- زاد إيران - المحرر
- 771 Views
في قلب طهران، حيث تتساقط أوراق الخريف كأنها تحذير من برد قارس قادم، يتسارع نبض المدينة بحثاً عن درع واقٍ ضد فيروس الإنفلونزا الذي يتربص بالجميع. مع حلول أكتوبر/تشرين الأول 2025، يشهد السوق الإيراني حمى غير مسبوقة للحصول على اللقاحات، وسط تحديات اقتصادية ولوجستية تحول دون توزيعها السريع.
تحتاج إيران إلى ما بين 3 ملايين و3.5 مليون جرعة من لقاح الإنفلونزا سنويا، ورغم توفير المزيد من اللقاحات مقارنة بالعام الماضي، إلا أن حصة الصيدليات محدودة، وتُخصص معظم الجرعات للفئات الأكثر عرضة للخطر فقط، لكن في هذا السباق مع الزمن، تبرز أنباء مشجعة عن إنتاج محلي يصل إلى 200 ألف جرعة، بينما يُعد استيراد ملايين الجرعات الأجنبية لسد الفجوة. هذه ليست مجرد أرقام؛ إنها قصة صمود أمة تواجه الوباء بمزيج من العلم والإصرار، في ظل تفشي سابق في يناير/كانون الثاني 2025 أودى بحياة العشرات وأثار مخاوف من موجة جديدة.
هل سيكون هذا الشتاء مختلفاً؟
200 ألف جرعة إيرانية تتحدى الاستيراد: خطوة نحو الاكتفاء الذاتي
في خطوة تُعد نقلة نوعية نحو الاستقلال الصحي، أعلنت السلطات الإيرانية عن إنتاج 200 ألف جرعة من لقاح الإنفلونزا محليا هذا العام، وهي جاهزة للدخول إلى الأسواق قريبا، هذا الإنتاج، الذي يأتي وسط عقوبات دولية تعيق الاستيراد، يعكس تقدما علميا ملحوظا، حيث أكد مساعد الرئيس الإيراني للشؤون العلمية والتكنولوجية، “سورنا ستاري”، أن هذا اللقاح الوطني هو الأول من نوعه الذي يُنتج بالكامل داخل البلاد.
وفقا لبهمن صبور، رئيس جمعية صيادلة طهران، فإن هذه الجرعات جزء من خطة أكبر تشمل توفير ما بين 3.4 إلى 3.6 مليون جرعة إجمالا، حيث يغطي الإنتاج المحلي نحو 5-6% فقط، بينما يعتمد الباقي على الاستيراد.
لكن ما الجديد؟
في عام 2025، شهدت إيران تطورا في تركيبة اللقاحات المحلية لمواكبة السلالات الجديدة الموصى بها من منظمة الصحة العالمية (WHO)، والتي أعلنت في فبراير/شباط 2025 عن تحديثات تشمل سلالات فيروسية مستقرة مع ظهور متغيرات جديدة، هذا يعني فعالية أعلى تصل إلى 60% في الوقاية، مقارنة بالسنوات السابقة، كما أن هذه الجرعات المحلية ستُوزع مجانا للفئات الأكثر عرضة، مثل المسنين والمرضى المزمنين (أصحاب الأمراض المزمنة)، من خلال شبكة الصحة الحكومية، مما يخفف العبء عن الميزانيات الشخصية.
نقص اللقاحات يثير القلق: 90% من الشحنات الأجنبية في الطريق، لكن متى تصل؟
مع بداية الخريف، يعاني السوق الإيراني من بصمة خافتة للقاحات في الصيدليات، حيث لم يدخل سوى أكثر من مليون جرعة حتى الآن بسبب مشاكل مالية وصعوبات في تحويل العملات الأجنبية، وعدت وزارة الصحة باستيراد وتوزيع 80-90% من الشحنات بحلول منتصف أكتوبر/ تشرين الأول 2025، بما في ذلك علامات تجارية أوروبية ذات كميات كبيرة.
