- زاد إيران - المحرر
- 634 Views
نشرت وكالة أنباء مهر الأصولية، الجمعة 22 أغسطس/آب 2025، تقريرا ذكرت فيه أنه يمكن اعتبار القرن الحادي والعشرين نقطة تحول في التحولات الجيوسياسية وإعادة تعريف أنماط النزاع.
وأضافت الوكالة أنه في هذا العصر، تغيّر منطق الحرب جذريا، فالتنافس بين القوى لا يحدث بالضرورة في ميادين القتال المباشر واصطدام الجيوش، بل يُتابع في مجالات تبدو أكثر ليونة مثل الاقتصاد، والبنية التحتية، وشبكات النقل، والتكنولوجيا، وحتى المعنى والهوية الحضارية، وفي هذا السياق المتحول، يظهر ما يُعرف اليوم بحرب الممرات كمثال واضح على هذا التغيير في المنظور أو الإطار الفكري.
وتابعت أن الممرات لم تعد تُعتبر مجرد طرق نقل برية أو سكك حديدية، بل تحولت إلى العمود الفقري للنظام العالمي الجديد، فكل مسار ترانزيت، بوصفه شريان حياة، لا يحدد فقط المناطق الجغرافية التي تمر عبرها الطاقة والبضائع، بل يعيد أيضا تعريف الموقع الجيوسياسي للدول، وفي الوقت ذاته يشكل إطار التدفق الثقافي والاجتماعي والهوياتي للأمم.
وأردفت أن الممرات تؤثر في ثلاثة مجالات رئيسية في آن واحد، القوة الصلبة والسيطرة على الجغرافيا السياسية، والقوة الاقتصادية وإنتاج الثروة، والقوة الناعمة وإعادة صياغة الروايات الحضارية.
وأوضحت أن حرب الممرات هي حرب القرن الحادي والعشرين؛ حيث يسيطر اللاعبون على مسارات تبادل البضائع والطاقة والثقافة بدل الاشتباك المباشر في ميادين القتال، والفائز ليس بالضرورة من يمتلك أكبر جيش أو أكبر موارد طبيعية، بل من يقدر على تحويل هذه الممرات من طرق عبور عادية إلى أدوات استراتيجية–حضارية تشكل مستقبل النظام العالمي.
إيران والقوقاز: نقطة اتصال أم ساحة إقصاء؟
أكَّدت الوكالة أنه في هذا الميدان، تعتبر مكانة إيران حساسة وحاسمة بشكل خاص، فشمال إيران وجنوب القوقاز لا يشكلان مجرد بوابة طبيعية لربط آسيا الوسطى بالخليج العربي وبحر عمان، بل إن المسارات البديلة قد تضعف الموقع الجيوسياسي لإيران، ومشاريع مثل ممر زانغزور التي تنفذها تركيا وأذربيجان بدعم من بعض القوى الغربية تمثل تهديدا لإقصاء إيران من معادلات جنوب القوقاز وربط باكو مباشرة بنخجوان ثم أنقرة.
وأبرزت أن اقتراح إيران ممر أرس ليس فقط وسيلة للحفاظ على الحدود الاستراتيجية مع أرمينيا، بل يمثل أداة لتثبيت موقع إيران في الشريان الشمالي-الجنوبي ومنع الحصار الجيوسياسي، وفي الوقت ذاته، تقدم المشاريع الكبرى مثل ممر مينه، المصمم لتجاوز إيران وروسيا، ومبادرة الممر الشمالي-الجنوبي التي يمكن أن تربط إيران بروسيا وأوروبا، صورة متعددة الطبقات لساحة المنافسة في النقل الإقليمي بغرب آسيا.

وبيَّنت أن هذا الوضع الشطرنجي المعقد يطرح على إيران سؤالا أساسيا، وهو: هل تستطيع إيران استغلال هذه الحرب كفرصة من خلال الاستثمار والدبلوماسية وإعادة تعريف دورها الحضاري، أم أنها ستُهمش في حال الإغفال؟
وأظهرت أن الإجابة عن هذا السؤال له أهمية استراتيجية بالغة، إذ يمكن اعتبار حرب الممرات نوعا من الحرب الاستراتيجية غير الخطية، وفي هذا السياق، تحتل إيران موقعا ذا أهمية محورية، فرغم كونها تقع عند نقطة التقاء الشمال والجنوب والشرق والغرب، ويمكن أن تصبح نواة حاسمة في تدفقات النقل والثقافة، إلا أن هذه المكانة بدون تخطيط استراتيجي وإدارة متعددة الطبقات قد تتحول إلى تهديد وليس فرصة للأمن الوطني.
