إيران على حافة المواجهة الكبرى: هل تبدأ الحرب المفتوحة؟

كتب: الترجمان

في تصعيد لافت يعكس تحوّلا نوعيا في مسار المواجهة الإقليمية، كشفت تصريحات لوزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث عن ملامح مرحلة جديدة من العمليات العسكرية، تتسم باتساع نطاقها وتعدد أهدافها، في سياق صراع آخذ في التمدد بين أطراف رئيسية في المنطقة.

تصعيد عسكري غير مسبوق

بحسب التصريحات، فإن العمليات المرتقبة لن تكون مجرد امتداد للضربات السابقة، بل تمثل تحولا في طبيعة الأداء العسكري الأمريكي، من حيث حجم الهجمات، وتنوع الأهداف، والاعتماد المكثف على القدرات الجوية والاستخباراتية.

ويُفهم من هذا الطرح أن واشنطن تسعى إلى تحقيق تفوق ميداني سريع عبر ضربات مركّزة تستهدف تقويض القدرة على الرد لدى الخصوم.

هذا التوجه يعكس انتقالا من سياسة “الاحتواء” إلى مرحلة الضغط المباشر وتقليص قدرات الخصم الهجومية، وهو ما قد يفتح الباب أمام موجة تصعيد متبادل، خصوصا في ظل تعدد ساحات الاشتباك.

Image

ثبات الأهداف الاستراتيجية

سياسيا، تؤكد التصريحات أن الأهداف الأمريكية لم تتغير، ما يشير إلى وجود استراتيجية طويلة المدى تتجاوز ردود الفعل اللحظية. ويبرز هنا إصرار واشنطن على أن نهاية هذا الصراع ستكون “وفق شروطها”، في إشارة واضحة إلى رفض أي تسوية لا تحقق مكاسب استراتيجية ملموسة.

هذا الخطاب يعكس تمسكا بسياسة فرض الوقائع، ويؤكد أن الإدارة الأمريكية لا ترى في الوقت الراهن أي مبرر للتراجع أو تخفيف الضغط، بل تسعى إلى إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي بما يخدم مصالحها الأمنية.

غياب الأفق الزمني

من أبرز ما حملته التصريحات هو الإقرار بعدم وجود جدول زمني محدد لإنهاء العمليات. هذا الغموض الزمني يحمل دلالات عميقة، إذ يعكس اعتماد نهج “العمليات المفتوحة”، وربط نهاية الحرب بتحقيق أهداف ميدانية وسياسية، ومنح القيادة السياسية مرونة كاملة في اتخاذ قرار الإنهاء

لكن في المقابل، يثير هذا الطرح مخاوف من الانزلاق إلى صراع طويل الأمد، قد يتحول إلى حالة استنزاف متعددة الجبهات.

حرب روايات إعلامية

لا تقتصر المواجهة على الميدان العسكري، بل تمتد إلى ساحة الإعلام، حيث اتهم الوزير الأمريكي بعض وسائل الإعلام بمحاولة تصوير الوضع كحرب بلا نهاية. هذا التصريح يكشف عن صراع على تشكيل الوعي العام، سواء داخل الولايات المتحدة أو على المستوى الدولي.

وفي هذا السياق، تسعى الإدارة الأمريكية إلى ترسيخ رواية مفادها أن العمليات “تسير في الاتجاه الصحيح”، في محاولة للحفاظ على الدعم السياسي والشعبي، مقابل روايات أخرى تحذر من التورط في “مستنقع جديد”.

سياق إقليمي متفجر

تأتي هذه التطورات في ظل تصاعد الهجمات المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، والتي طالت بنى تحتية عسكرية وأهدافا حساسة، ما يعكس انتقال الصراع إلى مستوى أكثر خطورة.

هذا التوسع في دائرة الاستهداف يرفع من احتمالات اتساع رقعة المواجهة جغرافيًا، ودخول أطراف إقليمية جديدة وتهديد خطوط الملاحة والطاقة.

وهي عوامل قد تؤدي إلى تداعيات اقتصادية عالمية، خاصة في أسواق النفط والتجارة الدولية.

تكشف هذه التصريحات عن تحول عميق في طبيعة المقاربة الأمريكية تجاه الصراع الدائر، حيث لم يعد الهدف مجرد احتواء التهديدات أو إدارتها، بل إعادة صياغة البيئة الاستراتيجية بالكامل بما يضمن تفوقا طويل الأمد. 

فالإصرار على غياب جدول زمني، وربط نهاية العمليات بتحقيق “الأمن المطلوب”، يعني عمليًا أن واشنطن تتحرك وفق منطق الحرب المفتوحة المشروطة بالنتائج، لا بالوقت.

غير أن هذا النهج، رغم ما يوفره من مرونة عسكرية وسياسية، يحمل في طياته مجموعة من التحديات المعقدة. أولها أن توسيع نطاق الضربات وتعدد الأهداف قد يؤدي إلى ردود فعل غير محسوبة، خصوصا من أطراف تمتلك بدورها أدوات ردع غير تقليدية، ما يزيد من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة. 

وثانيها أن استمرار العمليات دون سقف زمني واضح يضع الولايات المتحدة أمام خطر التورط في حرب استنزاف طويلة، تتآكل فيها المكاسب تدريجيا مقابل كلفة متزايدة.

على المستوى الإقليمي، فإن تصاعد الضربات المتبادلة واستهداف بنى تحتية حساسة يعكس انتقال الصراع من مرحلة “الرسائل العسكرية” إلى مرحلة كسر الإرادات، وهو تحول بالغ الخطورة، لأنه يقلص هامش المناورة السياسية ويجعل أي تراجع يبدو كخسارة استراتيجية. 

كما أن اتساع رقعة الاشتباك يفتح المجال أمام دخول لاعبين جدد، سواء بشكل مباشر أو عبر وكلاء، ما يعقد المشهد ويزيد من احتمالات فقدان السيطرة.

أما اقتصاديا، فإن استمرار هذا التصعيد يهدد بإرباك أسواق الطاقة والتجارة العالمية، خاصة إذا ما تأثرت ممرات حيوية أو منشآت إنتاج رئيسية، وهو ما قد ينعكس في صورة موجات تضخم وضغوط اقتصادية دولية تتجاوز حدود المنطقة.

في النهاية، يبدو أن المنطقة تقف أمام مفترق طرق حاسم: فإما أن ينجح هذا التصعيد في فرض توازن ردع جديد يفضي إلى تهدئة مشروطة، أو أن يتحول إلى شرارة لصراع أوسع يعيد تشكيل خريطة النفوذ الإقليمي والدولي. وبين هذين الاحتمالين، يبقى العامل الحاسم هو قدرة الأطراف على ضبط إيقاع التصعيد قبل أن يتجاوز نقطة اللاعودة.

كلمات مفتاحية: