عارف أم جعفر؟ صراع النفوذ يشتعل في حكومة بزشکیان

كتب: الترجمان

تتصدر شائعات حول استقالة محمد رضا عارف، النائب الأول لرئيس الجمهورية في حكومة بزشکیان، المشهد السياسي والإعلامي في إيران، رغم نفي المعنيين لهذه الأخبار. 

البداية كانت من موقع “فراز” الإخباري، الذي اضطر لاحقا إلى حذف الخبر من موقعه، ما أعطى الانطباع بقوة احتمال الاستقالة. بعدها، أكدت وسيلتان إعلاميتان مقربتان من رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، صحة احتمال مغادرة عارف للحكومة، ما أثار جدلا واسعا في الأوساط السياسية.

انتقادات منذ البداية

منذ تعيين عارف في منصب النائب الأول للرئيس الإيراني، واجه موجة من الانتقادات. ويرى البعض أن خلفيته البرلمانية لم تكن كافية لإرضاء قاعدة دعم بزشکیان، كما أن تقدمه في السن وتكرار ظهوره في المناصب الرسمية ساهم في استفزاز بعض المؤيدين. 

كما حاول المعارضون استغلال القانون الخاص بتعيين الأشخاص في الوظائف الحساسة، مستندين إلى قضية جنسية ابن عارف، معتبرين أن ذلك قد يكون سببا قانونيا لإبعاده عن الحكومة، وهو نفس القانون الذي تسبب في استبعاد محمد جواد ظريف من الفريق الحكومي سابقا.

إلا أن هذه المرة يبدو أن الموضوع مختلف، إذ يُشير محللون إلى أن استقالة عارف قد تكون نتيجة خلافات داخلية بينه وبين أقرب نائب للرئيس: محمد جعفر قائم بناه، المعروف بـ “المخطط خلف الكواليس لتشكيل الحكومة”. 

وبحسب ما نقلته صحيفة “صبح نو”، فإن عارف قدم استقالته بسبب محدودية صلاحياته وخلافاته مع قائم بناه، إلا أن الرئيس پزشکیان لم يقبلها حتى الآن.

في هذا السياق، يظهر محمد جعفر قائم‌ بناه كأحد أبرز الشخصيات المؤثرة في إدارة الرئيس. تعود صلة قائم ‌بناه بالرئيس إلى أيام الدراسة في الجامعة، حيث عملا معًا في إرسال الطلاب إلى جبهات الحرب. 

بعد التخرج، شغل قائم‌ بناه مناصب متدرجة في كرمانشاه، ثم انتقل إلى وزارة الصحة، قبل أن يصبح نائب الرئيس التنفيذي بعد فوز بزشکیان، بينما عُين عارف نائبا أول. تدريجيًا، أصبح قائم ‌بناه مسؤولا أيضا عن مكتب الرئيس وإدارة شؤون الاختيار على مستوى الدولة، ما عزز نفوذه داخل الحكومة.

خلافات بين الجيلين: تجربة الخبرة مقابل التحول الشبابي

محمدرضا عارف يمثل التيار المحافظ داخل الإصلاحات، ويعتمد على النهج التدريجي في السياسة، مؤكدا على “تجنب الراديكالية” و”خفض التوتر” و”التفاعل خطوة خطوة”. بالمقابل، يُنظر إلى قائم‌ بناه كشخصية شابة قريبة من الفئات الإصلاحية الأكثر تحولية، يستخدم لغة صريحة لتحليل الأخطاء الإدارية السابقة ويشدد على “اتخاذ قرارات شجاعة” لمواجهة التحديات الراهنة.

هذا التباين يعكس صراعا بين نهجين: الأول يعتمد على أساليب مختبرة ونجاحات سابقة، والثاني يسعى لتغيير البنى التقليدية بما يتناسب مع الواقع الجديد، ويظهر بوضوح في منصات التواصل الاجتماعي مثل تويتر، حيث تفاعل الجمهور مع هذا الصراع غير الرسمي.

تأثير الضغوط الخارجية على الخلاف الداخلي

ارتفاع الضغوط على الحكومة في قضايا الاقتصاد، والتضخم، وأزمة المياه، والتوترات الإقليمية، أدى إلى كشف هذه الانقسامات الداخلية بسرعة أكبر. كلا الطرفين يسعى لتثبيت هويته الجدية في مواجهة الجمهور. 

قائم‌ بناه يوجّه رسائله بشكل خاص للشباب والنخب المدنية وقوى الإصلاح الجديدة، بينما يحاول عارف الدفاع عن إرث الإصلاحات خلال العقدين الماضيين، معتبرا نقد قائم ‌بناه ناتجًا عن “قلة خبرة وحماس مفرط”.

الآثار السياسية المحتملة

إذا استمر هذا الصراع، قد يواجه فريق پزشکیان عدة تحديات منها ضعف الانسجام الداخلي للحكومة، فأي تشتت في الخطاب الرسمي يمكن أن يعزز صورة “الحكومة متعددة الأصوات” لدى الجمهور، مما يضعف قدرتها على مواجهة الأزمات.

وأيضاً تراجع رأس المال الاجتماعي للإصلاحيين، فالإصلاحيون فقدوا جزءا من قاعدة دعمهم في السنوات الأخيرة، والانقسامات الداخلية قد تؤدي إلى مزيد من التشتت. إضافة إلى قطبية الإعلام ووسائل التواص،  فالتحول التدريجي للصراع إلى توترات علنية في تويتر ووسائل الإعلام قد يخلق انقساما أوسع في الرأي العام.

وإذا تعمق الخلاف، قد يظهر في الحكومة قطبان: الأول المحافظ بقيادة عارف، والثاني التحولي بقيادة قائم ‌بناه.

هل يمكن أن يتحول الصراع إلى فرصة؟

بعض المحللين يرون أن هذه الانقسامات، إذا تم توجيهها بالشكل الصحيح، يمكن أن تشكل فرصة لإعادة تعريف الأدوار، وتجديد الأفكار، وتحسين سرعة صنع القرار، وزيادة الشفافية. لكن الفائدة الحقيقية تتطلب نقل النقاشات من الخلاف العلني والصريح إلى جلسات رسمية ومشاورات خبرائية، لتجنب قطبية المجتمع وتأزيم الوضع السياسي.

التوتر الحالي بين جعفر قائم‌ بناه ومحمد رضا عارف ليس مجرد خلاف شخصي، بل مؤشر على صراع جيلين داخل الحكومة بين الخبرة والمحافظة، والتحول الشبابي والطموح لتغيير البنية الإدارية. إدارة هذا الخلاف ستكون حاسمة، فإما أن يؤدي إلى تآكل الانسجام الداخلي وتقويض صورة الإصلاحيين، أو أن يصبح منصة لتطوير سياسات أكثر فعالية وشفافية، بما يعزز جودة الحكم في إيران خلال السنوات القادمة.