إعلام إيراني: 200 عام من التغريب والاستسلام تكشف ثمن الثقة بالغرب

ترجمة: دنيا ياسر نور الدين 

نشر موقع “عصر إيرانيان” الإيراني الأصولي، الخميس 4 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا استعرض فيه مسار التيار الغربي في إيران على مدى قرنين من الزمن، موضحا كيف قادت الثقة بالقوى الأجنبية إلى خيانة وتبعية وفقدان للسيادة، ومؤكدا أن الطريق الأمثل لحماية استقلال البلاد هو المقاومة والاعتماد على القدرات الداخلية.

التيار الغربي يعود مجددا

ذكر الموقع أنّ التيار الغربي داخل البلاد عاد في الأسابيع الأخيرة، وبكامل التجاهل للتجربة المريرة للاتفاق النووي (برجام) وما رافقها من خيانات ونقض متكرر للعهود من الطرف المقابل، يسعى مجددا للعودة إلى طاولة المفاوضات مع الدول الغربية؛ طاولة تشبه محكمة لإذلال الشعب الإيراني أكثر مما تشبه منصة لتأمين المصالح الوطنية. 

وأوضح أنّ بعض عناصر هذا التيار تجاوزوا حدودهم وأصدروا بيانات علنية تدعو إلى استسلام كامل للبلاد في إطار اتفاق واسع ومن دون أي ضمانات، وذلك في وقت لم يحصد فيه الشعب الإيراني من حصيلة عشر سنوات من المفاوضات السابقة سوى مزيد من العقوبات، واغتيال العلماء، والمطالب الوقحة من الجانب الغربي.

وتابع الموقع مؤكدا أنّ هذا الفكر الاستسلامي في مواجهة العدو لا يقتصر على عقد واحد أو على اتفاق بعينه، بل إنّ ما يُسمع اليوم من أفواه بعض السياسيين ووسائل الإعلام وغرف التفكير من أن “الطريق الوحيد لإنقاذ البلاد يمر عبر رضا الغرب” ليس إلا امتدادا لخط فكري عمره لا يقل عن مئتي عام. 

ففي كل المنعطفات التاريخية، ضخّ هذا التيار تحليلات خاطئة إلى الرأي العام وخدع النخب من أجل تطبيع فكرة الاستسلام وبثّ اليأس من المقاومة، وكلما تمكن من فرض إرادته كانت النتيجة إذلالا وطنيا ونهبا للثروات وحتى تمزيقا لتراب الوطن.

وأضاف الموقع أنّ تجربة العهد القاجاري تمثل مثالا واضحا على مسار الاستسلام أمام الغرب؛ ففي الحروب بين إيران وروسيا لم يكن الضغط العسكري الروسي وحده هو الذي ضيّق الخناق على ولي العهد القاجاري عباس ميرزا، بل لعبت خيانة التيار الغربي داخل البلاط دورا حاسما، إذ نظر أعضاؤه إلى القوى الأوروبية بانهزامية، مما أدى إلى تفريغ جبهة المقاومة من دعمها.

وأوضح أنّ الشخصية الأبرز في هذا السياق كان ميرزا أبو الحسن خان إيجي، وهو دبلوماسي قاجاري بارز شغل منصب المبعوث السياسي لإيران لدى روسيا وبريطانيا، غير أنّه استغل موقعه لنقل معلومات حساسة عن جبهات القتال ووضع الجيش الإيراني إلى العدو، الأمر الذي أضعف موقع إيران التفاوضي.

وبيّن الموقع أنّ إيلجي سرّب للروس تفاصيل الضعف اللوجستي لجيش عباس ميرزا، واطلعهم على الخلافات بين القادة العسكريين، بل نقل لهم حالة السخط الداخلي من استمرار الحرب، كما أصرّ خلال المفاوضات على قبول الشروط المفروضة من روسيا، ما عكس انحيازه الكامل لمصالح القوى الأجنبية.

