- زاد إيران - المحرر
- 692 Views
في توقيت حساس أعقب تعيين أمين جديد للمجلس الأعلى للأمن القومي، اشتعل الجدل في إيران حول مستقبل السياسة الخارجية وخيار العودة إلى طاولة المفاوضات. تصريحات لافتة أطلقها أحد أبرز رموز التيار المتشدد، وسرعان ما ترددت أصداؤها في الأوساط السياسية والإعلامية، مثيرةً تساؤلات حول وحدة الصف داخل النظام.
وبين من يرى فيها تحذيرا من انزلاق جديد، ومن يقرأها كمؤشر على انقسام داخلي يطفو إلى السطح، تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت الخلافات ستبقى تحت السيطرة أم ستتوسع في مرحلة ما بعد الحرب، مع اقتراب ملفات حساسة من لحظة الحسم.
فخلال الجلسة الأخيرة من جلسات الحكمة السياسية في القرآن التي يلقيها بشكل منتظم والتي عقدت الثلاثاء 5 أغسطس/آب 2025، أطلق سعيد جليلي، ممثل المرشد الأعلى في المجلس الأعلى للأمن القومي والمرشح الأصولي لمقعد الرئاسة في الانتخابات الأخيرة، واحدا من أكثر مواقفه صراحةً في الهجوم على خيار التفاوض مع الغرب، مستحضرا تجربة بني إسرائيل بعد نجاتهم من فرعون لتقديم مقارنة صادمة بين ما وصفه بعبادة العجل وبين العودة إلى طاولة المفاوضات بعد ما اعتبره انتصارا شعبيا في الحرب الأخيرة.

وخلال حديثه ذكر جليلي: “أنتم، يقصد الحكومة، من كنتم تقولون إن آلاف المليارات من الاستثمارات ستأتي، لكن ما إن بدأنا في التفاوض حتى رأيتم وسط المفاوضات أن العدو شن هجوما، هو وأتباعه، بكل تلك الوقاحة، لقد صمدتم، مخاطبا الشعب، وانتصرتم وضربتموه على فمه، ومع ذلك ما زالوا يريدون العودة إلى التجربة ذاتها”.
وأكد أن هذه التجربة تعني أن العدو لا يحترم الحوار ولا يلتزم بنتائجه، فقال “في منتصف التفاوض، هم هاجمونا، ومع ذلك ما زال البعض يصر على التفاوض وكأن شيئا لم يكن، هذه ليست قراءة واقعية للوقائع، بل هروب إلى الأمام.”
وخلال جلسته، استحضر جليلي القصة القرآنية لبني إسرائيل ليقارن بين سلوكهم بعد غياب النبي موسى أربعين يوما، حين عبدوا العجل، وبين بعض السياسيين في إيران الذين، حسب تعبيره، عادوا للترويج لخيار التفاوض مع الغرب بعد تعرض البلاد لهجوم في قلب العملية التفاوضية، وأضاف: “لقد أرسل الله نبيا لبني إسرائيل ليخرجهم من ظلم فرعون، ولكن ما إن غاب النبي أربعين يوما حتى عبدوا العجل، وها نحن اليوم نواجه من يقول بعد كل ما حدث، لنجلس مجددا على طاولة التفاوض!”.
كما شدد جليلي على أن أساس فهم الأحداث السياسية المعاصرة يجب أن يرتكز على رؤية قرآنية للتاريخ، محذرا من الانحرافات الفكرية، حسب تعبيره، التي قد تقود إلى خيارات خاطئة كتلك التي يصفها بـالاستسلام باسم الحوار”، مؤكدا: “لقد تحقق الانتصار بالإيمان والوحدة، لا بالمساومات، والذين يريدون إعادة تجربة التفاوض يتجاهلون أن الهجوم وقع في ذروة الحوار”.
تغريدات جليلي بعد تعيين لاريجاني
لم يكن ذلك هجوم جليلي هو الوحيد، فبعد ساعات من تعيين علي لاريجاني، أمينا جديدا للمجلس الأعلى للأمن القومي من قبل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الثلاثاء 5 أغسطس/آب 2025 أشعل جليلي منصة إكس بسلسلة تغريدات فهمها المراقبون أنها رسالة مباشرة اعتراضا على التوجه الجديد المحتمل في ملف السياسة الخارجية، لا سيما أن لاريجاني معروف بميله للتفاوض وخبرته التفاوضية السابقة في الملف النووي.

