، وهو ما اعتبر تطورا لافتا في تركيبة الهيئة القيادية للمجلس، وأثار اهتماما واسعا في الأوساط السياسية والإعلامية الإيرانية.


أما على مستوى المراقبين، فقد احتفظت شخصيات مثل عليرضا سليمي وعباس كودرزي وسيد جليل ميرمحمدي بمواقعها داخل الهيئة، بما يعكس استمرار حضور بعض الوجوه التقليدية داخل البنية الإدارية للبرلمان، رغم التغييرات الجزئية التي طالت بعض المناصب الأخرى.

انتخابات إلكترونية وحواش سياسية وإعلامية واسعة
بعيدا عن النتائج الرسمية، تحولت انتخابات هيئة رئاسة البرلمان إلى حدث سياسي وإعلامي واسع بسبب الطريقة التي أديرت بها، والحواشي التي رافقتها منذ الساعات الأولى لانطلاقها. وللمرة الأولى، أجريت الانتخابات بطريقة إلكترونية بدلا من الأسلوب الورقي التقليدي المعروف داخل البرلمان الإيراني، وهي آلية كانت تعتمد على كتابة أسماء المرشحين يدويا ووضعها داخل صناديق اقتراع توزع بين النواب.

وبحسب عدد من النواب، فإن اعتماد التصويت الإلكتروني جاء نتيجة مشكلات سابقة شهدتها عمليات فرز الأصوات في دورات ماضية، دفعت هيئة الرئاسة إلى البحث عن آلية أكثر دقة وشفافية. وقد أكد مهرداد لاهوتي، المتحدث باسم كتلة المستقلين في البرلمان، أن الانتخابات الأخيرة كانت الأفضل والأكثر شفافية منذ سنوات، مشيرا إلى أن عملية التصويت والفرز جرت بدقة كاملة وتحت رقابة مباشرة.

غير أن التحول الإلكتروني لم يكن وحده الحدث اللافت، إذ رافقت الانتخابات إجراءات أمنية غير مسبوقة، شملت إغلاق أبواب قاعة فرز الأصوات ومنع إدخال الهواتف المحمولة إلى بعض المناطق الحساسة داخل مقر البرلمان، في خطوة بررتها السلطات البرلمانية بالاعتبارات الأمنية والظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
كما أقيمت الانتخابات خارج القاعة العامة للبرلمان، خلافا لما ينص عليه النظام الداخلي للمجلس، الأمر الذي أثار تساؤلات وانتقادات من بعض النواب. غير أن لاهوتي أوضح أن هذا الإجراء جاء استنادا إلى قرار صادر عن المجلس الأعلى للأمن القومي، وأن البرلمان حصل على إذن خاص من المرشد الإيراني لإجراء الانتخابات في مكان مختلف عن القاعة الرئيسية بسبب الظروف الأمنية.

