- زاد إيران - المحرر
- 609 Views
في خضم توترات إقليمية ودولية متصاعدة، أعادت روسيا طرح مقترح نووي جديد إلى طاولة المفاوضات الإيرانية الغربية، استهدف الحد من التوتر بين طهران وواشنطن، ويعالج في آن واحد بعضا من أهم الملفات العالقة في الأزمة النووية الإيرانية، المقترح الذي يعد محاولة جديدة لمنع الاتحاد الأوروبي من تفعيل آلية الزناد ضد طهران، الأمر الذي سيجعل الأمور أسوأ لطهران، التي هددت مرارا بردود فعل أكثر حدة في حال تفعيل الآلية.
جاء المقترح الروسي، الذي كشف عنه نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، بعد مباحثات رفيعة المستوى جمعت وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، ونظيره الأمريكي، ماركو روبيو، الخميس 10 يوليو/تموز 2025 على هامش اجتماعات وزراء خارجية آسيان في العاصمة الماليزية كوالالمبور، وعلى الرغم من امتناع موسكو عن كشف تفاصيل ما تم تداوله بين الطرفين، فإن تأكيدات الكرملين بشأن تقديم عرض جديد إلى واشنطن، عززت أهمية الخطوة الروسية، خصوصا مع تصريحات لاحقة لروبيو أكد فيها أن بلاده تلقت مقترحات لم تطرح من قبل.

وقد أفادت مصادر مطلعة بأن الأساس الفني للمقترح يتمثل في تقليص مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بدرجات تفوق الحد المسموح به لإنتاج وقود المفاعلات المدنية، وذلك من خلال تصديره إلى روسيا، حيث يخضع هناك لعمليات تحويل فنية وإعادة تصنيعه في شكل وقود نووي تجاري، يمكن استخدامه ضمن احتياجات الطاقة النووية السلمية لإيران، ويؤكد ريابكوف أن هذا الحل يعالج قضيتين متداخلتين، أولهما أنه يراعي إصرار إيران على حقها في التخصيب داخل أراضيها، وثانيا فإنه يبدد مخاوف الشركاء الغربيين بشأن مخزونات اليورانيوم التي قد تستخدم لأغراض غير سلمية.

مقترح في خضم الأزمة
يأتي هذا المقترح في الوقت الذي تعود فيه أزمة التعاون بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى الواجهة بعد انتقادات طهرانية لاذعة، واتهامات مباشرة من رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، بأن الوكالة وأمينها العام، رافائيل جروسي، تخدم المصالح الإسرائيلية، ما أسفر عن صدور قانون برلماني، مباشرة بعد وقف إطلاق النار مع إسرائيل، يعلق التعاون معها إلى حين تأمين المنشآت النووية الإيرانية بشكل كامل، والذي صدق عليه الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، بعدها.

ومع تزايد التحديات أمام استئناف المفاوضات النووية، سواء عبر المسار المباشر مع واشنطن أو القنوات غير الرسمية، تبدو المبادرة الروسية محاولة لتثبيت التوازن بين مطالب طهران السيادية وهواجس العواصم الغربية، فيما أكدت موسكو أن جميع الأطراف المعنية تلقت المقترح وناقشته باهتمام، رغم عدم التوصل بعد إلى تفاهمات عملية أو خارطة طريق واضحة لتنفيذه.
من جهة أخرى، أعاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في تصريحات لصحيفة لوموند الفرنسية، الخميس 10 يوليو/تموز 2025 تأكيد أن التخصيب داخل الأراضي الإيرانية هو حق وسيادة، إلا أنه أبدى استعدادا لمناقشة تفاصيل هذا الملف ضمن اتفاق متبادل وتفاوض متوازن، بشرط أن تقدم واشنطن ضمانات مكتوبة بعدم اللجوء إلى العمل العسكري في المستقبل، واحترام مبدأ المعاملة بالمثل.

