- زاد إيران - المحرر
- 558 Views
نشرت صحيفة كيهان الإيرانية، الجمعة 26 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا انتقدت فيه مواقف الولايات المتحدة وأوروبا تجاه إيران، معتبرة أن الخطوات التي وصفتها الصحيفة بـ”حسن النية” من جانب طهران لم تلقَ تجاوبا من الغرب، بل فُسرت باعتبارها ضعفا.
حسن النية
ذكرت الصحيفة أن جميع خطوات حسن النية التي اتخذتها إيران قد جرى ركلها من قبل الغرب، وعندما يُقابَل التزام إيران السخي بالدبلوماسية بجحود ووقاحة من العدو، وحين تسعى أميركا وأوروبا بدلا من احترام حقوق الشعب الإيراني إلى فرض مطالبها، فلا يبقى مجال للشك في أن العدو لا يسعى وراء التوافق بل وراء الابتزاز والإضعاف.
وتابعت أن مجلس الأمن الدولي شهد يوم الجمعة 26 سبتمبر/أيلول 2025 مشهدا كان متوقعا لدى محللي السياسة الدولية، حيث جرى طرح مشروع القرار الروسي–الصيني للتصويت بشأن تمديد فني لستة أشهر للقرار 2231 أو تأجيل آلية الزناد لستة أشهر؛ (وكانت نتيجة هذا التصويت حتى لحظة إعداد التقرير لم تتضح بعد) غير أن النتيجة معلومة سلفا.
فأمريكا وبريطانيا وفرنسا، الذين أظهروا مرارا في السنوات الماضية أنهم لا يملكون أدنى رغبة في الالتزام بتعهداتهم في الاتفاق النووي، سيقومون هذه المرة أيضا باستخدام الفيتو ضد المشروع الروسي، ما سيغلق عمليا، وبدرجة احتمال كبيرة جدا، أي أفق لإصلاح مسار آلية الزناد.
وأضافت أنه “حتى لو افترضنا أن هذا القرار نال الأصوات التسعة اللازمة من دون أي فيتو من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، فما الذي كان سيتغير؟ هل كانت أوروبا وأميركا ستبديان استعدادا لإحداث أي تغيير في سلوكهما العدائي خلال هذه الأشهر الستة؟ الجواب واضح: كلا. ذلك أن الأعضاء الغرب في الاتفاق النووي ومجلس الأمن، الذين لم يلتزموا طوال عشر سنوات بأي من تعهداتهم في الاتفاق، لن يتخلوا اليوم أيضا عن استخدام هذه الأداة للضغط النفسي على إيران.
لاسيما أن استخدام حق النقض للقرار المتعلق بـ«استمرار رفع العقوبات» في نهاية شهر سبتمبر/أيلول يعني فعليا أن مرحلة مجلس الأمن في هذا المسار قد انتهت، وأن الغرب يستطيع متى شاء أن يطلق آلية عودة القرارات السابقة بhgكامل.
وبالتالي فإن التمديد لستة أشهر ليس سوى شراء للوقت من أجل إدارة الرأي العام والحفاظ على سياسة الضغط الأقصى ضد إيران”.
فخ برجام
وبيّنت الصحيفة أن التيار الذي أوقع البلاد في فخ الاتفاق النووي، ما زال حتى اليوم، بدلا من الاعتراف بخطئه التاريخي، يصرّ على الظهور بمظهر «العقلانية الدبلوماسية» مدعيا أنه لا سبيل سوى المفاوضات وبناء الثقة.
هذا التيار الذي قيّد طاقات البلاد لعشر سنوات كاملة في اتفاق لم يرفع العقوبات ولم يمنع الحرب، يواصل اليوم أيضا، بكل وقاحة وهروب إلى الأمام، اتهام المعارضين مجددا بـ«عدم فهم العلاقات الدولية».
وأشارت إلى أن هذا التيار، ومنذ 22 عاما، ورغم اعترافه بنكث الغرب لوعوده وعدم جدوى الاتفاق معهم، لم يتعلم قط من إخفاقاته ولن يتعلم.
وأوضحت أن الحقيقة هي أن هذا التيار كان يفتقر حتى إلى أبجديات الدبلوماسية، فالدبلوماسية تعني الفهم الدقيق للطرف المقابل، والقدرة على إدراك منطق العدو، ومهارة إدارة لعبة القوة، وما أظهره الاتفاق النووي لم يكن سوى السذاجة والتسرّع وغياب النظرة الاستراتيجية لدى هذا التيار.
وكانت النتيجة واضحة: عشر سنوات ضاعت، والقدرة الاقتصادية للبلاد أُنهكت، والعدو لم يتراجع فحسب بل ازداد وقاحة، وفي نهاية المطاف، ومن دون الحاجة إلى قرارات مجلس الأمن التي كان أنصار الاتفاق يخوّفون بها الشعب، فُرضت على البلاد عقوبات أشدّ وحرب أيضا.

