إيران وتحولات الخليج: بين النفوذ الاقتصادي والحروب الإقليمية

نشرت صحيفة هفت صبح، الاثنين 11 أغسطس/آب 2025، تقريرا أفادت فيه بأن عام 2025 يُعتبر نقطة ذروة القوة الاقتصادية لدول الخليج العربي، فقد أدت قفزة أسعار الطاقة بعد التوترات الأخيرة إلى تدفق إيرادات غير مسبوقة إلى خزائن هذه الدول، مما عزز مكانتها في سوق النفط والغاز العالمية، خاصةً قطر في مجال الغاز الطبيعي المسال، أكثر من أي وقت مضى. 

وأضافت الصحيفة أن هذه الثروة، إلى جانب الموقع الجيوسياسي والاستقرار السياسي الداخلي، وفرت الأساس لتحول هذه الدول إلى لاعبين رئيسيين في الانتقال العالمي إلى عصر ما بعد النفط.

وتابعت أنه في السنوات الأخيرة، تمكنت دول الخليج العربية من الحفاظ على علاقات متوازنة ليس فقط مع القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا، بل وأيضا من تحسين علاقاتها مع المنافسين الإقليميين مثل إيران وتركيا.

وأردفت أن هذه المهارة الدبلوماسية مكنتها من استغلال المنافسة الجيوسياسية العالمية لصالحها، ومع ذلك، أظهرت التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط، خاصة الحرب التي استمرت 12 يوما بين إسرائيل وإيران وتدخل الولايات المتحدة المباشر في النزاع، أن هذا التفوق الاقتصادي والدبلوماسية الذكية لا يضمنان الحصانة السياسية والأمنية.

وأوضحت أن الولايات المتحدة ساهمت عمليا في تصعيد التوتر خلال هذه الحرب عبر استهداف المنشآت النووية في إيران، ورد طهران الصاروخي أضاء حتى سماء قطر، ولم تكشف هذه التطورات فقط عن ضعف آليات الأمن الإقليمي، بل زعزعت بشدة ثقة دول الخليج العربي السابقة في قدرة واشنطن على إدارة الأزمات.

من دبلوماسية الدولار إلى محدوديات النفوذ على واشنطن

ذكرت الصحيفة أنه في فترة ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الثانية، استخدمت دول الخليج العربي استراتيجية تتوافق جيدا مع أسلوب سياسته؛ من عقود ضخمة بمليارات الدولارات إلى استثمارات مباشرة في الاقتصاد الأمريكي وشراء أسلحة متطورة، وهذه (دبلوماسية الدولار) أعطت قادة المنطقة الأمل في أن يتمكنوا من توجيه قرارات واشنطن في قضايا الشرق الأوسط الحيوية بما يخدم مصالحهم.

وأكَّدت أن الغزو الأخير الإسرائيلي لإيران أظهر أن هذا المستوى من النفوذ الاقتصادي على الولايات المتحدة محدود الفاعلية في أوقات الأزمات، كما أن محاولات قطر والسعودية والإمارات للوساطة عبر ترامب لم تسفر عن نتائج ملموسة، فالهجوم على إيران لم يزد فقط من التهديدات الأمنية على دول الخليج العربي، بل أكد أيضا التباين بين مطالبهم والإجراءات الفعلية للولايات المتحدة.

وأشارت إلى أن هذه الدول تواجه اليوم قوتين إقليميتين تتمتعان بقدرات عسكرية متقدمة؛ إسرائيل التي لا تتردد في شن هجمات مفاجئة، وإيران التي ازدادت عزما على تعزيز قدراتها العسكرية والدفاعية ردا على تلك الهجمات، وهذا الواقع يحد من هامش المناورة السياسية لدول الخليج ويزيد من تكلفة أي خطأ في التقدير.

انخفاض الثقة بمظلة الأمن الأمريكية والتحول نحو خفض التوتر

أوردت الصحيفة أن هجوم أنصار الله على منشآت النفط السعودية في عام 2019 كان نقطة تحول في تقييم دول الخليج العربي لمدى موثوقية مظلة الأمن الأمريكية، فقد أظهر رد الفعل الحذر وعدم تدخل إدارة ترامب الأولى المباشر في ذلك الوقت أن حتى الحلفاء القدامى لواشنطن لا يمكنهم الاعتماد على دعم أمريكي غير مشروط، وهذه التجربة فتحت مسارا جديدا أمام سياسة الخليج الخارجية نحو خفض التوتر المباشر مع طهران.

