- زاد إيران - المحرر
- 510 Views
نشر صحيفة عصر إيرانيان، الأربعاء 15 أكتوبر/تشرين الأول 2025، تقريرا أفادت فيه بأن إيران تعمل على بناء آلية جديدة لإبطال مفعول العقوبات وتحييد آلية الزناد، من خلال توسيع علاقاتها الاقتصادية والمالية مع دول المنطقة، وتُعدّ زيارة وزير الشؤون الاقتصادية والمالية، علي مدني زاده، إلى عاصمة طاجيكستان دوشنبه، ومشاركة إيران في المنتدى الدولي للاستثمار عام 2025، مؤشرا على تنشيط الدبلوماسية الاقتصادية الشرقية في مواجهة الضغوط السياسية الغربية.
وأضافت أن عام 2025 يمضي في ظل تجدد التحذيرات الأمريكية والأوروبية الثلاثية بشأن احتمال تفعيل آلية الزناد، مما يلقي بظلاله مجددا على الاقتصاد الإيراني، غير أنّ ما يجري على أرض الواقع يكشف عن تشكّل نمط جديد من العلاقات الإقليمية يمكن أن يُبطل عمليا مفعول العقوبات.
وتابعت أن طاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان وكازاخستان، بل وحتى أفغانستان، تحولت خلال العامين الماضيين إلى محور للتجارة غير الدولارية ولسلسلة المقايضة التي تشمل الطاقة والخدمات الفنية والهندسية والسلع الاستراتيجية الإيرانية، وهذه الروابط، بمعزل عن التعاملات المصرفية الرسمية، أوجدت أرضية جديدة للتعاون المالي القائم على العملات المحلية وشبكات
التسوية الإقليمية.
من الاتفاقات الإقليمية إلى خريطة طريق عام 2025
أوضحت الصحيفة أنه لطالما شكّلت العلاقات الاقتصادية بين إيران والدول المجاورة، منذ تسعينيات القرن العشرين ولا سيما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، أحد محاور السياسة الخارجية الاقتصادية لإيران، ويُعدّ الانضمام الدائم لإيران إلى منظمة شنغهاي للتعاون، وتوسيع ممر النقل الدولي الشمال–الجنوب، وتوقيع اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، من الأركان الثلاثة الأساسية لهذه الدبلوماسية المقاومة.
وأكَّدت أنه وفقا للبيانات التجارية الرسمية، بلغ إجمالي حجم التبادلات بين إيران ودول آسيا الوسطى في عام 2024 أكثر من 5.1 مليار دولار، مسجلا نموا بنسبة 42 في المئة مقارنة بعام 2023، وتشمل الصادرات الإيرانية إلى المنطقة بشكل رئيسي المنتجات البتروكيماوية والإسمنت والصلب والمنتجات الزراعية المُصنَّعة والخدمات الفنية والهندسية في مجالات بناء
محطات والسدود.
وأفادت بأنه في المقابل، تستورد إيران من تلك الدول معادن نادرة والقطن ومعادن صناعية ومكونات علفية، ومع تعزيز آليات المقايضة والاتفاق على استخدام الريال والساماني والروبل في المعاملات الثنائية، تراجع الاعتماد على الدولار واليورو بشكل ملحوظ، ويُعدّ هذا الإجراء، وفقا للخبراء الاقتصاديين، خطوة تقلل من تأثير العقوبات الثانوية الأمريكية، وتفتح الطريق أمام إنشاء تكتل مالي إقليمي يقوم على تعاون البنوك المركزية.
آليات تجاوز العقوبات.. دبلوماسية العملات والمقايضة والاتفاقات الثنائية
أبرزت الصحيفة أنه في السنوات الأخيرة، تمكن البنك المركزي الإيراني من خلال ترتيبات ثنائية مع طاجيكستان وأذربيجان وروسيا والعراق وعُمان من تسوية أكثر من 4.7 مليار دولار من التزاماته بالعملات الأجنبية عبر المقايضة، وهو ما يُظهر نموا يقارب 65 في المئة مقارنة بمتوسط الأعوام 2021 إلى 2023.
