- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 629 Views
كشف تسريب هائل عن صفقات عسكرية قد تغير موازين القوى في الشرق الأوسط وأفريقيا، مجموعة قراصنة إلكترونيين، تعرف باسم Black Mirror “بلاك ميرور“، فضحت وثائق سرية من أنظمة شركة الدفاع الحكومية الروسية (Rostec)، تكشف عن بيع طائرات مقاتلة متقدمة بمليارات الدولارات إلى إيران والجزائر وإثيوبيا، هذه الصفقات، التي تتحدى العقوبات الغربية، تضع العالم أمام احتمال تصعيد عسكري جديد، مع اقتراب مواعيد التسليم.. فهل نشهد فصلاً جديداً في سباق التسلح الإقليمي؟
48 مقاتلة
في صدارة هذا التسريب، تبرز صفقة إيران كأضخم الصفقات وأكثرها تأثيراً، الوثائق المسربة، التي نُشرت في (3 أكتوبر/تشرين الأول 2025)، تكشف عن اتفاق بقيمة 6 مليارات يورو لشراء 48 طائرة مقاتلة من طراز سو-35، متعددة المهام، مزودة بأنظمة حرب إلكترونية متطورة، هذه الطائرات، القادرة على التحليق بسرعة تفوق 2.25 ماخ ومدى يصل إلى 3600 كيلومتر، ستعزز بشكل كبير قدرات القوات الجوية الإيرانية، التي تعتمد حالياً على أسطول قديم يضم طائرات مثل إف-14 وميغ-29.
الجدول الزمني للتسليم يشير إلى أن الشحنات ستبدأ بين عامي (2026-2028)، بعد دفعة أولية تمت (2022)، وفقاً للوثائق، تأتي هذه الصفقة ضمن تعاون دفاعي أوسع، يشمل إنتاج طائرات بدون طيار من طراز شاهد-136 في روسيا، مما يكشف عن تبادل تكنولوجي بين طهران وموسكو.
طائرة سوخوي سو-30، التي طورتها شركة سوخوي الروسية، تُعد واحدة من أبرز المقاتلات متعددة المهام وأكثرها مبيعاً عالمياً، استُلهمت من مقاتلة سو-27، وبدأ تطويرها في الاتحاد السوفيتي خلال الثمانينات، صُممت لتكون مقاتلة ثنائية المقاعد ذات قدرات عالية في المناورة لتنفيذ مهام جو-جو، جو-أرض، والاستطلاع، أُجريت أول رحلة تجريبية لها عام 1989، وبدأ إنتاجها بكميات كبيرة في التسعينات، تُشكل الطائرة حالياً العمود الفقري للقوات الجوية في عدة دول، مع أكثر من 1000 طائرة قيد الخدمة عالميًا. تُصنف سو-30 كمقاتلة من الجيل 4.5 بفضل أنظمتها الإلكترونية والتسليحية المتطورة، وتتضمن طرازات مثل سو-30MKI (للهند)، سو-30MKK (للصين)، وسو-30SM (لروسيا)، تتميز بتصميم دلتا كانارد ومحركين، مما يتيح تنفيذ مناورات معقدة مثل مناورة “كوبرا”، ويُصنع هيكلها من سبائك التيتانيوم والألومنيوم عالية المتانة، مع تجهيزها بإلكترونيات طيران متقدمة.
خبراء يرون أن هذه الطائرات ستعزز قدرة إيران على حماية منشآتها النووية والنفطية، خاصة بعد هجمات إسرائيلية متكررة، ورغم عدم التحقق من صحة الوثائق بشكل مستقل، فإنها تتماشى مع تصريحات سابقة من عضو لجنة الأمن القومي الإيرانية، شهريار حيدري، في شتاء (2023)، الذي أكد اقتراب وصول الطائرات.
الجزائر نحو التفوق الجوي
صفقة الجزائر لا تقل أهمية، حيث تكشف الوثائق عن طلب 12 طائرة من طراز سو-57، وهي مقاتلات الجيل الخامس الروسية التي تتميز بتقنيات الشبحية ورادارات متقدمة، إلى جانب 14 طائرة سو-34 مخصصة للضربات الأرضية، هذه الصفقة، المرمزة بكود “012”، تقدر بمئات الملايين من اليورو، وتشمل أنظمة إلكترونية من شركة “كريت” التابعة لروستيك.
في ظل التنافس العسكري مع المغرب، الذي يعزز أسطوله بطائرات أمريكية، ستمنح سو-57 الجزائر تفوقاً جوياً في شمال أفريقيا، الوثائق تشير إلى أن التسليم قد بدأ بالفعل، مما يعكس الأولوية التي توليها موسكو للجزائر كشريك استراتيجي، هذه الصفقة تساعد روسيا على تجاوز العقوبات الغربية من خلال دفعات نقدية سريعة، مما يعزز مكانتها كمورد رئيسي للأسلحة في المنطقة.
إثيوبيا تدخل المعادلة
إثيوبيا، المرمزة بكود “231”، تظهر في الوثائق كمشترٍ لـ6 طائرات سو-35، مع تقارير تشير إلى احتمال وصول العدد إلى 16، هذه الصفقة، التي اقتربت من مراحلها النهائية، تمثل قفزة نوعية لتحديث القوات الجوية الإثيوبية، التي تعتمد على طائرات سو-27 وسو-30، الطائرات مزودة بأنظمة تحكم متطورة وشاشات عرض من “كريت”، مع بدء الإنتاج في عام (2024).
هذه المقاتلات ستعزز قدرات إثيوبيا الدفاعية، الوثائق تشير إلى توقيع العقد قبل أو بعد بدء الحرب الأوكرانية مباشرة في (2022)، مما يجعله من أبرز صادرات روسيا في الفترة الأخيرة، لكن التأكيد الرسمي لا يزال غائباً، مع نقاشات متزايدة حول تأثير ذلك على التوازن الإقليمي.
التسريب يكشف الستار
التسريب، الذي يضم أكثر من 300 وثيقة داخلية، نفذته مجموعة “بلاك ميرور” في (2 أكتوبر/تشرين الأول 2025)، مستهدفة أنظمة “روستيك”، الوثائق تكشف عن مراسلات وعقود تصدير، إلى جانب خطط لوجستية للالتفاف على العقوبات الأمريكية والأوروبية، خبراء يرون أن المحتوى يتماشى مع تقارير سابقة من مصادر مثل “ديفينس بلوج”، مما يعزز مصداقيته جزئياً، هذه الصفقات تمثل انتصاراً لروسيا في الحفاظ على صادراتها العسكرية رغم الحرب في أوكرانيا، حيث تقدر قيمتها الإجمالية بمليارات الدولارات، لكنها تثير قلقاً في واشنطن وتل أبيب، خاصة مع تعزيز قدرات إيران العسكرية.
التأخير الروسي
لكن بالنظر إلى توقيع العقود العسكرية بين إيران وروسيا، يتضح أن عدم تسليم موسكو المعدات العسكرية لإيران ليس قضية جديدة، بل له تاريخ طويل، ولعل أشهرها قضية شراء إيران لنظام الدفاع الجوي “إس-300“، الذي أصبح، بسبب أعمال التخريب التي قام بها الجانب الروسي، قضية خلافية في العلاقات بين الجانبين، تعود القصة إلى توقيع إيران عقدا لشراء نظام “إس-300” مع الجانب الروسي أواخر عام 2007، وكان من المفترض أن تُسلم روسيا خمس قطع مدفعية من هذا النظام الصاروخي بقيمة تقارب 800 مليون دولار لإيران؛ لكن في سبتمبر/أيلول 2010، أصدر دميتري ميدفيديف، رئيس روسيا آنذاك، مرسوماً بعنوان “التدابير المتعلقة بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1929″، يحظر تسليم أنظمة إس-300 والأسلحة المدرعة والطائرات والمروحيات والسفن الحربية إلى إيران. ونتيجةً لذلك، ألغت موسكو عقد تسليم أنظمة إس-300 في سبتمبر/أيلول من العام نفسه، وعقب هذه الحادثة، رفعت إيران دعوى قضائية ضد روسيا أمام محكمة التحكيم الدولية في جنيف، مطالبةً بتعويض قدره 4 مليارات دولار.