ومن بين أكثر المشاهد التي أثارت الجدل أيضا، بدء عملية التصويت بالحرف “ق”، الأمر الذي اعتبره البعض إشارة غير مباشرة إلى محمد باقر قاليباف، الذي كان أول من أدلى بصوته بعد حضوره المبكر إلى مقر الاقتراع، وقد تحولت هذه التفاصيل سريعا إلى مادة للنقاش على وسائل التواصل الاجتماعي وداخل الأوساط الإعلامية الإيرانية.
في الوقت نفسه، واجهت العملية الانتخابية انتقادات تتعلق بالتغطية الإعلامية، بعدما اشتكى صحفيون من منعهم من الوصول إلى مكان إجراء الانتخابات، بينما سمح فقط لوسائل إعلام محددة، وفي مقدمتها وكالة خانه ملت التابعة للبرلمان، بتغطية الحدث من الداخل. وأثار هذا الأمر اتهامات بوجود امتياز إعلامي لصالح وسائل الإعلام المرتبطة بالمجلس، على حساب بقية المؤسسات الصحافية.
كما شهدت الانتخابات جدلا إضافيا بعد تداول رسالة نصية منسوبة إلى النائب عليرضا منادي، أحد المرشحين لمنصب نائب رئيس البرلمان، وعد فيها النواب بالسعي لتوفير مساكن لهم في حال انتخابه، وهو ما أثار موجة انتقادات من عدد من النواب الذين اعتبروا هذه الرسائل غير مهنية ولا تنسجم مع طبيعة المنافسة البرلمانية.
مقاطعة واعتراضات وصراع داخل التيار المحافظ
رغم أن نسبة المشاركة في الانتخابات تجاوزت 90%، فإن غياب ستة نواب عن التصويت فتح الباب أمام موجة من السجالات السياسية داخل البرلمان وخارجه. وبينما بررت هيئة الرئاسة غياب ثلاثة نواب بأعذار رسمية تتعلق بظروف شخصية، فإن الأنظار اتجهت بشكل أكبر نحو النواب الثلاثة الآخرين، وفي مقدمتهم حميد رسائي وأمير حسين ثابتـي ومهدي كوجك زاده، الذين قاطعوا التصويت دون إعلان رسمي واضح في البداية.
وقد أثارت مقاطعة هؤلاء النواب اهتماما واسعا، خاصة أن حميد رسائي كان حاضرا داخل مقر الانتخابات لكنه امتنع عن الإدلاء بصوته، قبل أن ينشر لاحقا مقطع فيديو يشرح فيه أسباب موقفه، معتبرا أن آلية إجراء الانتخابات تخالف النظام الداخلي للبرلمان بسبب عدم انعقادها في جلسة علنية.

وتطورت السجالات لاحقا بعد تصريحات أدلى بها النائب مجتبى زارعي، اتهم فيها أحد النواب بمحاولة تعطيل سير الانتخابات وإثارة الفوضى داخل مقر التصويت. وذهب زارعي إلى حد الحديث عن تنظيم حملات رسائل نصية وضغوط إعلامية استهدفت النواب بهدف التأثير على نتائج التصويت، متهما مجموعة سياسية صغيرة بمحاولة تشويه صورة قاليباف والدفع بمرشحين مقربين منها إلى مواقع قيادية داخل هيئة الرئاسة.

هذه التصريحات عكست بوضوح حجم الانقسام داخل التيار الأصولي نفسه، إذ لم تعد المنافسة تدور فقط بين المحافظين والإصلاحيين، بل باتت تشمل أيضا صراعات بين أجنحة متعددة داخل المعسكر المحافظ، خاصة بين التيار التقليدي المقرب من قاليباف، والتيارات الأكثر تشددا التي تعارض أسلوب إدارته للبرلمان وبعض مواقفه السياسية.
وفي المقابل، سعى مؤيدو قاليباف إلى تقديم نتائج الانتخابات باعتبارها انتصارا واضحا لخط الاعتدال البرلماني والاستقرار المؤسسي، مشيرين إلى أن حصوله على هذا العدد الكبير من الأصوات يعكس رفض غالبية النواب لمحاولات التصعيد أو التشكيك في شرعية العملية الانتخابية.
في المحصلة، فإن انتخابات هيئة رئاسة البرلمان الإيراني هذا العام لم تكن مجرد استحقاق إداري داخلي، بل تحولت إلى مشهد سياسي متكامل كشف الكثير من ملامح المرحلة المقبلة داخل المؤسسة التشريعية الإيرانية. فمن جهة، أكدت النتائج استمرار نفوذ قاليباف وتحالفاته داخل البرلمان، ومن جهة أخرى أظهرت استمرار التوترات والانقسامات داخل التيار الأصولي، في وقت تواجه فيه إيران تحديات إقليمية واقتصادية وأمنية متزايدة، تجعل من أداء البرلمان وهيئته القيادية عاملا مؤثرا في المشهد السياسي الإيراني خلال المرحلة المقبلة.