وأردفت أن النموذج الجديد للتعاون الاقتصادي مع طاجيكستان، الذي سيُستكمل الإطار التنفيذي له خلال الزيارة الأخيرة لوزير الاقتصاد، يشمل إنشاء صندوق استثمار مشترك للمشروعات الخضراء وتأسيس لجنة مشتركة لمكافحة العقوبات، وتتمثل المهمة الأساسية لهذه اللجنة في تحديد العقبات المصرفية، واستخدام المنصات الرقمية للتسوية الإقليمية، وتطوير تجارة الخدمات عبر التقنيات اللامركزية.
وأظهرت أنه بذلك تسعى إيران إلى توسيع مسار تمويل مشروعات الطاقة والصناعة من دون الحاجة إلى شبكة سويفت وخارج نطاق الرصد الأميركي، وتشير التحليلات الاقتصادية إلى أن كل زيادة بنسبة 10 في المئة في حجم التبادلات مع الدول المجاورة يمكنها، في المتوسط، أن تخفف بمقدار 1.5 نقطة مئوية من الأثر السلبي للعقوبات المالية على نمو الناتج المحلي الإجمالي.
دور آلية الزناد وردّ إيران البنيوي
بيَّنت الصحيفة أنه على الرغم من أن احتمال تفعيل آلية الزناد يُعدّ تهديدا قانونيا لصادرات النفط الإيرانية، فإن البيانات الخاصة بالأشهر الأربعة الأولى من عام 2025 تُظهر أن صادرات النفط الخام اليومية لإيران استقرت عند مستوى 1.35 مليون برميل، وتوجَّه هذه الصادرات أساسا إلى مصافٍ صغيرة في الصين والهند وسوريا، إضافة إلى عدد من الشركات المستقلة في آسيا الوسطى، عبر مسارات تسوية تقوم على المقايضة وآلية النفط مقابل السلع.
وجزمت بأن عمق العلاقات الاقتصادية لإيران مع جيرانها يتحول في هذا السياق إلى درع للمقاومة الاقتصادية، إذ أسهم استمرار بيع النفط والمكثفات الغازية والمنتجات البتروكيماوية في إطار عقود المقايضة المرتبطة بالاستثمارات في البنى التحتية، عمليا، في تحييد جزئي للضغوط الناجمة عن آلية الزناد.
وأبلغت أنه حتى في حال إعادة فرض عقوبات مجلس الأمن، فإن الشبكة المالية الإقليمية النشطة حاليا بين موسكو وطهران وأستانة ستظل قادرة على الحفاظ على قنوات موازية لتحويل الأموال وتسوية المعاملات لإيران.
فرصة طاجيكستان ممرّ الاستثمار الأخضر
أوردت الصحيفة أن طاجيكستان، بما تمتلكه من موارد مائية ضخمة وموقع محوري يربط الممرات الشرقية، تُعدّ أحد الشركاء الأقل خطرا لإيران في إطار سياسة الاستثمار الأخضر، وقد شكّل المنتدى الدولي للاستثمار في دوشنبه، الذي انعقد تحت شعار فرصة اليوم من أجل استدامة الغد، منصة لعرض مشاريع الطاقة النظيفة والطاقة الكهرومائية والتقنيات الرقمية والصناعات التحويلية.
وأشارت إلى أن الوفد الإيراني المشارك في المنتدى أكد دور الشركات المعرفية في إدارة استهلاك الطاقة، وطرح مقترحا بإنشاء شبكة الاستثمار الأخضر بين إيران وطاجيكستان، ويهدف هذا المشروع إلى جذب الاستثمارات المباشرة وتمويل المشاريع المشتركة في مجالات مثل إنشاء محطات كهرومائية صغيرة، وأنظمة تخزين الكهرباء، وإنتاج المعدات الشمسية على نطاق صناعي.
ونوَّهت بأنه في ظل القيود الغربية المفروضة على الاستثمار في قطاعي النفط والغاز الإيرانيين، يُعدّ دخول إيران إلى حلقة التمويل الأخضر في آسيا الوسطى فرصة جديدة لاستمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية، وتشير بيانات مركز البحوث الاقتصادية إلى أن قيمة سوق الطاقة الخضراء في آسيا الوسطى ستتجاوز 13 مليار دولار خلال السنوات الثلاث المقبلة، فيما تستهدف إيران حصة تقارب 10 في المئة من هذا السوق.
