- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 190 Views
كتب: الترجمان
منذ اللحظة التاريخية الفارقة التي أعلنت فيها أمانة مجلس خبراء القيادة في طهران، في الثامن من مارس 2026، اختيار مجتبى خامنئي مرشدا ثالثا للجمهورية الإسلامية الإيرانية خلفا لوالده الراحل علي خامنئي، دخلت الدولة الإيرانية والمجتمع الدولي في حالة غير مسبوقة من الذهول والترقب الاستخباراتي.
لم يكن هذا الذهول نابعا فقط من طبيعة الاختيار، بل كان السبب الجوهري هو “الصمت المطبق” والغياب الكامل لصاحب المنصب الجديد عن الأنظار في وقت تعصف فيه الحروب بالبلاد.
فبينما تقتضي الأعراف السياسية والدينية في النظام الإيراني أن يظهر “الولي الفقيه” في ساعاته الأولى ليخاطب الأمة ويُثبّت شرعيته الدينية والسياسية ويبث الروح المعنوية في صفوف القوات المسلحة، ظل مجتبى خامنئي بمثابة “شبح” تُحيط به البيانات المكتوبة والصور القديمة.
هذا الغياب الطويل خلق فجوة معلوماتية واسعة في بنية النظام، سارعت القوى الدولية والإقليمية لملئها عبر ثلاث روايات كبرى متصادمة: الرواية الإيرانية التي تتمسك بالسرية، والقراءات الاستخباراتية الغربية التي تشكك في الأهلية، والتحليلات العسكرية الإسرائيلية التي تؤكد نجاح استراتيجية “الاستهداف”.
الرواية الإيرانية: القيادة من “الملاجئ الحصينة”
تتبنى السلطات الرسمية في طهران خطابا إعلاميا معقدا يمزج بين محاولة الطمأنة وبين فرض جدار من السرية المفرطة حول تحركات المرشد الجديد. فوفقا للخطاب الرسمي الذي روج له علي بحريني، مندوب إيران لدى المقر الأممي في جنيف، فإن مجتبى خامنئي ليس فقط على قيد الحياة، بل يتمتع بـ “صحة كاملة” ويشرف بشكل مباشر ويومي على إدارة غرف العمليات العسكرية وشؤون الدولة الاستراتيجية.
وتبرر الدوائر المقربة من “بيت المرشد” عدم ظهوره العلني بوجود “اعتبارات أمنية قصوى” تفرضها ظروف المواجهة العسكرية المباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث تعتبر طهران أن أي ظهور علني أو حتى تسجيل فيديو قد يتم تعقبه عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي الجيومكانية، مما يعرض رأس الهرم السياسي لخطر الاغتيال الفوري بصواريخ خارقة للتحصينات.
ومع تزايد الضغوط الشعبية الداخلية وتصاعد وتيرة الشائعات في الشارع الإيراني، بدأ الإعلام التابعة للحرس الثوري، مثل وكالة “فارس” والتلفزيون الحكومي، في صياغة سردية جديدة تمنح الغياب صبغة دينية وعاطفية؛ حيث تم إطلاق لقب (المصاب أو الفدائي) على مجتبى خامنئي.
هذا التحول في الخطاب يُعد اعترافا ضمنيا بوقوع إصابات جسدية له خلال الهجمات الجوية المكثفة التي استهدفت المجمع السكني والمكتب الفني لوالده في بداية الحرب. وتصر الرواية الإيرانية على أن هذه الإصابات، التي تتركز في الساقين، هي “أوسمة شرف” لا تعيق قدراته الذهنية أو سلطته المطلقة، بل تجعل منه “قائدا مجاهدا” يشارك شعبه آلام الحرب من تحت الأرض، تماما كما كان والده يفتخر بإصابته القديمة في يده، مما يحول “العجز الجسدي المفترض” إلى أداة لتعزيز الشرعية الثورية في مواجهة الخصوم.

