سياسي إيراني سابق: إصلاح هيئة الإذاعة والتلفزيون ضرورة وطنية تفوق الخبز اليومي في ظل التحديات الراهنة

ترجمة: دنيا ياسر نور الدين 

أجرت وكالة أنباء “خبر أونلاين” الإيرانية المحافظة، السبت 12 يوليو/تموز 2025، حوارا مع مرتضى مبلغ، نائب وزير الداخلية الأسبق في حكومة الإصلاحات، حول أداء هيئة الإذاعة والتلفزيون خلال الحرب الأخيرة وأهمية إصلاح إدارتها ودورها في تعزيز الانسجام الوطني.

وفي ما يلي نص الحوار:

بالنظر إلى حالة التماسك الوطني التي تشكّلت خلال حرب الأيام الاثني عشر، كيف تفسرون تحوّل بعض المنابر الإعلامية الرسمية، التي يفترض أن تكون صوت الوحدة، إلى أدوات للانقسام؟ وما مدى الحاجة إلى إصلاح هذا النهج؟

للأسف، نحن نواجه في البلاد وفي طريقة الحكم مجموعة من المصائب التي تثير الدهشة لدى الإنسان بكل كيانه، من المثير للتساؤل أن العقل المدبر للنظام، ورؤساء السلطات، وكبار المسؤولين في البلاد، الذين يدركون حتما خطورة هذه المسائل، لا يبدون اهتماما بها، ويُسمح باستمرار هذه الكوارث.

إحدى أبرز هذه المصائب، هي تسلط القوى المتشددة، الجامدة، والرجعية، والتي للأسف تحتل موقعا رئيسيا في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون؛ تلك الوسيلة الإعلامية التي ينبغي أن تكون واجهة النظام، وتجسّد عقلانية الحُكم والمجتمع، لكننا نرى أنها أصبحت القاعدة الأساسية لهذه التيارات الجاهلة وغير المسؤولة.

وحتى إذا لم نقل إن هناك جهات مشبوهة تقف خلف بعض هذه الأطراف وهو احتمال قائم  فعلينا القول إن بعض الأشخاص بالتأكيد واقعون تحت تأثير هذه التيارات.

لقد رأينا خلال حرب الأيام الـ12 كيف ظهرت الاختراقات، وما الكارثة التي أحدثتها. من العجيب حقا كيف يُسمح باستمرار هذا المسار.

ومن البديهي أن هذا الوضع يجب إصلاحه. هذا المسار لا يجلب سوى الكوارث والمخاطر والتكاليف للبلاد.

من المؤسف حقا أنه حتى بعد هذه الكارثة الحربية والعدوان البشع على البلاد، لا يزال البعض يصرّ على الاستمرار في النهج ذاته.

نعلم أن هناك أفرادا في البلاد قد يتبنّون مواقف متطرفة على المستوى الشخصي. لكل شخص حرية التعبير عن رأيه، لكن هيئة الإذاعة والتليفزيون والمنابر العامة، التي تعمل كواجهة للبلاد والنظام، لا يحق لها أن تفرض على الناس تكاليف بسبب تلك المواقف.

لا ينبغي أن تُفرض الأهواء الخاطئة، غير المجدية، والرجعية على البلاد من خلال هذه المنابر.

ومن المثير للدهشة حقا، أن رؤساء السلطات، والذين لكل منهم ممثلان مراقبان في هيئة الإذاعة والتليفزيون، يتعاملون مع هذه القضايا بلا مبالاة، كيف لا يولونها اهتماما؟ لماذا لا يُمارس الرقابة ولا المتابعة؟ لماذا لا يتم مراجعة برامج هذه المؤسسة المهمة، وعدم السماح بوقوع مثل هذه الأحداث؟ وكيف يُسمح بأن تكون هذه الإدارة هي السائدة على هيئة الإذاعة والتليفزيون؟

أنا متأكد أن الكوادر العاملة في هيئة الإذاعة والتليفزيون، وكثير من مديريها المجتهدين، هم أنفسهم غير راضين عن هذا المسار.

لكن عندما يسمح المدراء الكبار بتهيئة الأجواء لنشر أفكار خاطئة، منحرفة، متطرفة، ومتوهّمة، تكون النتيجة هي هذه المصائب التي تطال البلاد.

أن تتم معالجة كيفية إدارة هيئة الإذاعة والتلفزيون في أسرع وقت، أمر أهم من الخبز اليومي، في ظل هذه الظروف الحساسة للغاية داخليا ودوليا، لا بد من إعادة هذه المؤسسة إلى المسار الصحيح، وتصحيح انحرافاتها وأخطائها، والابتعاد عن الأشخاص الذين يفتقرون إلى الفهم الواقعي للأوضاع الداخلية، والظروف الدولية، والمسائل السياسية، لأن هؤلاء هم من يُلحقون الأذى والتكاليف بالمجتمع، والبلاد، والنظام، والحُكم بشكل متواصل.

