- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 301 Views
لم يعد الحديث الإيراني عن مضيق هرمز مجرد لوح للضغط السياسي أو المناورات العسكرية الدورية، بل انتقل مشروع لفرض واقع قانوني وسيادي جديد يقلب موازين القوى في شريان الطاقة العالمي.
تأتي تصريحات محمد مخبر، مستشار القيادة العليا في إيران، لتعلن بوضوح أن مرحلة “ما بعد الحرب الأخيرة” لن تشبه ما قبلها. إن الجوهر الحقيقي لهذا الخطاب يكمن في قلب الطاولة على “نظام العقوبات”؛ فبدلا من أن تكون إيران هي الطرف “المحاصَر” تسعى اليوم لتكون الطرف “المحاصِر” للقوى الغربية، مستغلة أثمن ورقة جغرافية في تجارة الطاقة العالمية.

إعادة تعريف “قواعد الاشتباك” البحري
تغيير الأدوار من الدفاع إلى الهجوم التحريمي يشخص المسؤول الإيراني الرفيع فرصة تاريخية ناتجة عن “الظروف الراهنة” لإنهاء عقود من التبعية للضغوط الغربية.
الفكرة المركزية هنا هي “الحصار المتبادل”؛ حيث تمتلك طهران الآن القدرة -وفق المنطق الجديد- على منع عبور السفن التابعة للغرب مما يعني تحويل مضيق هرمز من ممر دولي مفتوح إلى “أداة عقوبات إيرانية” تُشجّ رءوس النظام الاقتصادي العالمي.
النظام الجديد وصياغة السيادة هما المصطلح الأكثر خطورة في التصريح هو المطالبة بـ نظام جديد للمضيق. هذا يشير إلى نية طهران الخروج من الأطر التقليدية لقانون البحار الذي تعتبره “منحازا” للقوى الكبرى، واستبداله بنظام يعطي لإيران حق الفيتو على عبو السفن بناء على “المواقف السياسية” و”الشرعية القتالية” التي اكتسبتها في المواجهات الأخيرة.
استثمار “نتائج الحرب”، وقطف الثمار الاستراتيجية يربط التقرير بين نهاية “الحرب المفروضة الأخيرة” وبين استحقاقات النصر الجيوسياسي. فإيران لا ترى في وقف القتال مجرد عودة للوضع السابق، بل ترى وجوب انبثاق “واقع جيو-عسكري” يكرس تفوقها في الخليج وبحر عمان، ويحولها من “موضع العقوبات” إلى “موضع القوة العالمية” التي تتحكم في شريان الطاقة العالمي.
“هرمز” كأداة لإعادة صياغة النظام العالمي
يرى المحللون أن هذا التصريح يهدف إلى تحقيق ثلاثة أهداف ستراتيجية:
أولا، عزل القوى الغربية: عبر حرمان سفنها من أقصر الطرق البحرية، مما يرفع تكاليف الشحن والتأمين ويخلق أزمة طاقة عالمية بقرار “سيادي إيراني”.
ثانيا، رفع سقف التفاوض: أي حوار مستقبلي مع الغرب لن يكون حول “النووي” أو “المسيرات” فحسب، بل سيصبح “حق العبور من مضيق هرمز” هو الورقة المقايضة الأساسية.
ثالثا، تكريس القطبية الإقليمية: إثبات أن أمن الخليج وممراته هو شأن “داخلي إقليمي” تحت إشراف طهران، ولا مكان فيه للوجود العسكري الغربي “المتطفل”.
“جغرافيا الغضب” وفرض الواقع الصعب
إنَّ الجوهر الحقيقي لهذا التحول في الخطاب الإيراني لا يكمن فقط في “التهديد بالإغلاق”، بل في “شرعنة السيطرة”. فالمطالبة بـ “نظام جديد للمضيق” تعني بوضوح أن طهران قررت الانتقال من مرحلة “المشاغبة العسكرية” في الممرات المائية إلى مرحلة “الإدارة السياسية لتدفقات الطاقة”.
هذا الإصرار على تحويل إيران من “طرف محاصَر” إلى “طرف محاصِر” يعكس استراتيجية “قلب الطاولة الجيوسياسية”، حيث لم تعد الجغرافيا مجرد حدود وطنية تجب حمايتها، بل أصبحت “رأس مال سياسي” يُستخدم لفرض عقوبات مضادة على القوى الكبرى.
إن مفهوم “الحصار المتبادل” الذي يلوح به “محمد مخبر” هو إعلان رسمي عن موت “أحادية القطب” في منطقة الخليج؛ فالمساومة القادمة لن تكون على “أجهزة الطرد المركزي” في المفاعلات النووية، بل ستكون على “أجهزة التوجيه” في غرف قيادة السفن التجارية الغربية.
في المحصلة، نحن أمام ولادة “عقيدة هرمز الجديدة”، وهي عقيدة تقوم على أن “الأمن مقابل العبور”. وإذا نجحت طهران في فرض هذا الواقع “قطرة بقطرة” كما فعلت في إدارة ملفاتها الإقليمية الأخرى، فإن العالم سيستيقظ على واقع تكون فيه القواعد الدولية للبحار مجرد “نصوص تاريخية”، بينما الكلمة الفصل هي لـ “دفتر العقوبات الإيراني” الذي سيحدد من يعبر ومن يُمنع بناء على فاتورة المواقف السياسية. إنها “جغرافيا الغضب” حين تتحول إلى “هندسة سيادة” تعيد رسم موازين القوى العالمية.