وأبرزت أن هذا الاتجاه بلغ ذروته في اتفاق مارس/آذار  2023 بين السعودية وإيران بوساطة صينية؛ وكان هذا الاتفاق إلى حد كبير رمزيا، لكنه رفع علاقات البلدين إلى أفضل مستوى خلال العقدين الأخيرين، وحتى في أزمة البحر الأحمر، فضلت معظم دول الخليج العربي عدم الانضمام إلى التحالف العسكري الأمريكي ضد الحوثيين وتجنبت توسيع نطاق الصراع.

وبيّنت أن الهجوم الإسرائيلي ثم الهجوم الأمريكي على إيران أبرزا مرة أخرى استعداد واشنطن لاستخدام قواعدها العسكرية داخل هذه الدول حتى إذا كان ذلك ضد إرادتها، ما زاد من استياء القادة العرب وإحساسهم بفقدان السيطرة، وبناء عليه، أصبح خفض التوتر مع إيران ضرورة للحفاظ على الاستقرار والتنمية.

اتحاد نادر ضد إسرائيل؛ حماية المصالح الحيوية في عصر انتقال الطاقة

أوضحت الصحيفة أن إحدى النتائج المهمة لهجوم إسرائيل على إيران هو تشكيل موقف موحد بين دول الخليج العربي ضد تل أبيب؛ فحتى الدول التي كانت تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، مثل الإمارات والبحرين، انضمت إلى هذا التوافق، وهذا التقارب نبع من قلق مشترك وهو الحفاظ على الاستقرار الضروري لاستمرار صادرات الطاقة والانتقال الاقتصادي إلى عصر ما بعد النفط.

وأضافت أن الحروب الإقليمية وعدم الأمان في طرق الشحن البحرية يمكن أن تعطل سلسلة تصدير النفط والغاز، مما يسبب آثارا وخيمة على الاقتصاد العالمي والاقتصادات الداخلية لهذه الدول، ولذلك، فإن الموقف المشترك وإدانة إسرائيل لم يكن فقط رد فعل سياسي، بل كان إجراء لحماية المصالح الاقتصادية الحيوية.

ولفتت إلى أن الصمت الحذر تجاه الهجوم الأمريكي على إيران أظهر أن هذه الدول ليست مستعدة بعد لتعريض علاقاتها مع واشنطن للخطر في ظل أزمة عسكرية، وأصدرت سلطنة عمان وقطر بيانات تجنبت ذكر الولايات المتحدة بشكل مباشر، بينما حافظت السعودية على لهجة متوازنة، وهذا التوازن بين الاستقلال السياسي والاعتماد الأمني يعكس تعقيد وضع الخليج في الهيكل الأمني الإقليمي الجديد.

الوساطة أو الوقوع في دوامة عدم الاستقرار

سلَّطت الصحيفة الضوء على أن سلوك إدارة ترامب الثانية ودعم أوروبا الضمني لإجراءات إسرائيل، أضعف بشدة مكانة الغرب كوسيط محايد في نظر إيران، وهذه الظروف تخلق فرصة وفي نفس الوقت مسؤولية لدول الخليج العربي لتأكيد دورها الفعّال كوسيط رئيسي بين طهران وواشنطن.

وأكَّدت أن قطر وعُمان تتمتع بفرصة أكبر للنجاح بسبب علاقاتهما المتوازنة مع إيران والولايات المتحدة، أما السعودية والإمارات، فعلى الرغم من تراجع نفوذهما في واشنطن، لا تزال بإمكانهما استخدام أدواتهما الاقتصادية والأمنية، لكن هذه المهمة تتطلب إدارة معقدة لتضارب المصالح بين اللاعبين الرئيسيين الثلاثة: إيران، وأمريكا، وإسرائيل.

وأبلغت أن هذه الدول إذا فشلت في السيطرة على المبادرة، فإن خطر دخول المنطقة في دوامة جديدة من العنف وعدم الاستقرار يصبح مرتفعا جدا، فطموحات إسرائيل لتغيير الخريطة السياسية للشرق الأوسط، مع احتمال عودة الجماعات المتطرفة، قد تؤخر أو تدمر أي خطط للتنمية الاقتصادية والانتقال إلى عصر ما بعد النفط.

وفي الختام أقرَّت الصحيفة بأن مستقبل الخليج السياسي والاقتصادي بات يعتمد أكثر من أي وقت مضى على قدرة هذه الدول في احتواء التوترات وتحقيق اتفاق مستدام بين إيران وأمريكا، فالنجاح في هذا المسار لن يضمن فقط الاستقرار الداخلي، بل قد يعزز أيضا موقع هذه الدول كفاعلين رئيسيين في النظام العالمي الجديد.