وأكد أنّ هذه الخيانات الخفية غيّرت موازين القوى لصالح الروس، وأدت في نهاية المطاف إلى توقيع معاهدة تركمانجاي وهي اتفاقية فرضتها روسيا القيصرية عام 1828 على إيران بعد هزيمتها العسكرية، وتضمنت التنازل عن أجزاء واسعة من القوقاز ودفع غرامة حرب باهظة؛

وهي معاهدة وصفت بأنها ثمرة مباشرة لتحالف غير معلن بين الأطماع الاستعمارية للأجانب والاستسلام السياسي للنخب الغربية داخل إيران.  

عقد رويتر ورمز الاستسلام الاقتصادي

وأشار الموقع إلى أنّ اتفاقية رويتر عام 1872- وهي عقد اقتصادي كارثي وُقّع بين إيران وبريطانيا- مثّلت أوضح صور الاستسلام الاقتصادي، حيث قام ميرزا حسين خان سبهسالار (رئيس وزراء ناصر الدين الشاه القاجاري) بالتوقيع عليها، مانحا امتيازات واسعة في مجالات الاقتصاد والبنى التحتية داخل إيران لمدة سبعين عاما لمجرد مواطن بريطاني واحد.

وأوضح أنّ سبهسالار انطلق في قراره من الفكر الغربي الذي كان يهيمن عليه، إذ كان يرى أنّ تقدم البلاد لا يمكن أن يتحقق إلا تحت وصاية الغرب، وفي السياق ذاته، برز دور ميرزا ملكم خان (المفكر والديبلوماسي القاجاري) الذي وصف إيران بأنها “بلد متخلف وعاجز”، مؤكدا أنّ السبيل الوحيد لتطورها هو القبول الكامل بوصاية القوى الغربية.

وأكد الموقع أنّ هذه الرؤية المشتركة بين سبهسالار وملكم خان شكّلت الأساس الفكري لعقد رويتر، الذي تحوّل في التاريخ الإيراني إلى رمز للخضوع والإذلال الوطني.

Image

رضا شاه والتبعية الأجنبية

ولفت الموقع إلى أنّ فترة حكم رضا شاه بهلوي- مؤسس السلالة البهلوية وحاكم إيران بين عامي 1925 و1941- ورغم أنّها بدأت تحت شعار الإصلاح والتحديث، فإنها تحولت عمليا إلى رمز للتبعية العميقة للقوى الأجنبية، فقد سمح رضا شاه بفتح المجال أمام النفوذ الألماني النازي ثم البريطاني ولاحقا الأمريكي، وهو ما قاد إلى توقيع اتفاقيات عسكرية واقتصادية واسعة أضعفت استقلال إيران السياسي والاقتصادي بشكل كبير.

وأوضح أنّ هذه السياسة فتحت الأبواب لدخول المستشارين الأجانب إلى الجيش والصناعات، كما تم منح امتيازات اقتصادية للغرب، بينما لعب بعض المثقفين دور المروج لهذه التوجهات، ومن أبرزهم سيد حسن تقي‌زاده (سياسي ومثقف بارز في تلك الحقبة)، الذي كان يعلن صراحة أن “الشعب الإيراني لا يمكن أن يولد من جديد إلا في ظل الحضارة الغربية”.

وأكد أنّ هذه الأفكار والسياسات رسّخت ثقافة التغريب والاستسلام السياسي في البلاد، بحيث أصبحت إيران رغم استمرار رفع شعار الاستقلال عمليا ضمن دائرة نفوذ القوى الأجنبية، بل خسرت أجزاء من أراضيها خلال تلك المرحلة.

وتابع أنّ عهد محمد رضا بهلوي بدوره جسّد أوضح صور الارتهان للغرب، حيث شكّلت سياساته خطرا واضحا على المصالح الوطنية، وكان اتفاق الجزائر عام 1975، مثالا صارخا على ذلك، إذ بموجبه تنازلت إيران عن أجزاء من المناطق النفطية في شلمجه وجنوبها الغربي لصالح العراق.

