استقلال البورصة في إيران وأهمية حماية المستثمرين ورواد الأعمال

نشرت صحيفة هم ميهن الإصلاحية، الخميس 21 أغسطس/آب 2025، تقريرا ذكرت فيه أن تحقيق النمو الاقتصادي يعتمد على استثمارات القطاع الخاص المحلية، نظرا إلى قيود العقوبات على الاستثمارات الأجنبية، ورغم التأكيد الرسمي لأهمية مشاركة القطاع الخاص والشعب في الاقتصاد، يواجه هذا القطاع عقبات إدارية وسياسية، مثل استبعاده من الاجتماعات واشتراطات مشكوك فيها لدخوله سوق الأسهم. 

وأضافت الصحيفة أن مراجعة الخلفية التاريخية تُظهر أن المسؤولين، خلافا للسياسات العامة للمادة 44 من الدستور، كانوا معارضين للخصخصة ووضعوا لها عقبات بطرق متعددة، وفي هذا السياق، كتب رئيس اتحاد الأعمال الإلكترونية رضا ألفت‌ نسب على منصة إكس، في أحد الأيام حضرت اجتماعا كممثل للقطاع الخاص لحل مشاكل بعض المنصات، لكن رئيس الجهة نفسها التي تسببت بالمشاكل قال صراحة: إذا حضر القطاع الخاص، سنغادر الاجتماع، واضطررت لمغادرة الاجتماع. 

وتابعت أن هذه التصريحات تعكس جزءا صغيرا من المشكلة، لكن مراجعة البيانات والإحصاءات تُظهر أن الوضع أكثر خطورة، وأن غالبية المسؤولين يعتبرون الخصخصة عدوا لهم.

وأردفت أنه، وفقا لتقرير ديجياتو، كان أهم اجتماع عُقد في تاريخ صدور هذه التغريدة اجتماع لجنة المادة 90 في البرلمان بحضور محافظ البنك المركزي ووزير العمل والشؤون الاجتماعية، حيث نوقشت قضية منصات الذهب، وقدّم رئيس اللجنة نصر الله بجمانفر، توضيحات حول نتائج الاجتماع، ومن المتوقع أن حضور ألفت‌ نسب واجه معارضة، ما يثير الاستغراب.

ونقلت عن بجمانفر قوله حول هذا الاجتماع، إن مناقشة هذا الموضوع تمت في الاجتماع، فإذا كان بيع الذهب عبر المنصات يندرج تحت إطار الاستثمار، فبالطبع، بما أن الاستثمار ليس نشاطا تجاريا، يجب أن يتم ذلك ضمن نطاق البنوك ويكون البنك المركزي هو المسؤول عنه، أما إذا تم هذا النشاط في شكل عمل تجاري، فسيُحظى بالدعم، شريطة معالجة المشاكل القائمة في هذا المجال.

وأوضحت  أن ألفت‌ نسب أشار في تغريدة أخرى، إلى وجود خلاف جدي حول منصات الذهب مع البنك المركزي، وذكر أن ممثل البنك المركزي اتهم منصات الذهب بالمضاربة وقال إن بواباتها يجب أن تظل مغلقة، كما انتقد ألفت نسب بشدةٍ البنك المركزي خلال الأيام التالية، مؤكدا أن إجراءاتهم غير قانونية وتسعى لتخويف القطاع الخاص من المجلس الأعلى للأمن القومي.

 

وأضاف ألفت‌ نسب أن أمر إغلاق منصات الذهب صدر شخصيا عن محمد رضا فرزين، محافظ البنك المركزي.

وأفادت الصحيفة بأنه يمكن القول إن البنك المركزي يُعد من أبرز المعارضين للخصخصة وتحرير الأسعار في إيران، على الرغم من أن سبب هذا الموقف غير واضح، وتشير المتابعة إلى أن الخصخصة غالبا ما تُقبل من قبل الجهات الحكومية فقط إذا كان هناك ممثل قوي في هذا القطاع، مثل المدير التنفيذي، وبعبارة أخرى، وبسبب هذه المعارضات، لم تتحقق الخصخصة الكاملة في الاقتصاد الإيراني، ولا تزال التدخلات مستمرة.

