- زاد إيران - المحرر
- 875 Views
كتب: ربيع السعدني
في عالم تتقاطع فيه خطوط السياسة والعسكرية بتعقيدات لا نهائية، يبرز إسماعيل قاآني كشخصية محورية تحمل على كتفيها راية المقاومة الإيرانية ومسؤولية قيادة فيلق القدس، الذراع الخارجية للحرس الثوري الإيراني منذ توليه المنصب في يناير/كانون الثاني 2020، خلفا للجنرال قاسم سليماني.
أصبح قاآني رمزا للاستمرارية والتحدي في مواجهة الضغوط الإقليمية والدولية، إنه قائد يعمل في الظل، بعيدا عن الأضواء التي كانت تسلط على سلفه، لكنه يمتلك حضورا استراتيجيا يعكس رؤية إيران في دعم محور المقاومة.
من مشهد إلى الجبهة
ولد إسماعيل قاآني في 8 أغسطس/ أيلول 1957 في مدينة مشهد، مركز إيران الديني والروحي، نشأ في عائلة متواضعة، مع اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، شارك كشاب عادي في الاحتجاجات ضد نظام الشاه (محمد رضا بهلوي)، لكنه لم يكن من القادة البارزين، وفي مارس/آذار 1980، انضم إلى الحرس الثوري الذي تأسس للدفاع عن الثورة، وبدأ تدريباته في ثكنة سعد آباد بطهران.
ويحمل الجنرال قاآني، الذي يوصف بأنه العقل المدبر للحرس الثوري الإيراني، درجة الدكتوراه في العلوم النووية ورخصة طيار مقاتل من روسيا.

خلال الحرب العراقية-الإيرانية أصيب الجنرال قاآني في العين والساق عدة مرات وأصبح من المحاربين القدامى وخلال الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، برز كقائد ميداني شجاع، تولى قيادة لواء النصر الخامس ولواء الإمام الرضا الحادي والعشرين، حيث أظهر مهاراته في إدارة العمليات العسكرية في ظروف قاسية.
في هذه الفترة، التقى قاسم سليماني، الذي كان يقود فرقة أخرى في الحرس الثوري، هذا اللقاء وضع أسس علاقة عمل طويلة الأمد بين الرجلين، رغم اختلاف أساليبهما القيادية.
رسالة إلى خاتمي
وكان قاآني أحد الموقعين على رسالة التهديد التي وجهها قادة الحرس الثوري إلى محمد خاتمي، الرئيس الإيراني آنذاك، خلال أحداث 8 يوليو/تموز 1999.
في هذه الرسالة، انتقد قادة الحرس الثوري الإسلامي تعامل الحكومة مع الاضطرابات في حي جامعة طهران ودعوا إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد المتظاهرين والمعارضين.
الرجل الثاني

في عام 2006، كان قاآني يشغل منصب نائب مدير الاستخبارات في هيئة الأركان المشتركة للحرس الثوري الإيراني.
وأخيرًا، مع بداية الحرب التي استمرت 33 يوما بين لبنان وإسرائيل في العام نفسه، انضم إلى قوة الحرس الثوري الإيراني الخارجية المسماة “فيلق القدس”، وكان له دور مهم على صعيد المقاومة في تطورات حرب لبنان والصراع في غزة وأشهرها حرب الـ22 يوماً.
بعد الحرب، واصل قاآني صعوده في صفوف الحرس الثوري، في التسعينات، أصبح نائبًا لرئيس هيئة الأركان المشتركة لاستخبارات الحرس (2007-2008)، حيث أشرف على عمليات جمع المعلومات الاستخبارية.
بدأت صداقته مع قاسم سليماني في عام 1982 خلال لقاءات في مناطق العمليات، واستمرت هذه الصداقة والتعاون حتى استشهاده.

لاحقا، عُين نائب قائد فيلق القدس تحت قيادة سليماني، وهو المنصب الذي شغله لأكثر من عقد وخلال هذه الفترة، لعب دورا حاسما في تجنيد وتدريب المقاتلين الأفغان والباكستانيين ضمن لواءي فاطميون وزينبيون، اللذين شاركا في القتال إلى جانب الحكومة السورية خلال الحرب الأهلية (2011- 2020)، هذه الخطوة عززت النفوذ الإيراني في سوريا، لكنها أثارت انتقادات دولية بسبب تدخل إيران في هذا النزاع.
عكس سليماني، الذي كان يتمتع بشخصية كاريزمية وعلاقات وثيقة مع قادة الفصائل في العراق ولبنان، فضّل قاآني العمل بعيدًا عن الأضواء، وصفته تقارير إيرانية بأنه “الرجل العملي” الذي يركز على التنظيم والاستراتيجية بدلاً من الظهور الإعلامي.
قيادة فيلق القدس.. تحديات ما بعد سليماني
في 3 يناير/كانون الثاني 2020، أُعلن تعيين قاآني قائدا لفيلق القدس بعد اغتيال قاسم سليماني في غارة أمريكية قرب مطار بغداد، كان هذا التعيين تحديًا كبيرًا، إذ واجه قاآني مهمة ملء الفراغ الذي تركه سليماني، الذي كان يُنظر إليه كمهندس محور المقاومة.