ونوَّهت من منظور تحليلي، إلى أن هذه الحرب تشمل ثلاثة مستويات متكاملة وحاسمة في الوقت ذاته:
- المستوى الجيوسياسي
- المستوى الجيو اقتصادي
- المستوى الجيو حضاري

المستوى الجيوسياسي: الممرات والهندسة الجديدة للسلطة
أوردت الوكالة أنه على الصعيد الجيوسياسي، ينبغي النظر إلى حرب الممرات ليس كمجرد منافسة على مسارات النقل، بل كجهد لإعادة هندسة خريطة القوة، فلم تعد الطرق وخطوط الاتصال في العالم اليوم مجرد قنوات لنقل البضائع أو الطاقة، بل أصبح كل ممر جديد أداة لتغيير هندسة النفوذ، وتحريك مراكز القوة، وإعادة تعريف مكانة اللاعبين ضمن التسلسل الهرمي الإقليمي.
وأبلغت أن كل ممر جديد يتم تفعيله يحرّك الحدود الجيوسياسية بشكل ناعم وتدريجي، دون أن يحدث بالضرورة صراع عسكري كلاسيكي، وفي هذا الإطار، يجب النظر إلى مشاريع مثل ممر زانغزور بما يتجاوز كونها مجرد مشروع بنية تحتية.
وأوضحت أنه إذا تحقق هذا المسار، فسيربط جنوب القوقاز مباشرة بالأناضول وأوروبا، دون أن تلعب إيران أي دور في هذه السلسلة، ويعني ذلك أن إيران ستفقد جزءا من موقعها في النقل، والأهم من ذلك، ستنزل من موقع الوسيط الجغرافي إلى هامش الجغرافيا السياسية. 
وأبرزت أن ممر أرس يعد بالنسبة لطهران أكثر من مجرد خط نقل، فهو أداة للحفاظ على الربط مع أرمينيا، ومنع تشكيل محور بان-تركي متكامل، وتثبيت الموقع الجيوسياسي في القوقاز.
وأفادت بأن حرب الممرات تعتبر في جوهرها حربا على الموقع، أي دولة تتحول إلى محور للربط ودولة تصبح خارج مسار التواصل، وتسعى الدول من خلال السيطرة على الممرات إلى خلق عمق استراتيجي وزيادة أمانها الوطني، وبالنسبة لإيران، تحمل هذه الحالة أهمية مضاعفة؛ فموقعها الجغرافي عند مفترق طرق الشمال–الجنوب والشرق–الغرب مرتبط مباشرة ببقائها، وأمنها الوطني، ودورها التاريخي كوسيط حضاري.
وأظهرت أن أي إقصاء أو تضعيف لإيران في هذه المعادلة لا يعني مجرد تراجع اقتصادي أو تجاري، بل يقلص من القدرة الجيوسياسية لإيران في المعادلات الإقليمية والعالمية.
المستوى الجيواقتصادي: شرايين الثروة ومستقبل التنمية
أشارت الوكالة إلى أن المستوى الثاني في حرب الممرات هو البُعد الجيواقتصادي، وفي عالم يتجه فيه الاقتصاد العالمي بسرعة نحو الإقليمية وسلاسل توريد أقصر، تصبح الدول القادرة على تقديم نفسها كمسار رئيسي للنقل بمثابة عقد ثروة، فالممرات تمثل تدفق رأس المال والطاقة والبضائع والخدمات، وبالتالي إنتاج الثروة وفرص العمل.
ولفتت إلى أن مشاريع مثل ممر مينه صُممت بالضبط لتجاوز إيران وروسيا، بهدف توجيه جزء كبير من هذه الثروة نحو تركيا وآسيا الوسطى، وفي المقابل، يمكن للممر الشمالي–الجنوبي الذي تكون إيران محورا له، أن يحول إيران إلى جسر تجاري يربط الهند وروسيا وأوروبا، ويولد مئات المليارات من الدولارات من القيمة المضافة.
وأوضحت أن النقطة الأساسية تكمن في أنه إذا اقتصرت إيران على المستوى الجيوسياسي فقط ولم تتمكن من الاستثمار في البنية التحتية، والتحديث اللوجستي، والدبلوماسية الاقتصادية على المستوى الجيواقتصادي، فإن موقعها الجغرافي سيتحول من ميزة محتملة إلى ميزة غير فعّالة، بمعنى آخر، الجيوسياسة بلا جيواقتصاد محكوم عليها بالزوال.
المستوى الجيوحضاري: اللعبة أكبر من السكك الحديدية والطرق
سلَّطت الوكالة الضوء على أن أحد الأبعاد المهملة في الأدبيات المتعلقة بحرب الممرات هو البعد الحضاري لهذه المنافسات، والذي يمثل أعمق طبقة في هذه الحرب، فلا يمكن اختزال الممرات في كونها مجرد طرق للنقل أو لنقل الطاقة والبضائع، بل هي تحمل اللغة والدين والثقافة والرموز وأنماط الهوية، ويمكن اعتبارها الشرايين الحيوية للجسم الحضاري.
وأضافت أن القوة القادرة على السيطرة على هذه الشرايين تضخ عمليا التيار الحيوي والحضاري في كيانها، وتضع الآخرين في موقع ضعف وجمود.
وذكرت أن التجربة التاريخية لإيران تُظهر أن قوة إيران كانت في أوجها عندما استطاعت القيام بدور حلقة الربط الحضاري، ففي عهد طريق الحرير وشبكة طرق القوافل الإسلامية، لم تكن إيران مجرد محور تجاري، بل مركز حضاري وهووي يجمع بين تبادل البضائع ونقل المعاني والفنون والدين والمعرفة.
وركَّزت على أن الممرات كانت دائما أكثر من مجرد حامل للبضائع؛ فهي ناقلة للثقافة والسرد والبرمجيات الحضارية، ولهذا السبب، لم يسهم طريق الحرير التاريخي في تبادل التوابل والحرير فحسب، بل في نقل الإسلام والبوذية والفن الإيراني والخط الصيني والموسيقى في آسيا الوسطى.
وشددت على أن كل ممر جديد يمثل مشروعا حضاريا، والقوة القادرة على إعادة تعريفه ضمن شبكة ثقافية–حضارية تتحكم عمليا في مستقبل النفوذ الناعم والهوية الإقليمية لصالحها، ويمكن ملاحظة أمثلة معاصرة لهذه الحقيقة في مشاريع لاعبين آخرين، فتركيا تتبع ممر زانغزور ليس فقط كمسار تجاري أقصر بين باكو وأنقرة، بل كجزء من المشروع الكبير وهو العالم التركي؛ وهو فكرة تسعى، بالاعتماد على الروابط اللغوية والإثنية والثقافية، إلى إنشاء منطقة حضارية مشتركة تمتد من الأناضول إلى آسيا الوسطى.
وبيَّنت أن الصين، ضمن مبادرة الحزام والطريق، تتجاوز التجارة لتسعى إلى إعادة إنتاج هيمنتها الحضارية، إذ يتحول كل ميناء وسكك حديدية ومركز لوجستي في المشروع إلى نقطة لنشر اللغة والثقافة والقيم الصينية، كما تسعى روسيا، عبر اتحاد أوراسيا الاقتصادي، إلى إحياء استمرار مجالها الحضاري والتاريخي، خاصة عبر شبكات الطاقة والنقل.
وأوردت أنه لو تم تقديم ممر أرس أو الشمال–الجنوب ليس فقط كمسار ترانزيت، بل باعتباره شريانا حضاريا، لكان بإمكان إيران عبره خلق مكانة هوية واستراتيجية متميزة، تماما كما حول طريق الحرير إيران في الماضي إلى القلب الحضاري للمنطقة، ويمكن للممرات الحالية أن تلعب دورا مشابها، بشرط ألا تظل مقتصرة على المستوى البنيوي فقط.
وأكَّدت أن تفعيل ممر زانغزور وإقصاء أرس يعنيان عمليا إنشاء اتصال كامل للعالم التركي من بحر قزوين إلى الأناضول دون الحاجة لإيران؛ وهو حدث يبعد إيران تدريجيا عن كونها حلقة حضارية مهمة، وبالمثل، إذا حل ممر مينه محل الشمال–الجنوب، فإن إيران لن تفقد فقط إيرادات النقل، بل ستُحذف من تشكيل شبكة ثقافية–اقتصادية بين الصين وآسيا الوسطى وأوروبا.