وأبرزت  أن السبب الأساسي لمعارضة الخصخصة هو إزالة الريع؛ فالخصخصة تساعد القطاعات المختلفة على الخروج من دائرة الريع والأسعار الإلزامية، وتوفير أداء شفاف، فعندما تدخل الشركات ضمن نطاق الخصخصة، تصبح ملزمة بتقديم بيانات مالية حقيقية، مما يقلل فرص الريع ويحد من التدخل في الأسعار إلى أدنى حد. 

وبيَّنت أنه غالبا ما يمنع المعارضون الخصخصة، وحتى لو تجاوزت شركة ما العقبات الأولية، فإن التدخلات المستمرة تجعل عملية الخصخصة غير مستقرة.

حملة مستمرة للضغط على بورصات العملات الرقمية

أوردت الصحيفة أن تجربة بورصات العملات الرقمية تُظهر كيف تتعامل الجهات العليا، خصوصا البنك المركزي، مع الأعمال الخاصة في ظل النمو السريع لهذا القطاع، على الرغم من أن هذه البورصات أصبحت جزءا مهما من الاقتصاد الرقمي وتعتمد على نقل وتحويل الأصول، فإن البنك المركزي يفرض قيودا متكررة، مثل إغلاق بوابات الدفع فجأة، بحجة منع المخالفات وزيادة الشفافية والسيطرة على تقلبات السوق. 

وأظهرت أن هذه الإجراءات غالبا ما تتبع نمط الاستجابة للأزمات، حيث تُحمّل بورصات العملات الرقمية مسؤولية ارتفاع الأسعار والضغوط السياسية بدلا من معالجة الأسباب الجذرية، مما يخلق اضطرابا في الأعمال ويثير التباسا لدى المستخدمين.

وبيَّنت أن أبرز هذه القيود كان إغلاق الحسابات البنكية للبورصات في أكتوبر/تشرين الأول 2024 وقطع خدمات الدفع الإلكتروني في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، ثم إيقاف بوابات الدفع في ديسمبر /كانون الأول 2024 دون أي توضيح رسمي.

وأبلغت أنه منذ 17 يونيو/حزيران 2025، أجبر البنك المركزي بورصات العملات الرقمية على الالتزام بقيود تشغيلية، منها حظر عمليات تبادل تتر (عملة رقمية مرتبطة بالدولار) مقابل الريال الإيراني الليلية، وفرض مهلة لتقديم مستندات التسجيل القانوني تحت تهديد الإيقاف والملاحقة القانونية. 

وأكَّدت أن البنك فرض مجموعة شروط صارمة غير قابلة للتفاوض، ما اعتبره ناشطو القطاع إجراءات غير مهنية تهدف إلى تدمير هذه الصناعة المعرفية، الأمر الذي أدى إلى هروب واسع للاستثمارات المالية والبشرية وأضرار بالاقتصاد الوطني.

الإشراف غير القانوني على قطاع ناشئ

أوضحت الصحيفة أن هناك قطاعا آخر، يشكل محور اهتمام واسع وهو منصات شراء وبيع الذهب المصهور عبر الإنترنت، وفي الأيام الأولى للحرب، واجهت هذه الأعمال تحديات كبيرة من قبل البنك المركزي، ففي أواخر يونيو/حزيران 2025، تم إغلاق بوابات الدفع لعدد من المنصات الشهيرة للبيع الإلكتروني للذهب. 

وأشارت إلى أن هذا الإجراء المفاجئ، الذي تم دون إشعار مسبق، أدى فعليا إلى توقف العمليات الأساسية لهذه المنصات، بما في ذلك الإيداع والسحب من قبل المستخدمين، وحجز أصول العديد من المستثمرين في هذه المنصات.