ورث قاآني شبكة معقدة من العلاقات مع فصائل مثل حزب الله اللبناني، الحشد الشعبي في العراق، والحوثيين في اليمن، في وقت كانت فيه إيران تواجه عقوبات اقتصادية مشددة وضغوطًا عسكرية من إسرائيل والولايات المتحدة، نجح قاآني في الحفاظ على استمرارية عمليات فيلق القدس، مع التركيز على دعم الحلفاء في فلسطين ولبنان، في سوريا، أشرف على تعزيز الوجود العسكري الإيراني، بينما في العراق، عمل على تنسيق جهود الفصائل المسلحة ضد القوات الأمريكية.
مواقف بارزة ومثيرة للجدل
1.انتقاد الإصلاحيين الإيرانيين (مايو/أيار 2022): خلال خطاب علني، هاجم قاآني التيار الإصلاحي في إيران، واصفًا أنصار الرئيس الأسبق محمد خاتمي بأنهم “منفصلون عن روح الثورة”، هذا الموقف أثار جدلا داخليا، حيث اعتبره البعض محاولة لتعزيز نفوذ التيار المحافظ، بينما رأى آخرون أنه يعكس توترات داخل النخبة الإيرانية.
2. دعم سوريا ومحور المقاومة: في عدة مناسبات، أكد قاآني التزام إيران بدعم سوريا كجزء من “جبهة المقاومة” ضد إسرائيل.

في تصريح قديم له عام 2023، قال إن فيلق القدس يسعى لدعم الإصلاحات في سوريا دون التدخل في شؤونها الداخلية، هذا التصريح أثار جدلاً، حيث اعتبره محللون غربيون تأكيدًا على الوجود العسكري الإيراني في سوريا.
3.مواقف معادية لأمريكا: في 16 يناير/كانون الثاني 2015 وفي أحد مواقفه ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، قال الجنرال قاآني: “إن أمريكا وإسرائيل أصغر من أن تعتبر نفسيهما مساويتين للقوة العسكرية الإيرانية”.
وقد ظهرت هذه القوة الآن إلى جانب الشعبين المظلومين في فلسطين وغزة على شكل صواريخ وأسلحة، كما قال القائد الجديد لفيلق القدس التابع للحرس الثوري، وفي 7 أبريل/نيسان 2017، قائلا: “عندما اتخذنا إجراءات لحماية مسلمي العالم الإسلامي، كان هدفنا الوفاء بالواجب الإلهي، وكانت النتيجة الأساسية تعزيز النظام ذاته”.
وبفضل جهود حماية المسلمين، جنّب الله هذا البلد المخاطر، وجعل إيران مركزا للأمن والاستقرار للدول الأخرى.
فرض العقوبات
تم تصنيف قاآني كشخصية خاضعة للعقوبات من قبل مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية في 28 أبريل/نيسان 2012، وبناء على ذلك، تم حظر أنشطته المالية المحظورة وأصوله المزعومة لدى الكيانات الأمريكية.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2022 بحسب موقع “جلوبال نيوز” الكندي، غردت وزيرة الخارجية الكندية ميلاني جولي بأن العقوبات الكندية استهدفت 9 كيانات و25 فردا، بينهم مسؤولون إيرانيون كبار وأعضاء في الحرس الثوري وفي مقدمتهم محمد حسين باقري رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية، وحسين سلامي القائد العام للحرس الثوري، وإسماعيل قاآني قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري.
الشائعات ومواجهة الحرب النفسية
في أكتوبر/تشرين الأول 2024، انتشرت شائعات عن مقتل قاآني أو إصابته في غارة إسرائيلية على لبنان، تزامنا مع اغتيال الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله، كما تحدثت تقارير عن اعتقاله بتهمة التجسس لصالح إسرائيل أو هروبه إلى تل أبيب، لكن قاآني ظهر لاحقًا في مراسم تأبين عباس نيلفروشان في طهران، مدحضا هذه الادعاءات، في 13 يونيو/حزيران 2025، شارك في احتفالات شعبية، مؤكدا حضوره القوي رغم محاولات الحرب النفسية والادعاءات باغتياله ضمن الغارة الجوية الإسرائيلية على طهران.
قائد الظل أم استراتيجي العصر؟
يُنظر إلى قاآني كقائد عملي يركز على التنظيم والاستراتيجية، بعيدًا عن الكاريزما التي ميزت سليماني، وصفته وسائل إعلام إيرانية بـ”الرجل الصلب”، بينما انتقده آخرون لعدم تمكنه من بناء نفس العلاقات الوثيقة مع الفصائل الإقليمية.
ومع ذلك، نجح في إدارة فيلق القدس في ظل تحديات معقدة، من العقوبات الأمريكية إلى الضربات الإسرائيلية. على الصعيد الدولي، يُعتبر قاآني شخصية مثيرة للجدل، حيث تفرض عليه الولايات المتحدة عقوبات بسبب دوره في دعم “الإرهاب”، بينما يراه حلفاء إيران كرمز للمقاومة.
تحت الاختبار
إسماعيل قاآني ليس مجرد خليفة للجنرال قاسم سليماني، بل قائد عسكري يواجه تحديات العصر بأسلوب مختلف، من بداياته المتواضعة في مشهد إلى قيادته لفيلق القدس، يعكس مساره التزاما راسخًا بمبادئ الثورة الإيرانية، لكن السؤال يبقى: هل سيترك إرثا يضاهي سلفه، أم سيظل قائد الظل الذي يعمل في صمت؟