فخلال أولى تغريداته التي جاءت جميعها الثلاثاء 5 أغسطس/آب 2025 التغريدة الأولى، كتب جليلي: “عندما لا تقف في الوقت المناسب بوجه ظلم الظالمين، فإنهم سيصلون إلى نقطة يرتكبون فيها جرائم يراها اليوم العالم بأسره، حيث يقتل أبناء منطقة كاملة بالتجويع والهجمات المختلفة”.
ثم عاد ليستحضر مجددا قصة بني إسرائيل قائلا: “لقد أرسل الله نبيا لبني إسرائيل ليخلصهم من ظلم فرعون، لكن بعد الانتصار، وما إن غاب نبيهم أربعين يوما في جبل الطور، عبدوا العجل، واليوم أيضا، بعد أن هاجمنا العدو وسط المفاوضات وانتصر الشعب الإيراني، هناك من يعود للحديث عن التفاوض”.
وفي تغريدة ثالثة قال: “الذين ظنوا أن لقاء بين رؤساء الدول في ممرات الأمم المتحدة سيحل كل شيء، ورأوا أن المفاوضات ستجلب مليارات الاستثمارات، رأوا بأعينهم كيف هاجمونا وسط المفاوضات، ومع ذلك ما زالوا يصرون على نفس الطريق!”.
وختم بتغريدة رابعة مقتضبة قال فيها: “حينما يقول القائد إن التوجهات أهم من التفاصيل، فهو يشير إلى هذا بالذات.”
هذا وقد قرأ كثيرون هذه التغريدات على أنها تعبير عن امتعاض جليلي من إعادة لاريجاني إلى موقع مؤثر في رسم السياسات الأمنية، وربما مؤشرا على تصعيد داخلي مرتقب بين التيار المتشدد والتيار الاصطلاحي أو الداعي للتهدئة داخل النظام.
ردود الفعل على تصريحات جليلي
لم تمر تصريحات جليلي مرور الكرام، بل أثارت موجة ردود فعل واسعة بين السياسيين والإعلاميين والمعلقين، اتهمه بعضهم بتشويه صورة القيادة، والتقليل من دور المرشد في إدارة المرحلة، في حين ذهب آخرون إلى اتهامه بإعادة إنتاج سردية صهيونية عن غياب القيادة.
فبهذا الشأن، كتب الصحفي مرتضى خلفي زاده: “سعيد جليلي، بعد مرور 40 يوما على انتصار إيران على إسرائيل، يعتقد أن الشعب الإيراني المتكاتف مثل قوم موسى! نائب الإمام المهدي موجود، في المعتقد الشيعي الأثني عشري يقصد بنائب الإمام الولي الفقيه وهو على المنصب الذي يشغله على خامنئي اليوم، لكن يبدو أنه غير حاضر فعليا، والمفاوضات صارت عبادة للعجل”.

هذا فيما رد يوسف بزشكيان، نجل رئيس الجمهورية، قائلا: “إن قرار التفاوض له جهة مسؤولة، ونحن نقف خلف أي قرار يُتخذ بإشراف القيادة، أما تشبيه التفاوض بعبادة العجل فهو قياس خاطئ، فالأصل هو مصلحة الوطن”.

أما سعيد آجرلو، رئيس تحرير صحيفة صبح نو، فكتب: “موسى موجود، والشعب لم يعبد العجل”.

كذلك، فقد تناول محسن برهاني، أستاذ القانون، الموضوع بتهكم سياسي قائلا: “الأخ الأصغر قال إن إيران تتحول إلى زريبة، والأخ الأكبر يتحدث عن عبادة العجل، هذه التصريحات تذكرنا كم كنا قريبين من كارثة انتخابية.، ويلمح برهاني إلى وحيد جليلي الذي استخدم مصطلحات مشابهة في تغريدة سابقة له في العام 2021 عندما عزم سعيد جليلي على الترشح لمنصب الرئاسة”.