من المتوقع استيراد حوالي مليوني جرعة إضافية بنهاية أكتوبر/تشرين الأول 2025، ليصل الإجمالي إلى أكثر من 3 ملايين جرعة مستوردة، من هذه، سيتم تخصيص مليون جرعة للكوادر الطبية والفئات المعرضة للخطر عبر وزارة الصحة، بينما يُتاح الباقي للصيدليات ومع ذلك، يحذر الخبراء من تكرار سيناريو العام الماضي، حيث أدى النقص إلى انتشار السوق السوداء، مع أسعار تصل إلى 12 مليون ريال للجرعة الواحدة – أي أكثر من ثلاثة أضعاف السعر الرسمي.
في 2025، أبلغت هيئة الغذاء والدواء عن استيراد مليون ونصف جرعة حتى الآن، مع توقعات بزيادة الكميات لتجاوز الطلب المستهدف، تفاصيل جديدة تكشف عن تفشي الإنفلونزا في يناير/ كانون الثاني 2025، الذي أدى إلى نقص حاد وتوصيات عاجلة للفئات المعرضة للحصول على اللقاح إذا توفر، كما أشارت دراسات حديثة إلى عدم مساواة اجتماعية-اقتصادية في تلقي اللقاح، حيث يحصل الأثرياء على نسبة أعلى، مما يعمق الفجوة في الحماية الصحية.
ارتفاع الأسعار يضرب الجيوب: من 9 ملايين ريال إلى مخاطر السوق السوداء
شهد سعر لقاح الإنفلونزا ارتفاعا ملحوظا هذا العام، حيث يُباع الآن بسعر معتمد يبلغ 9,170,000 ريال إيراني، وقد يرتفع إلى 9,200,000 ريال حسب تقلبات سعر الصرف، وأوضح مهدي بيرصالحي، رئيس هيئة الغذاء والدواء، أن هذا الارتفاع يعود إلى توفر اللقاح بالعملة الحرة، مما يجعله عرضة لتغيرات يومية، وفي الشحنات المستقبلية، قد يزيد السعر بناءً على سعر الصرف، لكن الوزارة تؤكد على توزيع مليون جرعة مجاناً للمحتاجين ومع ذلك، في ظل النقص، ينتشر اللقاح في السوق السوداء بأسعار تصل إلى 36-48 مليون ريال، كما حدث في أواخر 2024.
هذا الارتفاع يثير تساؤلات حول الوصولية، خاصة مع معدل تطعيم يُقدر بنحو 99% في بعض التقارير، لكنه يخفي تفاوتات كبيرة بين الطبقات.
آثار جانبية
أكد الدكتور أحمد فوسغي مطلق، أخصائي الربو والحساسية وأستاذ بجامعة شمال خراسان للعلوم الطبية، على الأهمية الحيوية للقاح الإنفلونزا كإجراء وقائي فعال، خاصة للفئات الأكثر عرضة للمخاطر مثل كبار السن ومرضى الأمراض التنفسية المزمنة كالربو ومرض الانسداد الرئوي المزمن.
وأوضح في تصريح لوكالة أنباء الطلبة الإيرانية (إيسنا) أن هذا اللقاح، المكون من فيروس غير نشط، آمن تمامًا ولا يسبب الإصابة بالإنفلونزا، بل يعزز مناعة الجسم لمواجهة الفيروس، وأشار فوسغي إلى أن منظمة الصحة العالمية تحدد سنويًا السلالات الفيروسية المستهدفة في اللقاح بناءً على التغيرات المستمرة في الفيروس، مما يجعل التطعيم السنوي ضرورة حتى لمن أصيبوا بالإنفلونزا سابقا، وفي معرض نفيه للشائعات حول تأثير اللقاح على المناعة، أكد أنه لا يضعف الجهاز المناعي، بل يقويه لمحاربة العدوى، وعن الآثار الجانبية المحتملة، طمأن فوسغي بأنها نادرة جدًا ولا تُقارن بالفوائد الكبيرة للقاح، مشيرا إلى أن بعض الأعراض البسيطة، مثل تلك الشبيهة بنزلات البرد، قد تظهر مؤقتا بعد التطعيم وهي أمر طبيعي، وردًا على فكرة أن جرعة واحدة قد تكفي مدى الحياة، شدد على ضرورة التطعيم السنوي وفقا لتوصيات منظمة الصحة العالمية.