هل ترى مؤشرات على عقلانية أو إرادة للتغيير، لا سيما في هيئة الإذاعة والتلفزيون؟

بالتأكيد توجد عقلانية داخل النظام. فقد شهدنا خلال الأشهر الأخيرة تطورات إيجابية في ملف التفاوض والعلاقات الدولية. لم يكن الأمر مقتصرا على الحكومة وحدها؛ صحيح أن الحكومة كانت في الواجهة، لكن النظام كله كان خلف ذلك المسار.

لكن للأسف، لا ندري ما الأيدي الخفية التي تحول دون تطبيق هذه العقلانية في مجالات أخرى. وهذا الأمر مثير للقلق فعلا. وإلا، فإن العقول المدبرة في النظام، والقيادات العليا، تدرك تماما هذه القضايا. والانتباه لها هو من البديهيات.

في رأيي، جميعهم يفهمون هذه الأمور. لكن لماذا لا يُعطى لها الاهتمام اللازم؟ لماذا يُسمح لهذا المسار الخاطئ بالاستمرار؟ ما الذي يقف خلف ذلك؟ ما هي الاعتبارات أو التيارات المؤثرة؟ هذه كلها أسئلة مقلقة بالفعل.

أي شخص لديه أدنى إدراك للواقع المجتمعي والعلاقات الدولية وظروف البلاد الحساسة، يعلم جيدا أن بعض المواقف والتحركات والتحليلات السطحية التي تُطرح في هيئة الإذاعة والتلفزيون أو بعض المنابر الرسمية الأخرى، لا تفضي إلا إلى الخسائر. لكن، لماذا لا يتم التصدي لها؟ لماذا لا تُصحح التوجهات؟ والمشكلة لا تقتصر على هيئة الإذاعة والتلفزيون، بل تشمل مجالات أخرى أيضا.

عندما نقول إن الانسجام الوطني هو من أنقذ البلاد، فإننا نعني أن الشعب والمجتمع الإيراني كانا العامل الرئيسي في الردع ضد العدوان. نعم، كان للقوة الدفاعية دورها، لكن الانسجام الوطني كان له التأثير الأعمق. وهذا أمر تعترف به الدولة بجميع أركانها.

ويجب الحفاظ على هذا الانسجام. فالمحافظة عليه تعني الإقرار بأن الوطن ملك للجميع، وليس لفئة واحدة فقط، وخاصة إذا كانت هذه الفئة متطرفة وتسعى للهيمنة. ينبغي أن يكون الوطن مساحة لكل الأصوات والتوجهات والرؤى. الحضور الفعّال والمرئي لكافة التيارات هو ما يُقوّي الانسجام الوطني ويضمن استمراريته. وهذا الانسجام سيكون عامل الردع الأكبر في المستقبل أيضا.

للأسف، يبدو أنه بمجرد زوال الخطر مؤقتا وتحسُّن الأوضاع، وهو ما تحقق بفضل الانسجام الوطني والقوة الدفاعية التي صدت هذا العدوان، ننسى وجوب الحفاظ على هذه الأجواء وتعزيزها.

نحن بحاجة إلى التغيير؛ وتغيير النهج في كل المجالات ليس أمرا يدركه المحللون فقط، بل يفهمه الناس العاديون أيضا.

يجب على النظام أن يبدأ هذا المسار. على رؤساء السلطات أن يجتمعوا، يتأملوا ويصلوا إلى قرارات جامعة. وإذا تطلّب الأمر إذنا من القيادة، فليحصلوا عليه ويبدأوا الإجراءات؛ بطريقة عقلانية وبنّاءة، تشمل جميع المجالات سواء السياسية أو الاجتماعية، وحتى في ما يتعلق بالمعتقلين السياسيين.

الآن هو الوقت المناسب لإطلاق سراح أولئك الذين سُجنوا فقط بسبب آرائهم السياسية ولم يتورطوا في أعمال تخريب أو جرائم، وكذلك لإصلاح السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الخاطئة.

إذا تم تنفيذ هذه التغييرات في الوقت المناسب وبحكمة، فإن الثقة العامة ستزداد بشكل كبير، وسيصل النظام إلى مستوى أعلى من حيث الرأسمال الاجتماعي والاقتدار الوطني.

هذه كلها أمور بديهية وواضحة؛ لكن التباطؤ في التنفيذ، وعدم الاهتمام، واستمرار التقصير، أمر يدعو حقا للدهشة والأسف والقلق في آن معا.

كيف تقيّم أداء هيئة الإذاعة والتلفزيون خلال فترة الحرب التي استمرت 12 يوما؟

لا يمكن تقييم هذا الأداء بشكل أحادي أو شامل. بعض الأقسام قدمت أداء جيدا، دقيقا وبنّاء. لكن في أقسام أخرى، حتى خلال أيام الحرب، لاحظنا وجود مشاكل.

فقد كان يتم استضافة مجموعة معينة ومحددة من الأشخاص فقط للتحليل والتعليق. هذا الأسلوب كان محل نقد حتى في حينه. ولا يمكن إنكار وجود أعمال جيدة ومميزة أيضا. لذا، لا يمكن إصدار حكم مطلق.