تصريحات سفير إيران في قبرص
كشف علي رضا سالاريان، سفير إيران لدى قبرص، في مقابلة مع صحيفة “الغارديان”، عن تفاصيل حرجة تتعلق بالوضع الصحي لـ مجتبى خامنئي، مؤكدا إصابته في الهجوم نفسه الذي أدى إلى مقتل والده وعدة أفراد من عائلته.
وأوضح السفير أن المرشد الجديد يعاني من إصابات بالغة في أطرافه (اليدين والرجلين والذراع)، مما يرجح بقاءه في المستشفى لتلقي العلاج، وأشار سالاريان إلى أن طبيعة هذه الإصابات قد تجعل من الصعب عليه الظهور العلني أو إلقاء الخطابات في الوقت الراهن، وهو ما يفسر غيابه عن المشهد واکتفائه بالرسائل المكتوبة.
نفي دبلوماسي لرحلة علاج فيروسية
سارع السفير الإيراني لدى روسيا، كاظم جلالي، إلى نفي التقارير التي تحدثت عن انتقال المرشد الجديد مجتبى خامنئي إلى موسكو لتلقي العلاج، واصفا إياها بأنها غير دقيقة.
وجاء تصريح جلالي عبر وكالة “تاس” الروسية ردا على ما نشرته صحيفة “الجريدة” الكويتية حول دعوة شخصية من الرئيس فلاديمير بوتين لنقل المرشد للعلاج هناك، وهو نفي يهدف بالدرجة الأولى إلى التأكيد على أن إدارة الأزمة الصحية (أو السياسية) للمرشد الجديد لا تزال تحت السيطرة داخل الحدود الإيرانية، رغم التزام الكرملين الصمت وتضارب الأنباء التي أكدها مسؤولون إيرانيون آخرون حول تعرضه لإصابات جسدية في الأطراف.

الرواية الغربية: تآكل “القيادة والسيطرة” وفرضية التشوه الجسدي
على الجانب الآخر، تنظر وكالات الاستخبارات الغربية، وعلى رأسها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) وجهاز المخابرات البريطاني (MI6)، إلى غياب مجتبى خامنئي بريبة شديدة تتجاوز مجرد التفسير الأمني التقليدي.
فبالنسبة للمحللين الغربيين، يمثل الفشل الذريع في إنتاج فيديو واحد مسجل للمرشد الجديد، ولو لمدة ثلاثين ثانية، خلال مناسبات قومية كبرى مثل “عيد النيروز”، دليلا على وجود عائق يتجاوز المخاوف الأمنية.
وترى التقارير المنشورة في صحف مثل “نيويورك تايمز” و”وال ستريت جورنال” أن النظام الإيراني يواجه “أزمة هوية قيادية”، حيث أن الاعتماد الكلي على البيانات المكتوبة يفتح الباب للشك في أن المرشد الجديد قد لا يكون هو من يصدر هذه الأوامر فعليا.
وقد ذهبت بعض التقديرات الاستخباراتية الأمريكية الجريئة، والتي لمحت إليها تصريحات لمسؤولين في البنتاغون، إلى أن حجم الإصابات التي تعرض لها مجتبى في “هجوم فبراير/شباط” كانت بليغة لدرجة أحدثت “تغييرا جوهريا في ملامحه” أو تسببت في فقدانه للحركة أو القدرة على النطق السليم.
وفي هذا السياق، يُفسر الغياب الطويل بأنه محاولة من النظام لتجنب تصدير صورة “المرشد الضعيف” أو “المشوه” إلى الجماهير، لما لذلك من أثر تدميري على الروح المعنوية للقوات المسلحة التي تخوض معارك على جبهات متعددة.
فالعقل الغربي يرى أن إيران، التي برعت تاريخيا في استخدام الرمزية البصرية للقائد، لن تتنازل عن ظهور مرشدها الجديد إلا إذا كان هناك مانع طبي قاهر يجعل من ظهوره “انتحارا سياسيا” يفضح حجم الخسائر التي طالت هرم السلطة.