كم سعر مقاتلة سوخوي سو-35؟
كشفت وثائق مسربة، نسبتها مجموعة القرصنة “بلاك ميرور”، عن صفقة ضخمة بين روسيا وإيران لبيع 48 مقاتلة سو-35 بقيمة 6.5 مليار دولار، ما يجعل سعر الطائرة الواحدة يقارب 135 مليون دولار، هذا الرقم المرتفع يعكس إضافة تقنيات متطورة، مثل نظام الحرب الإلكترونية “خيبيني-إم”، الذي يمنح المقاتلة قدرات استثنائية في مواجهة التهديدات وتضيف العقوبات الغربية، التي تعرقل سلاسل التوريد وتؤخر التسليم، طبقة أخرى من التكاليف، لكن الصورة ليست موحدة، ففي صفقات أخرى، مثل تلك مع الجزائر، يُعرض الطراز الأساسي بسعر أقل، أحياناً لجذب زبائن جدد، فعلى سبيل المثال، قدرت مؤسسة AeroTime سعر الطائرة التصديرية بحوالي 85 مليون دولار، مستندة إلى عقد الصين عام 2015 لبيع 24 مقاتلة بسعر 83 مليون دولار للوحدة.
ما الذي يحدد هذه الأرقام؟
تبدأ القصة في مصانع روسيا، حيث تكلفة إنتاج الطائرة الواحدة تقارب 50 مليون دولار، يُضاف إليها هامش ربح تصديري يتراوح بين 20 و30%، إلى جانب تكاليف لوجستية تشمل تدريب الطيارين، توفير قطع الغيار، وخدمات الصيانة هذه العناصر تشكل معادلة معقدة، تجمع بين الابتكار التكنولوجي.
في النهاية، سعر الـ سو-35 ليس مجرد رقم، بل انعكاس لتوازنات القوى العالمية، حيث تتحول كل طائرة إلى رمز للنفوذ والتفوق في سماء الصراعات الدولية، بعد نجاح إيران والقوى الغربية في التوصل إلى الاتفاق النووي الشامل عام 2015، أمر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين برفع الحظر عن تسليم النظام، وأعلنت روسيا أخيرا اكتمال تسليم النظام في أكتوبر/تشرين الأول 2016 (بعد حوالي تسع سنوات من توقيع العقد)، والآن، يبدو أن روسيا عادت لتسلك نفس النهج في تسليم طائرات سو-35 المقاتلة الذي اتبعته سابقاً في تسليم أنظمة إس-300 لإيران؛ وهو مسارٌ مصحوبٌ بتأخيرات متكررة وعدم الوفاء بالوعود بتسليم هذه الأنظمة العسكرية، والنقطة المهمة هي أنه لو لم يتردد الجانب الروسي في تسليم هذه الطائرات المقاتلة لإيران، فربما كانت إيران تمتلك على الأقل عدداً قليلاً منها خلال حرب الأيام الاثني عشر، ولما سمحت لإسرائيل باستغلال هذا الضعف الجوي الإيراني.
هل نحن على أعتاب تصعيد إقليمي؟
مع اقتراب مواعيد التسليم، قد تشهد المنطقة تحولات جذرية، إيران قد تستغل سو-35 لتعزيز ردعها ضد إسرائيل، بينما تستعد الجزائر وإثيوبيا لتأمين تفوقهما الإقليمي، لكن السؤال الأكبر يبقى: هل ستؤدي هذه الصفقات إلى تصعيد النزاعات، أم إلى توازن يحافظ على الاستقرار الهش؟ في عالم تسيطر عليه الأسرار، يذكرنا هذا التسريب بأن الفترة المقبلة قد تتحول سماء طهران إلى ساحة صراع جديدة.