وقد رُوّج لذلك تحت شعار “السلام مع الجار”، لكنه في الحقيقة مهّد الطريق لحرب الثماني سنوات، وجعل أمن البلاد ووحدة أراضيها في غاية الهشاشة، وكان محمد رضا بهلوي يكرر علنا لا أستطيع أن أحكم من دون دعم الولايات المتحدة والغرب، وهو ما يكشف عمق التبعية. 

كما أوضح أن العقود النفطية والاقتصادية غير العادلة مع الشركات الغربية أهدرت الثروة الوطنية، وقوّضت الاستقلال الاقتصادي.

وتابع الموقع قائلا: “إنّ تجربة محمد مصدق- رئيس وزراء إيران في أوائل الخمسينيات- شكّلت درسا بالغ الأهمية، فقد سعى عبر تأميم صناعة النفط عام 1951 إلى استعادة استقلال البلاد وإنهاء هيمنة بريطانيا على ثرواتها، معوّلا في المقابل على دعم الولايات المتحدة”.

وأوضح أنّ الولايات المتحدة سرعان ما خانت عهده بشكل صريح، حيث خططت بالتنسيق مع بريطانيا ونفذت انقلاب 1953 الذي أطاح بحكومته الوطنية وأكد أنّ هذه الحادثة أثبتت أن الثقة بالغرب- حتى تحت شعار “مواجهة استعمار آخر”- لا تثمر سوى الهزيمة وإعادة إنتاج التبعية.

وأوضح أن مرحلة ما بعد انتصار الثورة الإسلامية عام 1979 لم تخلُ من مرارة الثقة بالغرب؛ فبيانات الجزائر 1980 الخاصة بتحرير الأصول الإيرانية لم تُنفّذ بالكامل، وفي عام 1986 وقعت قضية مك‌فارلين، حين زار طهران سرا روبرت مك‌فارلين، مستشار الأمن القومي الأميركي في إدارة ريغان، في محاولة لترتيب صفقة، لكنها انتهت بفضيحة كشفت سذاجة التيار الغربي وارتهانه للدعاية الأميركية.

Image

عقد التسعينيات واتفاقيات سعد آباد وباريس

وأضاف الموقع أنّ عقد التسعينيات شهد رغم توقيع عقود اقتصادية ونفطية، قيام الولايات المتحدة بإقرار قانون داماتو الذي فرض حظرا على الاستثمارات في إيران. 

وأوضح أنه في عهد الإصلاحيين، ورغم التعاون الأمني مع أمريكا في أفغانستان والتوصل إلى اتفاقيات سعد آباد وباريس- محاولات تفاوضية لإيران لتعليق جزئي للبرنامج النووي مقابل تخفيف العقوبات- كان الرد الأميركي مزيدا من العقوبات وتصنيف إيران ضمن “محور الشر”.

وأشار إلى أنّ الاتفاق النووي (برجام) 2015، الذي مثّل تتويجا للوعود الغربية، انتهى بانسحاب أمريكا الأحادي وتخاذل أوروبا، لتبلغ نقض العهود ذروته ويعود الضغط الأقصى على إيران.

وختم الموقع بتأكيد أنّ قراءة قرنين من التاريخ تثبت أنّ التيار الغربي في إيران لم يقدّم سوى شعارات متجددة بمضمون واحد هو الاستسلام للقوى الأجنبية، وكانت حصيلته فقدان الأرض والتبعية والإذلال. 

وأوضح أنّ الفكر نفسه يعود اليوم بمحاولة جرّ البلاد إلى مفاوضات عقيمة، بينما التجربة أثبتت أنّ الثقة بالغرب لا تجلب إلا الخسائر، وأشار إلى أنّ الطريق لصون استقلال إيران يكمن في المقاومة الذكية والاعتماد على القدرات الداخلية.