الميزة الاستراتيجية لربط شبكات البنى التحتية
لفتت الصحيفة إلى أن تطوير البنى التحتية للنقل بين إيران وجيرانها في الشرق والشمال كان له أثر مباشر في خفض تكاليف التجارة، فقد أدى استكمال خط سكة حديد خواف–هرات، وربط سكة حديد سرخس بميناء بندر عباس، وتوسعة خط رشت–آستارا إلى تقليص زمن عبور البضائع من آسيا الوسطى إلى الخليج من متوسط 28 يوما إلى أقل من 12 يوما.
وسلَّطت الضوء على أن هذه التطورات قد جعلت من إيران عقدة استراتيجية في الممرات الدولية، بحيث يوفر مرور السلع والوقود والمنتجات عبر أراضيها مصدرا ثابتا للعائدات بالعملة الصعبة حتى في ظل العقوبات، والجدير بالذكر أن الجمع بين هذا الامتياز اللوجستي وآلية المقايضة في مجالات النفط والغاز والخدمات الفنية والهندسية، المعروفة باسم الطاقة مقابل البنية التحتية، يشكل في جوهره نموذجا جديدا لبناء اقتصاد مقاوم إقليمي.
وأوضحت أن التحديات، تتمثل في ثلاث نقاط رئيسية هي: عدم التنسيق المؤسسي بين الأجهزة الاقتصادية في تنفيذ المشاريع المشتركة مع الدول المجاورة، ونقص أدوات تغطية المخاطر المالية والتأمينية ولا سيما في المعاملات غير الدولارية، وضعف أنظمة التسوية المتعددة الأطراف وفعالية منظومة الرسائل المالية المشتركة.
وأكّدت أن الخبراء اعتقدوا أن معالجة هذه التحديات الثلاثة يمكن أن تضاعف من فعالية العلاقات الإقليمية في تحييد أثر العقوبات، وفي هذا الإطار طُرحت مبادرة إيران لإنشاء مركز المقايضة والتسوية لآسيا الوسطى في دوشنبه باعتباره الخطوة الأولى نحو تشكيل نظام مالي مواز بقيادة الدول الصديقة.
الآفاق الخمسية من التعاون الاقتصادي إلى الاندماج المالي
أبرزت الصحيفة أن التطورات الراهنة تشير إلى أن الهيكل الجديد للتعاون الاقتصادي بين إيران وجيرانها لم يعد مقتصرا على تجارة السلع، بل يتجه نحو الاندماج المالي، فمن المنتظر أن يبدأ التشغيل التدريجي لمنصة الريال الرقمي الإقليمي وربطها بالساماني الرقمي الخاص بطاجيكستان، ما سيجعل سلسلة المدفوعات المعتمدة على تقنية البلوك تشين الوطنية جاهزة للتنفيذ بحلول نهاية عام 2026.
وذكرت أنه في حال تحقق هذا المشروع، ستتمكن إيران من إدارة وتسوية مشاريعها المشتركة في مجالات النفط والكهرباء والبنية التحتية الرقمية من دون الحاجة إلى المرور عبر الشبكات المالية الغربية، وتشير التقديرات الفنية إلى أنه إذا ارتفعت حصة التجارة الإقليمية لإيران من 33 في المئة حاليا إلى 50 في المئة بحلول عام 2026، فإن تأثير العقوبات الثانوية على مؤشر الوصول إلى العملات الأجنبية سيتراجع بأكثر من 40 في المئة.
وبيَّنت أنه في المحصلة، تُظهر تجربة العقدين الماضيين أن تنويع العلاقات الاقتصادية مع الدول المجاورة لم يُخفف فقط من هشاشة الاقتصاد الإيراني أمام العقوبات، بل أسهم تدريجيا في تهميش آليات الضغط الغربية، وفي هذا السياق، تُعدّ زيارة وزير الاقتصاد إلى طاجيكستان أكثر من مجرد حدث دبلوماسي؛ فهي حلقة إضافية في سلسلة تحييد العقوبات وصياغة خريطة طريق للتنمية المالية غير الدولارية.
وفي الختام أوردت الصحيفة أن استمرار هذا النهج، مع التركيز على الطاقة المتجددة، والتكنولوجيا المالية المحلية، وآليات المقايضة المتعددة المستويات، يمكن أن ينقل إيران بحلول منتصف عقد 2026 من مرحلة الاقتصاد المقاوم للعقوبات إلى مرحلة الاقتصاد المستقل عن العقوبات، ومثل هذا التحول يجسّد عمليا إبطال مفعول آلية الزناد وترسيخ الاستقلال الاقتصادي لإيران في الفضاء الإقليمي.