عبرة من التاريخ
ذكرت الصحيفة أن من يصرّون حتى اليوم على اعتبار الثقة بالعدو عين «الذكاء» والدبلوماسية، يكفيهم أن يلقوا نظرة على التاريخ. ففي عام 1938، وقّع «نڤيل تشامبرلين» رئيس الوزراء البريطاني آنذاك اتفاق ميونيخ مع هتلر، وأطلق عليه بفخر «السلام لزماننا». لكن بعد أقل من عام، شنّ هتلر نفسه، الذي ازدادت ثقته بنفسه بفضل مماشاة بريطانيا، هجوما على بولندا وأشعل نار الحرب العالمية الثانية.
وتابعت أن ونستون تشرشل كان في تلك الأيام يحذّر داخل البرلمان البريطاني قائلا: «هذا التراجع خطأ، كنتم بين خيار الحرب والعار، فاخترتم العار، والحرب أيضا ستكون من نصيبكم».
وأضافت أن المنطق ذاته يسري اليوم، فالتراجع أمام أمريكا وأوروبا لا يُبعد الحرب ولا يُلغي العقوبات، بل يزيد من شهيتهم للابتزاز، وكان الاتفاق النووي نموذجا واضحا على هذه الحقيقة.
ولهذا السبب تدعو الصحيفة التيارَ المدّعي للخبرة في العلاقات الدولية، وأنصار الدبلوماسية البرجامية، إلى مشاهدة المشهد الشهير لجدال تشرشل مع اللورد هاليفاكس في فيلم «أحلك ساعة». مع فارق أن التشابه الكبير بين ألمانيا النازية والمحور الأميركي ـ الإسرائيلي في الجريمة والخبث، لا يلغي أن إيران اليوم في موقع أقوى بكثير مما كانت عليه بريطانيا عام 1940.
خطوات لبناء الثقة
وبيّنت الصحيفة أن ابتزاز الغرب اليوم ناجم، أكثر من كونه نتيجة قوة حقيقية لديه، عن سوء تفسيره لإجراءات حسن النية الإيرانيةـ ففي الأشهر الأخيرة، فَسّر الأميركيون والأوروبيون كل خطوة سخية من إيران، لا كدليل على التعقل والالتزام، بل باعتبارها «مؤشرا على الضعف».
وأوضحت أن من أبرز أسباب وقاحة الغرب وابتزازه في الفترة الأخيرة هو طريقة تفسيره لمواقف إيران، فما اعتُبر في طهران «خطوات لبناء الثقة» و«حسن نية دبلوماسية»، جرى النظر إليه في العواصم الغربية على أنه «مؤشر ضعف».
والحقيقة المرة أن الغرب لا يعرفون في العلاقات الدولية لا الأخلاق ولا الامتنان، بل إن منطقهم بسيط: كلما رأوا تراجعا زادوا الضغط، وكلما واجهوا مقاومة جلسوا إلى طاولة التفاوض.
وأضافت أنه عندما منحت إيران في الأشهر الماضية الوكالةَ الدوليةَ وصولا كاملا، ووقّعت اتفاقات جانبية، بل وتراجعت عن بعض مواقفها رغم نكث الغرب لوعوده، فسّر الأعداء هذه الإجراءات لا كـ«إشارة إلى الدبلوماسية» بل كـ«إشارة ضعف».
وفي هذه الظروف، فإن أي خطوة إضافية في مسار حسن النية، تنقل عمليا للعدو رسالةK مفادها أن طهران مستعدة لتقديم مزيد من التنازلات، وهذا بالضبط ما يستغله الغرب إلى أقصى حد، إذ يدخل المفاوضات بيد عليا ويضع في كل مرة على الطاولة حزمة أثقل من مطالبه.
وتابعت أن النتيجة هي أن يد إيران في المفاوضات تبدو أكثر فراغا، فيما يزداد الطرف المقابل وقاحة، ويُدفع الرأي العام العالمي إلى الاعتقاد بأن إيران في موقع ضعف، وهذا تحديدا هو المخطط الأميركي–الأوروبي: فمن جهة يواصلون الضغط الأقصى، ومن جهة أخرى يستغلون حسن نية إيران ليقدّموا أنفسهم كـ«دائنين».
وأشارت الصحيفة في الختام إلى أن الغرب يواصل اليوم السيناريو نفسه مع إيران، إذ يسعى لاستغلال كل خطوة حسن نية تَصدر عنها لفتح ملف ضغط جديد.
فإذا مُنح الوصول، تصبح المطالبة التالية «التفتيش بلا قيود»؛ وإذا وُقّع اتفاق القاهرة، تصبح المطالبة التالية «تقييدا كاملا للتخصيب»، وهذه الحلقة المفرغة لا تنتهي إلا بأن تجد إيران نفسها في موضع الانفعال.
غروسي
ذكرت الصحيفة أن من أبرز الأمثلة على ذلك هو سلوك رافائيل غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإيران، وبأقصى درجات السخاء، ورغم كل الإجراءات الوقحة، وقّعت اتفاق القاهرة لإثبات حسن نيتها؛ وهو اتفاق جرى القبول به حتى مع تاريخ الوكالة في التجسس وولاءاتها العلنية للغرب.