كما شدد عراقجي على أن إيران لا تسعى إلى تطوير سلاح نووي، وأن مستويات التخصيب التي وصلت إلى 60% كانت بمثابة رسالة ردع، خصوصا بعد فشل جهات دولية مثل الأرجنتين في تنفيذ تعهداتها بتوفير وقود مخصص لمفاعل طهران الطبي.
هذا الطرح يعيد التذكير بالخلافات العميقة بين إيران والوكالة، فمؤخرا عبر بزشكيان، خلال اتصال هاتفي مع رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، الأربعاء 9 يوليو/تموز 2025 عن استيائه مما وصفه بالازدواجية في تعامل الوكالة مع إيران، معتبرا أن استمرار التعاون معها مرهون بإصلاح سلوكها وتخليها عن الانحياز. وأكد بزشكيان أن أي اعتداء جديد على منشآت إيران النووية سيقابل برد أكثر صرامة.

على المستوى الدولي، لم تغب التفاعلات الأوروبية عن المشهد، حيث عبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس وزراء بريطانيا الجديد كير ستارمر عن التزامهما، إلى جانب ألمانيا، بمواصلة المساعي في إطار الترويكا الأوروبية للتوصل إلى اتفاق نووي جديد مع طهران، يضمن مصالح الأمن الإقليمي والدولي. في المقابل، كان لافتا تصريح وزير الخارجية الصيني وانغ يي خلال لقائه لافروف في كوالالمبور، والذي أكد فيه ضرورة تكثيف الجهود الدبلوماسية بين موسكو وبكين لإيجاد مخرج سياسي للأزمة النووية الإيرانية.


ورغم أن المقترح الروسي لا يتحدث عن وقف شامل للتخصيب أو تفكيك البرنامج الإيراني، فإنه يقرأ في طهران كبديل مقبول عن السيناريوهات التصعيدية التي طرحتها إسرائيل، التي لم تغب عن خلفية هذه التحركات، فالدور الإسرائيلي في التأثير على السياسة الأمريكية حيال إيران حاضر بشكل دائم، وإن كان غير مباشر، كما تؤكد مصادر دبلوماسية أن تل أبيب تتابع بقلق أي تحركات نحو اتفاق محتمل يكرس لإيران حقا، ولو محدودا، في التخصيب.
رغم ذلك، فيشير خبراء إلى أن المقترح الروسي، الذي ينظر إليه من قبل طهران كحل توافقي، قد يستقبل في إسرائيل على أنه تنازل خطير، ما يجعل من احتمالات إنجاحه رهينة بتوازن معقد بين مختلف الأطراف، خاصةً أن واشنطن لم تصدر بعد موقفا رسميا واضحا، بانتظار خطاب مرتقب للرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتناول فيه الملف الروسي الإيراني بشكل مباشر.
من جهة أخرى، فقد عكست تصريحات الكرملين، على لسان المتحدث الرسمي دميتري بيسكوف، الجمعة 11 يوليو/تموز 2025، تحفظا مقصودا عن الإفصاح عن تفاصيل المقترحات الروسية، بحجة أسباب مفهومة للجميع، في إشارة ضمنية إلى الحساسيات الدولية القائمة، في حين أشار وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى أن بلاده تأمل في مفاجآت إيجابية خلال الفترة المقبلة، مضيفا أنه يفضل ترك التفاصيل لخطاب ترامب المنتظر، ما يزيد من التشويق والغموض حول الموقف الأمريكي الحقيقي.

أما في الداخل الإيراني، فإن المواقف لا تبدو موحدة إزاء المقترح الروسي، فبينما يراه البعض في طهران بأنه فرصة للتهدئة مع الحفاظ على الخطوط الحمراء للسيادة، يرى آخرون أن أي صيغة للتعامل مع الفائض النووي يجب أن تكون تحت إشراف إيراني كامل، وأن تجربة التعاون مع الوكالة الدولية أثبتت أن الضمانات وحدها لا تكفي.
وبالنظر إلى المشهد الدولي العام، فإنه لا يمكن فصل المقترح الروسي عن سياق الصراع الجيوسياسي الأوسع، حيث تحاول موسكو توسيع مجال مبادرتها في السياسة الخارجية، خاصة في ظل تصاعد الاستقطاب الغربي بشأن الحرب في أوكرانيا والعلاقات المتوترة مع واشنطن. ومع ذلك، فإن نجاح هذا المقترح، الذي يدمج الحل التقني مع الرؤية السياسية، يتوقف على قدرة الأطراف على التفاهم حول الإطار الزمني، وآلية التنفيذ، والأهم من ذلك، بناء الثقة المتبادلة، وهي العملة النادرة في المفاوضات النووية الإيرانية منذ أكثر من عقدين.