وأفادت بأنه حتى الآن، لم يُعلن البنك المركزي رسميا عن الأسباب الرئيسية التي دفعته لفرض القيود على منصات الذهب الإلكترونية، ومع ذلك، فإن أقرب التفسيرات الممكنة هي مكافحة المضاربة والتبييض المالي والتحكم في سوق الذهب والعملات، وهي المبررات نفسها التي يعتمدها مسؤولو البنك المركزي عادة في الظروف الحرجة، وتشبه إلى حد كبيرٍ النهج المتبع مع منصات العملات الرقمية.

وذكرت أنه في ظل التوقعات بأن تُعاد فتح بوابات المنصات مع بدء وقف إطلاق النار واستئناف عمل سوق رأس المال، قامت الجهة المعنية فجأة بوضع خمسة شروط لهذه المنصات:

أولا: يجب أن تمتلك المنصات احتياطيا كاملا وفوريا لجميع الذهب المباع لديها في بنك كارغشاي، وأن تقوم بتحويله إلى سبائك معيارية خلال ثلاثة أشهر.

ثانيا: يجب أن تكون المحفظة الإلكترونية للمنصات متصلة بحساب بنكي محدد لضمان وجود علاقة مباشرة بين أرصدة المستخدمين والحساب البنكي للمنصة

ثالثا: يجب تسجيل جميع المعاملات في نظام تسجيل المعاملات الخاص بالنظام الشامل للتجارة.

رابعا: يجب تسوية حسابات المستخدمين الراغبين في بيع ممتلكاتهم خلال مدة أقصاها 48 ساعة عمل.

خامسا: يجب على المنصات الحصول على موافقات أمنية من شرطة الفتا (مكافحة الجرائم الالكترونية).

وأظهرت أن هذه ليست المرة الأولى التي يضع فيها البنك المركزي مثل هذه القواعد للمنصات الذهبية، ووفقا للقانون، الجهة المسؤولة رسميا عن متابعة شؤون منصات الذهب هي الاتحاد الوطني للأعمال الالكترونية، لكن بتفسير أحادي الجانب للقانون وطرح مواضيع مثل الأمن القومي، يمارس البنك المركزي أيضا نفوذا وسلطة في هذا المجال.

وأبرزت أن العاملين في سوق الذهب الإلكتروني يرون أن النهج الذي اتبعه البنك المركزي تسبب في أضرار كبيرة لأعمال هذا القطاع، إذ حصلت شركات الذهب المصهور على التراخيص اللازمة من الجهات الرقابية والأمنية والاتحادات المتخصصة، وقدموا تقارير أداء شفافة بشكل مستمر، ومع ذلك لم تمنع أي من هذه الأمور تدخلات جهات مثل البنك المركزي.

وأبلغت أنه وحتى الآن، ولأسباب لم تُعلن بشكل كامل، لم يتم تحديد إطار قانوني واضح ومنظم لنشاط منصات الذهب الإلكترونية، ومنذ انتخابات هيئة رئاسة الاتحاد الوطني للأعمال الالكترونية في فبراير/شباط 2024، كان الهدف الأول للاتحاد وضع ضوابط لأنشطة منصات الذهب الإلكترونية، مع وعد بإصدارها واعتمادها خلال 50 يوما، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

وبيَّنت أن غياب جهة تنظيمية موحدة يؤدي إلى زيادة الجهات صاحبة القرار مثل البنك المركزي، وظهور إجراءات عشوائية وفجائية، مما يجعل بيئة العمل في منصات الذهب الإلكترونية غير آمنة، ومن الواضح أن أحد الأبعاد العملية لهذا الوضع هو تعرض آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة في سلسلة الإمداد الصناعي الناشئ للخطر، وفي النهاية تضر ثقة الجمهور.

البورصة اختبار للاستقلال

روت الصحيفة أن الأحداث الأخيرة حول دخول الشركات الناشئة لسوق رأس المال تشير إلى تدخلات فوق المؤسساتية تهدد استقلال الهيئة المنظمة، والحفاظ على ثقة الجمهور يعتمد على شفافية البورصة ودفاعها عن صلاحياتها القانونية ومنع استخدام السوق لإقصاء رواد الأعمال، واختبار شركات مثل ديوار وديجي‌كالا وتبسي ليس فقط حول هذه الشركات، بل حول مستقبل السوق، والملكية الخاصة، ودور القانون في الاقتصاد الإيراني، وفشل المنظم يعني تهديدا لفكرة الاقتصاد المبني على الابتكار.