فيما كتب الصحفي داود حشمتي: “تشبيه غياب موسى بما نعيشه اليوم، يتقاطع مع رواية إسرائيل التي تقول إن القيادة غائبة عن الميدان، هل يرى جليلي نفسه في زمان غياب القيادة؟”.
وفي السياق ذاته، كتب حسام الدين آشنا، مستشار الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني، على حسابه عبر منصة إكس: “نصيحة، لا تظن نفسك موسى، كي لا تجبر لاحقا على البحث عن السامري”.

كما عبر الوزير السابق في حكومة رئيسي وأحد مستشاري بزشكيان خلال حملته الانتخابية، محمد جواد آذري جهرمي، عن رآيه في التصريحات قائلا: “إذا كان لديك معجزة موسى، فافعل كما فعل واضرب بعصاك البحر وخلص الأمة، أما إن لم يكن، فاقتد بهارون، ولا تحدث الفتنة بين الناس، إن المفاوضات تدار ضمن منظومة لا تعمل فيها وحدك”.

وأضاف سيد محمود رضوى، منتج فيلم النبي موسى: “لماذا يحاول البعض ترسيخ فكرة أن موسى غير موجود؟ بينما هو بيننا، حاضر في الاجتماعات والقرارات، والشعب أثبت أنه ليس بني إسرائيل”.

وكتب مجيد نوري، نجل الدبلوماسي المعتقل في السويد حميد نوري: “القول إن الشعب عبد العجل لغياب القائد، أمر مرفوض وغير واقعي، سماحة القائد حاضر، وممارس، وموجه، ومن يقول غير ذلك، فهمه للواقع معطوب”.

وأخيرا، وتحت عنوان رسالة ودية إلى السيد جليلي، نشرت وكالة تسنيم الإخبارية، الأربعاء 6 أغسطس/آب 2025، مقالا انتقدت فيه تصريحات وتغريدات جليلي، حيث كتبت: “أثارت تغريدات جليلي موجة واسعة من التفاعلات، فباستثناء دائرة من أنصاره، فإن الغالبية من المتابعين، سواء من التيار الثوري أو غيرهم، انتقدوا تصريحاته”.

وتتابع: “فعندما يستخدم جليلي مثل هذا التشبيه، كان عليه أن يوضح، ما أوجه التشبيه؟ من هو المشبّه ومن هو المشبّه به؟ ما هو وجه الشبه؟ من هو موسى؟ وما هو المقصود بعبادة العجل في هذا السياق؟ من هو السامري؟ ومن هو الذي صعد إلى الطور؟ كلها أسئلة مهمة، وكلما تمعنا فيها، ظهر لنا مدى خطأ تغريدة جليلي”.
وتضيف: “إن نقد مسار المفاوضات ومضمونها ليس أمرا سيئا، بل على العكس، يمكن لأي نظام حكم أن يتخذ قرارات أفضل من خلال تضارب الآراء، لكن هذه الانتقادات لا تكون مفيدة إلا إذا ابتعدت عن الراديكالية والانفعالات، فتعدد الآراء أمر مفيد لكل نظام، بشرط أن نخلع حذاء الخطاب الراديكالي عن أقدام السياسة”.
خلافات كامنة أم أزمة معلنة؟
تكشف تصريحات سعيد جليلي، سواء في جلسة الحكمة السياسية أو على منصات التواصل، عن احتدام داخلي جديد حول ملف التفاوض والسياسة الخارجية في مرحلة ما بعد الحرب، وبينما يعتبرها البعض إصرارا على رؤية مبدئية رافضة للتنازل، يراها آخرون تعبيرا عن عزلة فكرية داخل النظام ومحاولة لفرض خطاب راديكالي يتجاوز المؤسسة الرسمية.
هذا فيما تمثل عودة لاريجاني إلى المشهد، في نظر كثيرين، بداية انعطافة جديدة قد تعيد التفاوض إلى الواجهة، لكن المعارضة المبكرة من شخصيات مثل جليلي تؤشر إلى أن هذا الطريق سيكون محفوفا بالتصعيد، ليس فقط مع الخارج، بل داخل بيت الحكم نفسه، فهل ستكون جبهة السياسة الخارجية الإيرانية في المرحلة المقبلة ساحة لتكرار صراعات قديمة، أم أن التوازنات ستضبط تحت مظلة القيادة كما اعتاد النظام؟

