- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 342 Views
كتب: الترجمان
في حوار لافت مع موقع حفظ ونشر آثار المرشد الإيراني الأعلى قدّم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قراءة سياسية–اجتماعية مزدوجة، تمزج بين سردية الصمود الداخلي في لحظات التهديد الخارجي، وبين واحدة من أعقد القضايا الاقتصادية وأكثرها حساسية في إيران: ملف البنزين والدعم. حديث يعكس محاولة ربط “تماسك الداخل” بشرعية قرارات اقتصادية صعبة، في وقت تتقاطع فيه الضغوط المعيشية مع ذاكرة احتجاجات لم تُمحَ بعد.
رهان سقط… وسردية صمود
بزشكيان قال بوضوح إن “حسابات الأعداء” كانت تقوم على فرضية أن أي هجوم إسرائيلي على إيران سيقود إلى انهيار داخلي سريع، ونزول الناس إلى الشوارع، وتفجّر الأزمات المعيشية. غير أن ما حدث –وفق روايته– كان عكس ذلك تماما. فخلال “اثني عشر يوما” من التوتر، تمكّنت إيران من نقل أكثر من عشرة ملايين طن من البضائع عبر الجمارك، وعاد حتى السائقون المحتجون إلى الميدان “برجولة”، فيما دافع الشعب، رغم وجود تذمر سابق، عن النظام ووحدة الأراضي والقيادة.
هذا الخطاب يعيد إنتاج ثنائية مألوفة في السياسة الإيرانية: الخلاف الداخلي يتراجع عند التهديد الخارجي. بزشكيان ذهب أبعد من ذلك حين قارن بين أحداث عام 2022، التي شهدت احتجاجات واسعة، وبين عام 2025، حيث “نزل الجميع إلى الشوارع يهتفون: أرواحنا فداء للقائد”، معتبرا أن عودة هذا “الرأسمال الاجتماعي” تطور واعد، يستوجب من الحكومة ألا تكون مقصّرة أمام الشعب.
من السياسة إلى الاقتصاد: عودة البنزين
غير أن الجزء الأكثر حساسية في الحوار لم يكن سياسيا بحتا، بل اقتصاديا بامتياز. فبزشكيان، الذي وصل إلى “الباستور” 2024 بعد انتخابات على مرحلتين، يجد نفسه اليوم أمام إعادة فتح ملف البنزين، وهو ملف لطالما شكّل خطا أحمر في الذاكرة الإيرانية المعاصرة.
الرئيس الإيراني قدّم أرقاما لافتة حول حجم الدعم الموجّه للبنزين، مشيرا إلى أن الدعم الشهري لكل خزان وقود قد يصل إلى نحو 56 دولار إذا كان الاستهلاك ضمن السقف المحدد، وقد يقفز إلى قرابة 140 دولار إذا تجاوز السقف. وفي حال امتلاك الشخص أكثر من سيارة، يتضاعف هذا الرقم. هنا يطرح بزشكيان سؤاله الجوهري: لماذا يُمنح هذا الدعم الكبير لسيارة أو سيارتين، بينما هناك من لا يجد قوت يومه؟
من هذا المنطلق، يؤكد أن الحكومة لا تسعى إلى “رفع السعر” بقدر ما تريد إعادة توزيع الدعم بشكل عادل، بحيث يحصل الجميع على نصيبهم، بدل تركّزه في يد مالكي السيارات، خصوصًا من يمتلكون أكثر من مركبة. وهو يشدد في الوقت نفسه على أن الحكومة “لن تأخذ قرشًا واحدًا لسد فجواتها”، ولن تقلّص حجم الدعم، بل ستعيد توزيعه، داعيا الإعلام إلى الدفاع عن هذا التوجه وتهيئة الرأي العام له.

كسر “التابو” وتداعياته
هذه التصريحات لا تأتي من فراغ. فبزشكيان كان قد قال سابقا، خلال زيارة إلى خراسان الجنوبية، إن حتى سعر 50 ألف ريال للتر الواحد “لن يحل المشكلة”، داعيًا إلى كسر “تابو” سعر البنزين. واليوم، ومع قرار مراجعة السعر كل ثلاثة أشهر، يرى كثيرون أن الحكومة تتجه فعليًا إلى تطبيق زيادات تدريجية على فترات قصيرة.
أنصار هذا التوجه يرون أن الرفع التدريجي، حتى لو كان متقاربًا زمنيًا، قد يخفف من الصدمة الاجتماعية ويقلل من حساسية الشارع. في المقابل، يحذّر معارضون من تبعات تضخمية شديدة، في اقتصاد يعاني أصلًا من تضخم مرتفع وتآكل مستمر في القوة الشرائية.
وعود انتخابية تحت المجهر
النقطة الإشكالية أن بزشكيان نفسه وضع خلال حملته الانتخابية شرطا واضحا لأي زيادة محتملة في سعر البنزين، حين قال: “إذا كان من المقرر أن يرتفع سعر البنزين يوما ما، فعلينا قبل ذلك استيراد سيارات تستهلك ثلاثة أو أربعة لترات لكل مئة كيلومتر”.
اليوم، تبدو هذه المعادلة شبه مستحيلة؛ فالتضخم المتسارع وارتفاع سعر العملة الصعبة دفعا بأسعار السيارات –حتى المحلية عالية الاستهلاك– إلى مستويات بعيدة عن متناول غالبية الإيرانيين، حيث بلغ الحد الأدنى لسعر السيارة الجديدة نحو 5600 دولار.
الأزمة، كما يرى مراقبون، لا تتعلق فقط بسلوك المستهلك أو “تبذيره”، بل ببنية قطاع النقل نفسه. فضعف النقل العام من جهة، وارتفاع استهلاك السيارات الإيرانية الجديدة من جهة أخرى، يفرضان واقعًا يزيد الطلب على البنزين قسرا.
والمفارقة أن بزشكيان كان قد اعترف في المناظرات الانتخابية بأن هذه السيارات، بجودتها الحالية، لا تجد من يشتريها خارج إيران حتى بربع سعرها المحلي، لكنه اليوم يتخذ قرارات تتعلق بسعر البنزين دون حل جذري لأزمة الصناعة والنقل.
تحذير من داخل النظام
في هذا السياق، اكتسب تعليق حسام الدين آشنا، المستشار السابق للرئيس الأسبق حسن روحاني، دلالة خاصة، حين كتب عبر منصة “إكس”: “الاستفسار قبل الاستجواب شرط الاحتياط”. عبارة مختصرة، لكنها تعكس تحذيرا سياسيا من التسرّع، وتذكيرا بأن ملف البنزين ليس مجرد معادلة حسابية، بل قضية اجتماعية–سياسية بامتياز.

يبدو مسعود بزشكيان اليوم عالقا بين سرديتين: سردية صمود وطني أعاد –برأيه– ترميم الرأسمال الاجتماعي، وسردية اقتصادية قاسية تتطلب قرارات غير شعبية. نجاحه لن يُقاس فقط بصحة الأرقام أو عدالة النوايا، بل بقدرته على مواءمة الإصلاح الاقتصادي مع واقع اجتماعي مأزوم، ووعود انتخابية لا تزال حاضرة في ذاكرة الشارع الإيراني. فالبنزين في إيران ليس مجرد وقود… بل اختبار سياسي متجدد.