فرصة للبناء أم عقبة في الطريق؟

نقلت الصحيفة عن علي سمساريلار قوله إن سوق رأس المال في الاقتصادات المتقدمة أصبح منصة للنمو والابتكار، حيث تستفيد الشركات الناشئة من البورصات لتوسيع أعمالها كما حدث مع أمازون وغوغل وتسلا ومايكروسوفت، وحضور الشركات الناشئة في البورصات أصبح ضرورة استراتيجية، ففي 2024 مثلت الشركات المدعومة بالاستثمار الجريء نحو 44٪ من الطروحات الأولية في أمريكا. 

وأوضحت أن الاتجاه نفسه موجود في الشرق الأوسط، حيث دمجت بورصات دبي وأبوظبي واسطنبول شركات ناشئة تركز على التكنولوجيا والعملاء.

وأضافت أنه في إيران، تواجه الشركات الناشئة مثل ديجي‌كالا، وديوار، وتبسي تحديات كبيرة لدخول البورصة بسبب تعارض منطق الابتكار مع آليات السوق التقليدية، ما يشكل تحذيرا لرواد الأعمال الذين يسعون للنمو داخل إيران.

وتابعت أن سمساريلار صرَّح بأن إحدى أبرز العقبات أمام دخول الشركات الناشئة إلى البورصة الإيرانية هو تقييم الأصول غير الملموسة مثل التكنولوجيا والفريق والعلامة التجارية والبيانات، لافتا إلى أن آليات السوق الحالية غير مجهزة لذلك، ما قد يؤدي إلى تقليل القيمة الفعلية للشركات ودفع النخب والمستثمرين لمغادرة بيئة الابتكار.

وأكد أن استبعاد أو إضعاف مؤسسي الشركات بحجة المتطلبات القانونية يقلل من دافع الشباب للبقاء والبناء، ويضيع فرصة تعميق سوق رأس المال، وزيادة الشفافية، وربط الاقتصاد التقليدي بالرقمي. 

وأشار إلى أن القرارات المتعلقة بشركات مثل ديوار، وديجي‌كالا ليست فنية فقط، بل استراتيجية لمستقبل الاقتصاد الوطني، والطريق الصحيح هو تمكين رواد الأعمال بدل استبعادهم.

واختتم بالتنويه إلى ضرورة إعادة النظر في آليات القبول والتقييم لتصبح واضحة، وعادلة، وقابلة للتنبؤ، بما يحافظ على ثقة المستثمرين ورواد الأعمال، وإلا فإن صمت الجيل المبدع سيكون له آثار طويلة المدى على الاقتصاد الإيراني.

أهمية الحفاظ على استقلال البورصة

أوردت الصحيفة على لسان الخبير والناشط في مجال البورصة، فردين أقابزركي، قوله إن مسؤولية تقييم أهلية الشركات الناشئة لدخول البورصة تقع على لجان القبول والهيئات القانونية، لكن في بعض الأحيان تُتخذ قرارات خارج نطاق التخصص تحت مسمى المصلحة العامة، ما يضر بالشفافية وأداء السوق، وهذه التدخلات، أحيانا لأسباب أمنية أو خارجية، تقوض النظام البيئي التكنولوجي وتثبط المستثمرين وتقلل دوافع الابتكار. 

وفي الختام أقرَّت الصحيفة بأن التجارب العالمية تظهر أن الشركات الناشئة والتكنولوجية ضرورية للنمو الاقتصادي، وتجاهلها يعكس ضعف السياسات، لذا يجب على البورصة الحفاظ على استقلالها المهني، والالتزام بالمعايير الفنية والمالية والشفافية، باعتبارها السبيل لحماية الثقة وكفاءة السوق.