لكن الأهم من ذلك هو أن وقف إطلاق النار أوجد فرصة لهيئة الإذاعة والتلفزيون لتبدأ مسار التغيير، وهذه الفرصة ما تزال قائمة. للأسف، تحت الضغوط، تقوم الهيئة أحيانًا بدعوة بعض الأشخاص ذوي الرؤى المختلفة، ولكن بشكل مؤقت، وفي إطار هم من يضعونه؛ أي أن الأمر ليس حقيقيا، ولا نابعا من انفتاح حقيقي تجاه المجتمع.

هذا أقرب إلى التوظيف السياسي لبعض التيارات من أجل تمرير أجنداتهم. هذه ليست الطريقة الصحيحة. الطريقة الصحيحة هي أن تتولى إدارة بنّاءة ومنفتحة شؤون هيئة الإذاعة والتلفزيون، تلك التي تمثل وجه النظام والدولة؛ إدارة تعتمد على آراء الخبراء والكوادر المتخصصة في البلاد، وتفرض نهجا صحيحا ومنظما على هذه المؤسسة المهمة.

وهذا ينطبق على باقي المؤسسات أيضا، لكن هيئة الإذاعة والتلفزيون، بسبب مكانتها الخاصة، يجب أن تحظى بالأولوية القصوى من حيث الإصلاح والعناية.

هل تعتقدون أنه حتى خلال الأيام الـ12 من الحرب، لم تعكس هيئة الإذاعة والتلفزيون ذلك الانسجام الذي كان قد تشكّل بين الناس؟ هل هذا صحيح؟

نعم، كان ذلك واضحا تماما. رغم وجود بعض الأداءات الجيدة والمناسبة، والتي كانت تندرج في إطار الظروف الحربية وتهدف لتحفيز الروح المعنوية لدى الشعب، إلا أنه عند النظر بتمعّن، نلاحظ أن تركيبة الخبراء المدعوين كانت منغلقة للغاية، بل إنه بالمقارنة مع فترة وقف إطلاق النار، كان الانغلاق خلالها أشد.

كان يتم دعوة أفراد محددين؛ العديد منهم كانوا وجوها غير معروفة، لا أحد يعرف خلفيتهم، أو من أين جاؤوا، أو حتى مدى مصداقية تحليلاتهم.

في تلك الأيام، كان من الممكن الاستفادة من قوى وطنية وشخصيات عامة يمكن أن تُسهم في تعزيز التلاحم الوطني، وتعطي لحضور الناس بُعدا أكثر جدية ومعنى. لكن، للأسف، لم يتم الاستفادة من هذه الشخصيات مطلقا. هذا الأمر واضح جدا؛ إذا راجعتم البرامج التي تم عرضها في تلك الأيام، فبالرغم من بعض الأعمال الجيدة، بقيت هذه المشكلة الجادة قائمة.

واستمر هذا النهج بعد وقف إطلاق النار، بل وتفاقم. بعض هذه التيارات أصابها نوع من الغرور الزائف؛ غرور خاطئ جعلهم يظنون أن كل شيء قد انتهى، ولذلك استمروا في تكرار المسار السابق، بدلا من الانفتاح والاستفادة من وجهات نظر مختلفة.

للأسف، نحن نواجه هذه المشكلات كثيرا. والجذر الأساسي لها هو أنه، في الواقع، تم تسليم الساحة للتيارات المتطرفة والجاهلة، وهي تيارات أصبح بعضها الآن بحد ذاته مشكلة، وقد باتت أخطارها على البلاد واضحة للجميع.

ونحن لا نعلم ما يدور خلف الكواليس، ولا كيف تعمل قوى الاختراق أو ما هو الدور الدقيق الذي تلعبه هذه التيارات المتطرفة. لكن ما يُرى على الساحة هو هذا الوضع المقلق. والمؤسف أن هناك غيابا تاما للإرادة الجادة في إقصاء هذه الأفكار الخاطئة.

كما قلت سابقا، ما يُثير دهشتي هو أن نظاما أظهر في بعض المجالات خلال الأشهر الأخيرة أنه يمتلك عقلا جمعيا قادرا على اتخاذ قرارات بناءة، يتجاهل أو يقلل من شأن هذه القضايا البالغة الأهمية.

ينبغي معالجة هذه المسائل. الوقت مناسب الآن. يجب دعوة الشخصيات والقوى الوطنية، ومنحهم الفرصة، وإشراكهم في الحوار والعمل، حتى يتم تعزيز الثقة العامة.

هذا الحضور، وهذا الانخراط الواسع والمُشجّع من قبل الشعب، هو بحد ذاته رسالة واضحة للعالم المعتدي والمجرم، مثل إسرائيل والولايات المتحدة. رسالة تقول إن المجتمع الإيراني يقف كجدار صلب أمامهم، وهذا سيكون أكبر عامل ردع في المستقبل.

على أي حال، كل ما يمكن فعله هو التعبير عن الأمل، وتقديم النصائح، ورفع النداء إلى كبار مسؤولي النظام والسلطات؛ كي يعالجوا هذه القضايا الأساسية بأقصى سرعة وبأقصى درجات الجدية، ويتخذوا القرارات الصائبة.