- زاد إيران - المحرر
- 716 Views
كتب: الترجمان
لم تكن التظاهرات التي شهدتها أسواق طهران، ولا سيما في محيط “بازار طهران الكبير” وشارع “لاله زار” ومجمع “تشارسو”، حدثا عابرا في المشهد الإيراني، بل تحولت سريعا إلى مرآة عاكسة لأزمة أعمق تتجاوز حدود تقلبات سعر الصرف وارتفاع الدولار.
خلال أيام قليلة، انتقلت هذه التحركات من كونها احتجاجات صنفية محدودة إلى مادة مركزية في الخطاب الإعلامي الإيراني، حيث انخرطت الصحف والمواقع، كلٌ وفق موقعه الأيديولوجي والسياسي، في تفسير ما جرى، وتحديد طبيعته، ورسم حدوده، بل وتقدير مخاطره المحتملة.
وبينما أجمعت غالبية وسائل الإعلام الإيرانية على وجود ضغوط اقتصادية حقيقية دفعت التجار إلى الاحتجاج، تباينت القراءات حول معنى هذه الاحتجاجات وسياقها الأوسع: هل هي تعبير اقتصادي مشروع؟ أم محاولة اختراق سياسي؟ أم إنذار مبكر لاختلال بنيوي في إدارة الاقتصاد؟
هذا التقرير يحاول تفكيك كيف رأى الإعلام الإيراني التظاهرات، من خلال تحليل مقارن لتغطية أبرز الصحف والمواقع، ورصد الخطوط الفاصلة بين الإعلام الأصولي، والمحافظ الوسطي، والإصلاحي.
كيهان… من الاحتجاج الاقتصادي إلى “مشروع فوضى”
تقدم صحيفة كيهان، لسان حال المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، القراءة الأكثر أمننة للتظاهرات. فبينما تعترف الصحيفة صراحة بأن الضغوط الاقتصادية وتقلبات سعر الصرف أمر “لا يمكن إنكاره”، فإنها تحرص منذ السطور الأولى على وضع إطار تفسيري مغاير، يقوم على الفصل بين “جوهر الاحتجاج” و”محاولات الاستغلال”.
وفق هذا الخطاب، فإن تجمعات التجار في وسط طهران لم تتجاوز كونها احتجاجات مهنية محدودة، سرعان ما حاولت “نوى تخريبية” مرتبطة بجماعات معارضة وإسرائيل توظيفها لإعادة إنتاج سيناريو “الفوضى الشارعية”.
وتستخدم كيهان مفردات كثيفة الدلالة مثل “الحرب النفسية”، و”صناعة الروايات”، و”غرف التفكير الخارجية”، في إحالة مباشرة إلى تجارب سابقة شهدتها إيران، حيث تحولت احتجاجات مطلبية – بحسب الرواية الرسمية – إلى أزمات أمنية.
وتذهب الصحيفة أبعد من ذلك حين تربط بين الاحتجاجات وفشل “الحرب المفروضة” الأخيرة، معتبرة أن “الشارع” أصبح البديل الذي يلجأ إليه العدو بعد الإخفاق العسكري. كما تستحضر تصريحات منسوبة لمسؤولين إسرائيليين ودعوات صادرة عن شخصيات معارضة في الخارج بوصفها أدلة على هذا الترابط.
وتخلص كيهان بأن المشكلة اقتصادية في ظاهرها، لكن جوهر الخطر سياسي–أمني، والحل يكمن في اليقظة الشعبية والتصدي الإعلامي، بالتوازي مع استجابة حكومية محسوبة.

همشهري… يقظة السوق وإفشال الشغب
تتبنى صحيفة همشهري، القريبة من التيار المحافظ، مقاربة أقل حدّة وأكثر ميدانية. فالصحيفة لا تنكر محاولات الاختراق، لكنها تضعها في إطار هامشي، مقابل إبراز “يقظة التجار” بوصفها العامل الحاسم في منع انزلاق الاحتجاجات نحو الفوضى.
تعتمد همشهري على تقارير ميدانية موسعة من داخل السوق، وتفصل بدقة بين التيار الغالب من المحتجين، الذي يرفع مطالب اقتصادية واضحة تتعلق بسعر الصرف واستقرار الأسعار، وبين “نوى صغيرة منظمة” حاولت – وفق توصيفها – حرف المسار عبر شعارات سياسية وتهديد التجار لإغلاق محلاتهم.
وتمنح الصحيفة مساحة واسعة لشهادات التجار أنفسهم، الذين يؤكدون أن احتجاجهم لا يستهدف الشغب، بل الضغط على الحكومة للاستجابة. كما تستضيف آراء نواب وخبراء اقتصاديين يعترفون بحق الاحتجاج، لكنهم يحذرون من مخاطر الاستغلال الخارجي.
وتوضح أن الاحتجاج مشروع، والخلل اقتصادي، لكن المجتمع لا يزال يمتلك مناعة كافية لإفشال محاولات التسييس.

شرق… الاقتصاد في مواجهة الصمت الحكومي
في الضفة الأخرى، تقدم صحيفة شرق، ذات التوجه الإصلاحي، قراءة مختلفة جذريا. فالاحتجاجات، وفق تغطيتها، ليست سوى نتيجة طبيعية لفشل الإدارة الاقتصادية وغياب الرؤية الواضحة.
تركز الصحيفة على التفاصيل اليومية للشلل الذي أصاب السوق: صعوبة التسعير، توقف المعاملات، الخسارة المحتملة في كل عملية بيع.
وتقلل شرق من شأن الروايات الأمنية، معتبرة أن جوهر الأزمة يكمن في فقدان “لغة رسمية للمعاملة”، وانعدام الاستقرار التشريعي، وتراكم التضخم.
وتحذر، عبر خبراء اقتصاديين مثل حسين عبده تبريزي، من أن استمرار هذا الوضع قد يحول الاحتجاجات الصنفية إلى اجتماعية ثم سياسية، كما حدث في تجارب دولية أخرى.
وترى أن الاحتجاج اقتصادي بحت، لكن تجاهله قد يحوّله إلى أزمة سياسية أوسع.

جام جم… الخلل الإداري مع بقاء السيطرة
تعكس صحيفة جام جم، القريبة من الإعلام الرسمي، مقاربة وسطية تميل إلى تحميل الحكومة مسؤولية الصمت والارتباك، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن الدولة لا تزال قادرة على إدارة المشهد.
تسلط الصحيفة الضوء على أزمة البنك المركزي، وتغيير المحافظ، ورفض كليات الموازنة في البرلمان، باعتبارها مؤشرات على عمق الإشكال الاقتصادي. لكنها في المقابل تؤكد، استنادا إلى روايات أمنية، أن التيارات المناوئة فشلت في استغلال الاحتجاجات سياسيا.
وتخلص إلى أن الأزمة حقيقية ومقلقة، لكن مؤسسات الدولة ما زالت متماسكة.
قدس… التواصل بدل الأمننة
تتبنى صحيفة قدس خطابا هادئا يركز على أهمية التواصل والشفافية. تعترف الصحيفة بحق الاحتجاج، وتدعو المسؤولين إلى الخروج من المكاتب والحوار المباشر مع الناس، محذرة من أن تجاهل الرأي العام يخلق فراغًا قد يُستغل.
وتستضيف الصحيفة شخصيات سياسية وأكاديمية تشدد على أن “رعاية الشعب” ووحدة الخطاب الحكومي شرط أساسي لإدارة الأزمات، معتبرة أن الخلل في التواصل أخطر من الأزمة الاقتصادية نفسها. وترى أن احتواء الاحتجاج يبدأ بالشرح الصادق لا بالإجراءات الأمنية.

أبرار… توصيف بلا تسييس
تكتفي صحيفة أبرار بنقل الوقائع من داخل السوق، معتمدة لغة إخبارية مباشرة. تبرز معاناة بائعي الهواتف المحمولة، وتأثير ارتفاع الدولار ورسوم “الرجستري”، دون الدخول في سجالات سياسية أو أمنية. وتؤكد أن السوق مشلول، والاحتجاج انعكاس طبيعي لهذا الشلل.
عصر إيران… قراءة شاملة متعددة الأبعاد
يقدم موقع عصر إيران التحليل الأوسع، رابطا بين الاحتجاجات والسياق الاقتصادي والسياسي والدولي. يعتبر الموقع أن التظاهرات كانت متوقعة في ظل القفزات المتتالية لسعر الدولار، وينتقد صمت الحكومة وتأخر رد فعلها.
في الوقت نفسه، يشيد بطريقة تعامل السلطات مع الاحتجاج، من حيث الاعتراف بها وعدم اللجوء إلى القمع، معتبرا ذلك تطورا إيجابيا في إدارة الأزمات.
ويرى أن الاحتجاج نتيجة حتمية للتراكمات، وإدارته الهادئة خطوة صحيحة، لكن جذور الأزمة ما زالت قائمة.

تكشف قراءة التغطية الإعلامية الإيرانية للتظاهرات أن الخلاف لم يكن حول وجود الأزمة، بل حول تفسيرها ومعالجتها. فبين إعلام يرى في الاحتجاج خطرا أمنيا مؤجلا، وآخر يراه إنذارا اقتصاديا مبكرا، يتضح أن المشهد الإيراني يقف عند تقاطع حساس بين الاقتصاد والسياسة والمجتمع.
وإذا كان القاسم المشترك بين مختلف التيارات الإعلامية هو الاعتراف بعمق الضغوط المعيشية، فإن الاختبار الحقيقي سيكمن في قدرة الحكومة على تحويل هذا الاعتراف إلى سياسات واضحة، واستعادة الثقة عبر الشفافية والتواصل.
فالتجربة الإيرانية، كما تعكسها هذه التغطيات، تشير إلى أن الاحتجاجات الاقتصادية لا تبقى في حدود الاقتصاد طويلا، إذا ما استمر الغموض والصمت، وهو ما يجعل طريقة إدارة المرحلة المقبلة عاملا حاسما في تحديد مسار الاستقرار الداخلي.