الرواية الإسرائيلية: المرشد “الأسير” في مخابئه ووصاية الجنرالات
من منظور تل أبيب، يُعتبر غياب مجتبى خامنئي “شهادة نجاح” لاستراتيجية “قطع الرأس” والضغط العسكري المستمر الذي تمارسه إسرائيل ضد القيادة الإيرانية. وتؤكد الروايات المسربة من مصادر عسكرية واستخباراتية إسرائيلية أن مجتبى أُصيب بالفعل بجروح بليغة في ساقيه في يوم التاسع من مارس/آذار، وهي إصابة قد تكون أدت إلى عجز حركي دائم يمنعه من الوقوف أو السير بشكل طبيعي.
وتزعم هذه الرواية أن المرشد الجديد يعيش حاليا حالة من “الأسر الاختياري” أو المطاردة الدائمة، حيث ينتقل بصفة مستمرة بين “البيوت الآمنة” والملاجئ الحصينة تحت الأرض في مدينتي قم وطهران، مع حرمان كامل من استخدام أي تكنولوجيا اتصال قد تمنح المخابرات الإسرائيلية “خيطا” لتحديد موقعه بدقة تتيح تصفيته كما حدث مع والده.
إضافة إلى ذلك، تروج الدوائر السياسية الإسرائيلية لسيناريو “الوصاية العسكرية”، مفاده أن قادة الحرس الثوري استغلوا الحالة الجسدية المنهكة لمجتبى ليفرضوا عليه نوعاً من الإقامة الجبرية تحت مسمى الحماية. وفي هذا السيناريو، يكون مجتبى مجرد “ختم شرعي” لقرارات يتخذها “مجلس عسكري” مؤلف من جنرالات الحرس الذين يرفضون أي تهدئة أو تراجع.
وترى إسرائيل أن هذا الغياب القسري للمرشد يخدم أهدافها في زعزعة ثقة الحاضنة الشعبية للنظام، حيث تروج عبر منصاتها الإعلامية الموجهة للداخل الإيراني بأن “الولي الفقيه الجديد” قد تخلى عن شعبه في أحلك الظروف، مفضلا الاختباء في الأنفاق بينما يواجه الشباب الإيراني نيران الحرب في الشوارع وعلى الحدود.
غياب “الولي الفقيه” الثالث.. استراتيجية أمنية أم أزمة شرعية؟
في الختام، يمثل استمرار غياب مجتبى خامنئي عن المشهد العام “لغزا سياسيا” يلقي بظلاله على استقرار هرم السلطة في إيران. وبينما تصر الرواية الرسمية في طهران على أن الغياب هو مجرد “احتراز أمني” تفرضه ظروف الحرب لإدارة العمليات من مواقع محصنة.
ترى دوائر استخباراتية غربية وإقليمية أن الفشل في تقديم ظهور بصري واحد للمرشد الجديد يعزز فرضيات “العجز الجسدي” أو الإصابة البليغة التي قد تعيق قدرته على القيادة الفعلية.
إن هذا التضارب في السرديات يضع النظام الإيراني أمام تحدٍ غير مسبوق، فبين صورة “القائد الزاهد في الظهور” التي تسوقها طهران، وصورة “المرشد المتواري” التي يروج لها خصومها، تظل الحقيقة معلقة بانتظار إثبات بصري حي ينهي حالة الجدل الدولي.
وحتى ينجلي هذا الغموض، تبدو إيران وكأنها تمر بمرحلة انتقالية حرجة، حيث تشير الوقائع الميدانية إلى تعاظم دور “النخبة العسكرية” في اتخاذ القرار الاستراتيجي.
هذا التحول، سواء كان مؤقتا أو دائمـا، قد يعني تراجع كاريزما “الولي الفقيه” الفردية لصالح “القيادة الجماعية” لجنرالات الحرس الثوري. إن العالم لا يترقب فقط الحالة الصحية لمجتبى خامنئي، بل يراقب تحولا جوهريا في بنية الحكم الثيوقراطي الإيراني، وهو تحول قد يعيد رسم التوازنات السياسية والعسكرية في منطقة الشرق الأوسط برمتها.

