- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 500 Views
كتب: الترجمان
تتصدر نذر المواجهة العسكرية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، واجهة المشهد السياسي الدولي من جديد. فبعد أشهر من الهدوء الحذر الذي أعقب حرب الـ 12 يوما، عادت التحركات العسكرية الأمريكية المكثفة في المنطقة لتثير تساؤلات جوهرية: هل نحن أمام استعراض للقوة لتعزيز الموقف التفاوضي، أم أن المنطقة تقف فعلياً على حافة صدام شامل؟
دلالات التحرك العسكري الأمريكي
يرى الدبلوماسي الإيراني السابق والخبير في السياسة الدولية، فریدون مجلسی، أن التطورات الأخيرة تتطلب قراءة “واقعية” بعيدة عن العواطف. ويؤكد مجلسي أن استقرار التجهيزات والمعدات العسكرية الأمريكية في المنطقة خلال مدة زمنية قصيرة لا يمكن اعتباره تحركا عشوائيا.
في عرف السياسة الدولية، تحمل جبهات القتال وتحركات الأساطيل رسائل مزدوجة؛ فهي إما أداة لزيادة الضغط على “طاولة المفاوضات” لانتزاع تنازلات سياسية، أو أنها تمهيد فعلي لعمل عسكري وشيك.
ومع ذلك، يفرق مجلسی بين “ارتفاع احتمالية الصدام” وبين “حتمية الحرب”، معتبراً أن القرار النهائي لم يُتخذ بعد، رغم وصول التوتر إلى مستويات قيادية.
نتنياهو والبحث عن مواجهة “بنيوية”
يشير محللون إلى أن إسرائيل، وتحديدا حكومة بنيامين نتنياهو، هي المحرك الأساسي لسيناريو التصعيد. بالنسبة لنتنياهو، لا تُصنف إيران كمنافس إقليمي فحسب، بل كـ “عدو وجودي وبنيوي”.
ويرى متابعون أن إسرائيل تسعى جاهدة لاستغلال الزخم الحالي لجر الولايات المتحدة إلى مواجهة مباشرة مع طهران، خاصة وأن تل أبيب تدرك عدم قدرتها على خوض صراع عسكري واسع النطاق ضد إيران بمفردها.
ومن هنا، تلعب واشنطن دور “الداعم والظهير” الذي يتحرك وفقا لتصميم إسرائيلي يهدف إلى إنهاء الملف الإيراني عسكرياً.
هل تمنع الدبلوماسية الإقليمية الانفجار؟
في مقابل طبول الحرب، يبرز دور “المثلث الدبلوماسي الإقليمي” المتمثل في (السعودية، وتركيا، ومصر). وبالرغم من وجود خلافات سياسية بين هذه الدول وإيران، إلا أنها تشترك في مصلحة حيوية واحدة: رفض الحرب الشاملة.
تدرك هذه القوى الإقليمية أن أي صدام عسكري مباشر بين واشنطن وطهران لن تقتصر تداعياته على الطرفين، بل سيهدد الاستقرار الاقتصادي والأمني لدول المنطقة كافة.
لذا، يُعول الكثيرون على هذا المثلث للقيام بدور “الردع الدبلوماسي” والوساطة لمنع انزلاق المنطقة نحو كارثة غير محسوبة النتائج.
تعقيدات الجغرافيا وحسابات القوة
عند الحديث عن السيناريوهات العسكرية، تبرز نقاط اشتباك حساسة مثل “مضيق هرمز” و”الجزر الثلاث. فبالنسبة لمضيق هرمز يستبعد الخبراء إقدام أمريكا على محاصرته، لأن ذلك سيعني وقف إمدادات الطاقة العالمية وتضرر حلفاء واشنطن (السعودية، والإمارات، وقطر، والعراق) قبل إيران نفسها، وهو ثمن لا يستطيع الاقتصاد العالمي تحمله.
أما فيما الجزر الثلاث، فإن أي محاولة أمريكية للتقرب منها ستصطدم برد عسكري مباشر من السواحل الإيرانية.
وإذا انتقلنا إلى النمط الجوي، فيرجح مجلسی أنه في حال اندلاع حرب، ستكون “حربا جوية” تستهدف اللوجستيات، ومنصات الصواريخ، ومراكز القيادة الإيرانية، وذلك بهدف شل قدرة طهران على الرد ضد إسرائيل.

إن المشهد الراهن في الشرق الأوسط يعكس حالة من “توازن الرعب الدبلوماسي”. فمن جهة، تعتقد الدوائر الصقورية في واشنطن وتل أبيب أن استعراض القوة قد يجبر طهران على التراجع، ومن جهة أخرى، تدرك الإدارة الأمريكية تماما أن تكلفة الحرب البرية أو البحرية الشاملة مع إيران ستكون باهظة جداً ولا يمكن التنبؤ بنهايتها.
ويحتاج صانع القرار في إيران إلى اعتماد سياسة عقلانية تتجنب السقوط في فخ الاستدراج العسكري، مع الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة.
يظل ملف الطاقة العالمي هو “صمام الأمان” الأقوى؛ فالولايات المتحدة لا تستطيع المغامرة بانهيار اقتصادي عالمي من أجل طموحات نتنياهو السياسية.
و يبدو أن المسار الوحيد لتجنب السيناريو الأسوأ هو تفعيل “الوساطات الإقليمية”. إن تحويل الأزمة من “صدام عسكري” إلى “تفاوض تحت الضغط” هو المخرج الوحيد المتاح حاليا.
في نهاية المطاف، يبقى السؤال: هل ستغلب لغة المصالح الاقتصادية واستقرار المنطقة، أم أن الأيديولوجيات التصادمية ستدفع بالجميع نحو “الحرب الكبرى”؟ الأيام القادمة، وتحركات المثلث (الرياض-القاهرة-أنقرة)، هي من سيجيب على هذا السؤال الصعب.