وتابعت أن النتيجة كانت أنّ غروسي لم يُصلح سلوكه العدائي، بل ظهر بوقاحة أكبر في دور لاعب سياسي، ففي تنسيق كامل مع الغرب، واصل بشكل خبيث إعطاء الإشارات لهم، ومن خلال تقاريره المنحازة وفّر عمليا مادة إعلامية وسياسية لسيناريو ممارسة مزيد من الضغوط على إيران أو للتحضير لجولة جديدة من الهجوم على منشآتها النووية.
وأضافت أن هذه التجربة تُظهر بوضوحٍ أن حسن نية إيران في مواجهة عدو ليست لديه أصلا أي نية للإصلاح، لا تكون عديمة الفائدة فحسب، بل تُفسَّر أيضا كإشارة ضعف.

العلم والفلسفة
وبيّنت الصحيفة أنه من منظور علم العلاقات الدولية، القاعدة واضحة: عندما يكون الطرف المقابل قد حسم خياره بالعداء، فإن أي تنازل يُعد خطأ استراتيجيا.
فالنظريات المختلفة في مجال السياسة الخارجية، ونظريات اتخاذ القرار في المواقف الخاصة، وكذلك نظريات مثل نظرية الألعاب والردع، تؤكد بوضوح أنه في وضع لا يقين فيه ولا ثقة ولا معرفة بسلوك الطرف الآخر مستقبلا، فإن القوة هي اللغة الوحيدة المفهومة، وهي الأقل كلفة.
وأوضحت أنه من منظور التاريخ، فإن العبرة ماثلة في مواجهة تشامبرلين وتشرشل لهتلر، وكذلك في تجربة العراق أمام أمريكا، فالعراق في عهد صدام وبعد سلسلة من التراجعات أمام واشنطن، تعرّض في النهاية لهجوم عسكري بذريعة واهية هي أسلحة الدمار الشامل.
وأضافت أنه من منظور الفلسفة السياسية، فإن توسيديدس، المفكر اليوناني القديم، أرسى في «حوار الميليين» مبدأ أن العدالة وحسن النية لا يكونان إلا بين الندّ للندّ، وبالتالي، إذا أرادت إيران أن تردّ على تعنّت الغرب فقط بـ«خطوات حسن نية»، فلن تكون النتيجة سوى وضعها في خانة الضعفاء والقبول اللامتناهي بالإملاءات.
الخميني
ذكرت الصحيفة أن الخميني قال: «إن تركتم العدو وشأنه، فلن يترككم وشأنكم.» وهذه المقولة ليست شعارا بل خلاصة تجربة تاريخية للأمة الإيرانية ولشعوب الأحرار في العالم؛ فكل أمة تراجعت أمام العدو لم تنل في النهاية لا سلاما ولا راحة.
وتابعت أن اليوم نقف أمام امتحان مشابه، فاستمرار مسار بناء الثقة من طرف واحد لا يجلب إلا الخسارة، والطريق الوحيد الآن هو الثبات على المصالح الوطنية، وتقوية القوة الداخلية، وإظهار ملامح أمة صامدة لا تقبل الابتزاز ولا تستسلم.
حان وقت اتخاذ قرارات كبرى
وأضافت الصحيفة أن تطورات الأيام الأخيرة أظهرت أن أمريكا وأوروبا لا يساورهما أدنى تردد في عدائهم لإيران، فقد ركلوا الاتفاق النووي، فعّلوا آلية الزناد، وحتى أمام سخاء إيران المتكرر لم يطرأ على سلوكهم أي تغيير.
وبيّنت أنه ربما لو أن الخطوات الأولية لبدء مهلة الـ90 يوما للانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي قد أُطلقت قبل ثلاثة أشهر أثناء حرب إيران وإسرائيل، لكان اليوم ذلك أفضل ورقة للمساومة أمام تهديد آلية الزناد.
ورغم ذلك، لم يفت الأوان بعد للحصول على هذه الورقة التي من شأنها أن تقلب حسابات العدو بلا شك، وهي الخطوة التي وردت كسلوك ردّ فعل محتمل لإيران في رسالة حسن روحاني، رئيس الجمهورية الأسبق.
وتابعت الصحيفة أن الأمر أصبح بلا ترديد: استمرار مسار حسن النية اللامتناهي سيضر بالبلاد فقط، وكما حذّر كبار مفكري العلاقات الدولية والساسة، فإن التراجع أمام العدو لا يعدو كونه خطأ استراتيجيا.
وأضافت الختام بأن قول الخميني: «إن تركتم العدو وشأنه، فلن يترككم وشأنكم»، يظل حاضرا كتحذير عملي، وأن الوقت قد حان للوقوف بحزم أمام المصالح الوطنية؛ فهذه هي اللغة الوحيدة التي يفهمها العدو.

