- زاد إيران - المحرر
- الولايات المتحدة, متميز
- 262 Views
كتب: الترجمان
في موقف يجسد اتساع الفجوة بين ضفتي الأطلسي حيال ملفات الشرق الأوسط، أعلنت بروكسل صراحة رفضها الانجرار خلف المقاربة العسكرية التي تبنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.
وجاءت تصريحات مسؤولي الاتحاد الأوروبي على هامش قمة بروكسل، الخميس 19 مارس/آذار 2026 لتضع “الفيتو” السياسي والقانوني أمام أي تحرك عسكري جماعي، مؤكدة أن القارة العجوز لن تقبل بـ “الابتزاز” أو الانخراط في حرب تفتقر للمسوغات الشرعية.
كالاس: غياب “المبرر القانوني” والهدف الضبابي
في أول اختبار حقيقي لها، رسمت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، خطوطا حمراء واضحة أمام الطموحات العسكرية لواشنطن وتل أبيب. كالاس، وبنبرة “تفنيد” قانونية حاسمة، أكدت أن استخدام القوة ضد طهران يفتقر حاليا لأي مستند في القانون الدولي؛ فلا هو يندرج تحت بند “الدفاع عن النفس”، ولا هو يستند إلى قرار من مجلس الأمن.
ولم تكتف كالاس بنفي الشرعية، بل ذهبت إلى دحض الجدوى الاستراتيجية للحرب، متسائلة عن أهدافها النهائية التي لا تزال “مجهولة” للأوروبيين. كما حسمت الجدل بشأن “مهمة هرمز”، مؤكدة أن الاتحاد لا يعتزم إرسال بعثات عسكرية لفتح المضيق، مفضلاً القنوات الدبلوماسية عبر الأمم المتحدة والشركاء الإقليميين مثل مصر والأردن ودول الخليج.
النمسا ترفض “الابتزاز” وحروب الوكالة
من جانبه، جاء موقف المستشار النمساوي، كريستيان شتوكر، ليصب في ذات السياق السيادي، حيث أكد بلهجة حادة أن أوروبا والنمسا لن تسمحا لأنفسهما بأن يكونا وقودا لحرب تُفرض عليهما بـ “التهديد والابتزاز”.
شتوكر الذي أبدى قلقه من اهتزاز أسواق الطاقة، شدد على أن الخيار العسكري في مضيق هرمز “خارج الحسابات النمساوية” تماما، داعياً إلى التركيز على استقرار الإمدادات بعيدا عن قرع طبول الحرب.

الجغرافيا السياسية للمأزق الأوروبي
تعكس تصريحات كالاس وشتوكر تحولا بنيويا في النظرة الأوروبية للصراع مع إيران، حيث لم تعد بروكسل تكتفي بدور “التابع” للاستراتيجية الأمريكية، بل أصبحت تتحرك وفق منظور “الأمن القومي القاري”. ويمكن تحليل هذا الموقف عبر ثلاث زوايا جوهرية:
أولا: فك الارتباط بين “الأهداف” و”الوسائل: تدرك أوروبا أن الحرب ضد إيران، وإن كانت تستهدف تحجيم نفوذ طهران، إلا أنها في الواقع تخدم الأجندة الروسية في أوكرانيا.
وهنا تبرز براعة كالاس في ربط الملفين؛ فاستمرار “الفوضى” في الشرق الأوسط يمنح موسكو “رئة تنفس” جيوسياسية، ويشتت الجهود الدولية عن الجبهة الأوكرانية.
لذا، ترى بروكسل أن إنهاء الحرب في إيران هو “ضرورة أوكرانية” بقدر ما هو مطلب إقليمي، لمنع بوتين من استثمار انشغال العالم في حرائق المنطقة.
ثانيا: معضلة “تفتيت” الشرعية الدولية: التشديد الأوروبي على “المبنى الحقوقي الدولي” ليس مجرد تمسك بالبروتوكولات، بل هو دحض استباقي لأي محاولة لخلق “تحالف دولي” صوري خارج مظلة الأمم المتحدة.
أوروبا التي عانت من تداعيات غزو العراق 2003، تخشى اليوم من تكرار “خطيئة” الانخراط في حرب استباقية بلا غطاء، خاصة أن تداعياتها هذه المرة ستكون مباشرة على أمن الطاقة الأوروبي، وسلاسل توريد الأسمدة الكيماوية، مما قد يؤدي إلى انفجار تضخمي لا تستطيع الحكومات الأوروبية المنهكة تحمل كلفته السياسية.
ثالثا: التوتر “القيمّي” مقابل “الواقعية السياسية: يبرز التناقض الصارخ في التعامل الأوروبي مع إيران، فبينما تدين كالاس بشدة “إعدام مواطن سويدي” وتعتبره عملا عدائيا، ترفض في الوقت ذاته استخدام هذا الملف كذريعة للحرب.
هذا الموقف يجسد “الواقعية الجديدة” لبروكسل، فهي ترفض سلوك طهران الداخلي والحقوقي، لكنها تدرك أن تحويل هذا الرفض إلى مواجهة عسكرية شاملة سيعني انتحارا اقتصاديا وأمنيا للقارة العجوز.
الخلاصة أن الموقف الأوروبي الحالي هو محاولة لـ “عقلنة” الصراع. بروكسل تحاول بناء “جدار صد” دبلوماسي يمنع تحول المواجهة بين طهران وخصومها إلى حريق إقليمي شامل، ليس حباً في النظام الإيراني، بل خوفاً من “الثقب الأسود” الذي قد تبتلعه الحرب، والذي سيؤدي حتما إلى ارتماء طهران بشكل كامل في الحضن الروسي-الصيني، وتحويل الشرق الأوسط إلى ساحة استنزاف طويلة الأمد تنهي طموحات أوروبا في الاستقلال الاستراتيجي.