كما أكد رئيس مستشفى الإمام الرضا (ع) في بجنورد أن اللقاح يوفر حماية فعالة ضد السلالات الخطيرة من الإنفلونزا، وأضاف فوسغي أن التطعيم آمن للحوامل، شريطة استخدام النسخة المعطلة من اللقاح، لضمان سلامة الأم والجنين، وختم بالتأكيد على أن التغيرات المستمرة في الفيروس تجعل التطعيم ضروريا حتى لمن أصيبوا به سابقا، لضمان حماية مستدامة.
نصائح الخبراء
يؤكد علي رضا رئيسي، نائب وزير الصحة، أن اللقاح غير ضروري للجميع، ويُوصى به فقط للمرضى المزمنين، نقص المناعة، والمسنين، أفضل وقت للتطعيم هو سبتمبر-نوفمبر، حيث يستغرق الجسم أسبوعين لبناء المناعة، كما حذرت السلطات من انتشار الإنفلونزا، مشددة على الوقاية غير الدوائية مثل غسل اليدين والكمامات، ومع حلول فصل الخريف، تتجدد المخاوف من انتشار التهابات الجهاز التنفسي مثل نزلات البرد والإنفلونزا، مما يجعل التطعيم ضد الإنفلونزا خطوة حيوية لحماية الفئات الأكثر عرضة، كالأطفال، كبار السن، الحوامل، وأصحاب الأمراض المزمنة.
لكن، كما أوضح الدكتور محمد رضا صالحي، أخصائي الأمراض المعدية وأستاذ مشارك بجامعة طهران للعلوم الطبية، قد تثار تساؤلات حول سلامة اللقاح وما يترتب عليه من آثار جانبية أو احتياطات ضرورية، وطمأن صالحي بأن لقاح الإنفلونزا آمن بشكل عام، ولا يسبب مضاعفات خطيرة في أغلب الحالات.
“الأثر الجانبي الأكثر شيوعا هو ألم خفيف في موضع الحقن، يتلاشى عادةً خلال يوم أو اثنين، وهو أمر يمكن تحمله بسهولة، وأضاف أن بعض الأشخاص قد يشعرون بأعراض تشبه الإنفلونزا، مثل آلام الجسم أو التعب، لكنها غالبا ما تتحسن بحلول اليوم الثالث، وقد يستدعي الأمر تناول مسكن بسيط مثل الأسيتامينوفين في حالات نادرة، وأشار صالحي إلى أهمية استشارة الطبيب قبل التطعيم لمن لديهم حساسية من البيض أو تجارب سابقة مع ردود فعل غير طبيعية تجاه اللقاح.
وفي هذا السياق، أبرز ميزة اللقاح الإيراني الذي يُنتج بتقنية متقدمة بدون استخدام البيض، مما يجعله خيارا آمنا لهذه الفئة، مقارنةً باللقاحات الأجنبية الهولندية والفرنسية المصنوعة من فيروسات ميتة، ونصح صالحي بتأجيل التطعيم في حال كان الشخص يعاني من أعراض برد حادة، مثل الحمى، حتى يتعافى تماما، موضحا أن اللقاح يوفر حماية بنسبة 60 إلى 70%، ويهدف بشكل رئيسي إلى الوقاية من الإصابات الشديدة.
كما شدد على أن اللقاح لا يمنع الإصابة بفيروسات أخرى قد تُسبب أعراضًا مشابهة للإنفلونزا، مما قد يدفع البعض للاعتقاد خطأ بأن اللقاح غير فعال، واختتم حديثه بالتأكيد على أن التطعيم لا يعني الحصانة الكاملة، داعيا الجميع إلى الالتزام بالإجراءات الوقائية، مثل تجنب الاختلاط بالمرضى، لضمان حماية أكبر، وقال: “اللقاح خطوة مهمة، لكنه ليس بديلاً عن الحذر والوعي الصحي”.
ومع اقتراب دخول فصل الشتاء، يبدو أن إيران على أعتاب تغطية صحية أفضل، لكن التحديات اللوجستية والاقتصادية تظل عقبة كبرى.. هل ستكفي الـ200 ألف جرعة المحلية والمستوردات لمواجهة الوباء الموسمي الخطير؟ الإجابة تكمن في التنفيذ السريع والعدالة في التوزيع.

