- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 491 Views
كتب: الترجمان
في مشهد يعكس عمق الأزمة الاقتصادية التي تعيشها إيران، شهدت عدة مناطق حيوية في العاصمة طهران، اليوم الاثنين 29 ديسمبر/كانون الأول 2025، تجمعات واحتجاجات متفرقة لتجار، على خلفية الارتفاع الحاد في سعر الدولار وتقلبات سوق الصرف، وما ترتب عليها من شلل شبه كامل في حركة البيع والشراء.
وبينما غلب الطابع الاقتصادي والمطلبي على هذه التحركات، برزت محاولات محدودة لتحويلها إلى شعارات سياسية، قوبلت في معظمها بتجاهل أو رفض من قبل التجار أنفسهم.
من «لاله زار» إلى قلب المدينة
وفق مشاهدات ميدانية وتقارير وكالات أنباء محلية، انطلقت إحدى أبرز هذه التجمعات من شارع «لاله زار» وسط طهران قرابة الساعة الثانية عشرة ظهرا، حيث دعا عدد من التجار زملاءهم إلى إغلاق محالهم والانضمام إلى الاحتجاج، اعتراضا على غلاء الأسعار وصعوبات تأمين السلع. وقد استجاب بعض أصحاب المحال، فيما رفض آخرون الإغلاق، ما أدى في حالات محدودة إلى مشادات لفظية دون أن تتطور إلى مواجهات واسعة.
وتحركت الحشود لاحقا باتجاه ميدان «الإمام الخميني» وصولا إلى «تقاطع إسطنبول»، حيث برزت، بحسب وكالة «فارس»، محاولات من قبل بعض «المحرّضين» لإطلاق شعارات ذات مضامين سياسية، من بينها «لا غزة ولا لبنان، روحي فداء لإيران» و«يا رضا شاه طاب ثراك». إلا أن هذه الشعارات لم تلق صدى يُذكر بين التجار، الذين ظل تركيزهم منصبا على المطالب الاقتصادية المباشرة.
مجموعات طارئة وتدخل أمني محدود
ومع الوصول إلى «تقاطع إسطنبول»، أفادت تقارير بانضمام مجموعة مفاجئة تضم نحو 30 امرأة يرتدين غطاء كاملا وأقنعة، تزامنا مع تزايد الحشود القادمة من جهة محطة مترو «سعدي». واتسم حضور هذه المجموعة بتصرفات وُصفت بأنها خارجة عن السياق الاحتجاجي التقليدي، مثل الرقص والغناء، ما أثار تساؤلات حول طبيعة مشاركتها وأهدافها.
ومع انسداد جزء من الطريق أثناء تحرك الحشود نحو ميدان «فردوسي»، تدخلت وحدات المهام الخاصة لفتح الشارع، وجرى تسجيل اشتباك جسدي محدود عند «تقاطع إسطنبول» بين بعض الحاضرين – غالبيتهم من الوافدين الجدد – وعناصر الأمن.
كما أشارت تقارير إلى ممارسة ضغوط على أصحاب المحال لإجبارهم على الإغلاق، رافقها في بعض النقاط رشق بالحجارة، ما أدى إلى إغلاق مجمع «تجارت إيرانيان» وعدد من محال الصرافة.

الدولار عند مليون و400 ألف ريال… شلل السوق
تأتي هذه التطورات في ظل وصول سعر الدولار إلى عتبة مليون و400 ألف ريال، وهو مستوى وصفه كسبة السوق بأنه «غير قابل للتعامل». ويؤكد تجار في أسواق طهران أن الارتفاع اللحظي لسعر الصرف أفقدهم القدرة على التسعير، وأصبح البيع مغامرة خاسرة، إذ لا يمكن تعويض البضائع المباعة أو إعادة شرائها بالسعر الجديد.
وفي هذا السياق، شهدت مناطق أخرى من العاصمة، أبرزها شارع «جمهوري» ومحيط مجمعات «علاء الدين» و«تشارسو» وجسر «حافظ»، احتجاجات مشابهة قادها تجار سوق الهواتف المحمولة. ووفق وكالة «إيسنا»، بدأت هذه الاحتجاجات قرابة الساعة 11:30 صباحا واستمرت لساعات، تخللها إغلاق عدد من المحال وحدوث ازدحام مروري كثيف، لا سيما عند تقاطع “حافظ”.
ركود قطاع الهواتف وأزمة الاستيراد
يشير ناشطون في سوق الهواتف المحمولة إلى أن القطاع يعاني ركوداً حاداً منذ أشهر، تفاقم بفعل تقلبات سعر الصرف وتعقيدات مسار تسجيل الطلبات والاستيراد. وفي مقابلة مع «إيسنا»، أوضح مهدي أسدي، رئيس جمعية الهواتف المحمولة، أن المشكلة الأساسية لا تقتصر على سعر الدولار، بل تكمن في «انسداد مسار تسجيل الطلبات»، معتبرا أن رفع هذا العائق كفيل بتحسين أوضاع السوق بشكل ملموس.
ويحذر كسبة هذا القطاع من أن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى تعميق الركود، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، وتهديد مستقبل آلاف العاملين في هذه المهنة.
إجماع نقابي ورفض للتسييس
رغم اتساع رقعة الاحتجاجات، تجمع معظم الوكالات، من «إيرنا» إلى «إيلنا» و«مهر»، -وفق ما نشر موقع شفقنا- على أن الطابع الغالب لهذه التحركات بقي اقتصاديا ونقابيا، مع رفض واضح من التجار لمحاولات حرفها نحو شعارات سياسية. ويؤكد ممثلو النقابات أن الاضطراب الحالي في سوق الصرف يهدد بإفلاس واسع النطاق، ويضع التجار أمام معادلة مستحيلة: البيع لتغطية الإيجارات والتكاليف، مقابل العجز عن إعادة شراء السلع.

استجابة حكومية تحت الاختبار
بالتزامن مع هذه التطورات، أعلن مدير العلاقات العامة في البنك المركزي عن عقد اجتماع عاجل للفريق الاقتصادي للحكومة، بناء على توجيه من رئيس الجمهورية، لمناقشة السياسات النقدية والتجارية والمعيشية، في محاولة لاحتواء تداعيات الأزمة.
تعكس احتجاجات تجار طهران مؤشرا بالغ الدلالة على هشاشة الوضع الاقتصادي، حيث باتت تقلبات سعر الصرف تهديدا مباشرا لاستمرار النشاط التجاري، وليس مجرد رقم في سوق العملات. وبينما يظهر الشارع التجاري تمسكا واضحا بمطالبه الاقتصادية ورفضه للتسييس، فإن استمرار هذا التدهور دون تدخل حاسم قد يفتح الباب أمام تبعات اجتماعية وأمنية أوسع.
وعليه، تبدو الحكومة مطالَبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بالانتقال من إدارة النتائج إلى معالجة الجذور، عبر تثبيت نسبي لسعر الصرف، وإعادة فتح مسارات الاستيراد، وتقديم رؤية واضحة تعيد الحد الأدنى من الثقة إلى السوق والريال معا.