واستطردت بأن هذا الحذف الحضاري يمثل أخطر سيناريو لإيران، لأنه يضعف في الوقت نفسه موقعها الجيوسياسي وهويتها التاريخية، واستنادا إلى ذلك، تحتاج إيران إلى إعادة تعريف استراتيجيتها الحضارية، ويمكن أن تكون الخطوة الأولى تحويل ممر أرس إلى الشريان الحضاري لهضبة إيران، ليصبح مسارا ينقل ليس فقط البضائع، بل أيضا التاريخ واللغة والدين والروابط المشتركة بين الشعوب.
وأبرزت أنه على المستوى الأوسع، يصبح من الضروري تصميم اتحاد هضبة إيران أو إعادة إنتاج المجال الحضاري الإيراني؛ واتحاد يشمل أرمينيا وآسيا الوسطى وأفغانستان وأجزاء من القوقاز الجنوبي، وهذا النهج يحرر إيران من الانحصار في المنافسة المادية الصرفة ويوفر لها موقعا برمجيا واستراتيجيا جديدا.
ودعت إلى وجوب اعتبار حرب الممرات حربا على السرديات، فالسرد التركي هو ربط العالم التركي؛ والسرد الصيني هو النظام الصيني الجديد عبر الحزام والطريق؛ والسرد الروسي هو إحياء أوراسيا.
آفاق؛ إيران وإعادة صياغة الهندسة الحضارية في حرب الممرات
أفادت الوكالة بأن آفاق المستقبل ترتبط بقدرة إيران على تحويل الممرات إلى أدوات لإعادة صياغة الحضارة، لا مجرد مشاريع اقتصادية، ولهذا ثلاثة آثار استراتيجية:
- إيران كحلقة حضارية، لا مجرد موقع جغرافي: إذا اقتصرت الممرات على نقل البضائع، ستتجاوز إيران بسهولة عبر المسارات البديلة، أما إذا ربطت إيران هذه الممرات بشبكات حضارية تتدفق فيها الثقافة واللغة والفن والتاريخ المشترك، فلن يتمكن أي طرف آخر من استنساخ هذا الموقع.
- الانتقال من منطق الرد إلى منطق التصميم: يجب على إيران تجاوز حالة الدفاع ضد الإقصاء لتصبح مهندسة الطرق، أي تعريف مبادرات تجعل المسارات ليست فقط للتواصل المادي، بل لخلق مجال نفوذ حضاري مستدام، وبدلا من انتظار تركيا أو الصين لتحديد المسارات، على إيران أن تروي قصة كبرى يضطر الآخرون للمشاركة فيها.
- دمج القوة الصلبة والناعمة في هندسة المستقبل: لا يكفي أي بعد بمفرده، فالجغرافيا الإيرانية دون سرد حضاري تصبح موقعا تكتيكيا فقط، والاقتصاد دون بعد ثقافي وسياسي يختفي في المنافسة الاقتصادية التي تقودها الصين والغرب، أما إذا تكاملت الطبقات الجيوسياسية، والجيواقتصادية، والحضارية، يمكن لإيران أن تخلق نموذجا جديدا للقوة الإقليمية؛ نموذج يعتمد ليس على رسم الحدود فقط، بل على خلق فضاء حضاري مشترك يمارس سيطرة ناعمة ومستدامة على المنطقة.
وفسَّرت أن مستقبل حرب الممرات لإيران يُختصر في خيارين: أن تصبح دولة تُحدد مساراتها من قبل الآخرين وتُهمش في الحسابات الإقليمية، أو أن تعيد صياغة سردها الحضاري، فتستغل الحرب كفرصة لتصبح مهندسة للهوية والقوة والاقتصاد الإقليمي في القرن الحادي والعشرين.
وفي الختام أقرَّت الوكالة بأنه إذا تمكنت إيران من ترقية الممرات من طرق عبور إلى طرق حضارة، فإنها لن تثبت موقعها الجيوسياسي فحسب، بل ستصمم مستقبل المنطقة بحيث لا تكتمل أي معادلة دون حضورها، وهنا تتحول حرب الممرات من تهديد إلى منصة انطلاق حضارية لإيران.

