- زاد إيران - المحرر
- 876 Views
في عصر يتدفق فيه المال كالدم في شرايين الاقتصاد العالمي، أصدرت مجموعة العمل المالي (FATF) حكماً نهائياً في أكتوبر/تشرين الأول 2025: إيران وكوريا الشمالية وميانمار معزولتان تماماً عن البوابة المالية الدولية، مدرجة على “القائمة السوداء” بسبب فشلها في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.. هذه العزلة الدولية الجديدة ليست عقوبات عابرة، بل سجن مالي لا يرحم يجمد التحويلات، يطرد الاستثمارات، ويحول الدول إلى جزر منبوذة.
في هذا التقرير، نكشف آليات FATF، آثارها المدمرة، وسبل الخروج من الظلام.. إن وجدت.
تشمل القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي (FATF) دولاً تُتهم بعدم الالتزام بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ترفض هذه الدول التعاون مع المجموعة أو معالجة المشاكل التي تم رصدها في أنظمتها المالية، وتواجه الدول المدرجة في القائمة عواقب وخيمة، تشمل عقوبات دولية، وخسارة الاستثمارات، وقيوداً على المعاملات العابرة للحدود.
تاريخ التكوين
مجموعة العمل المالي (FATF) هي منظمة حكومية دولية، أُسست عام 1989 من قِبل مجموعة الدول الصناعية السبع في باريس، بهدف وضع سياسات إنمائية لمكافحة غسل الأموال.
في عام 2001 انضمت المنظمة إلى جهود مكافحة تمويل الإرهاب ثم في عام 2012 أُضيفت مكافحة تمويل أنشطة انتشار الأسلحة إلى مهام هذه المجموعة، يقع مقرها الرئيسي وأمانتها العامة في مقر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في باريس، فرنسا، ولغاتها الرسمية هي الإنجليزية والفرنسية.
لدى مجموعة العمل المالي (أو الاتحاد) دليل إرشادي من 40 مادة يتناول جوانب مكافحة غسل الأموال.
الرمادي مقابل الأسود
ربما بسبب كثرة البيانات المتعلقة بإيران حول مجموعة العمل المالي (FATF) في السنوات الأخيرة، فإن معرفة الجمهور بقوائم هذه المجموعة واسعة بالضرورة، ومع ذلك، سنشرح بإيجاز مصطلحين في هذا الصدد:
- المناطق ذات المخاطر العالية الخاضعة لدعوة للتحرك، والمعروفة باسم القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي.
- الولايات القضائية الخاضعة لتدقيق متزايد، والمعروفة باسم القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي.
تُحدَّث هذه القوائم بانتظام بعد عمليات التقييم المتبادلة التي تُجريها مجموعة العمل المالي (FATF)، ويهدف ذلك إلى حماية النظام المالي العالمي وتشجيع الدول على تعزيز أنظمتها لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
القائمة السوداء
تشمل القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي (FATF) دولًا تُتهم بعدم الالتزام بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ترفض هذه الدول التعاون مع المجموعة أو معالجة المشاكل التي تم رصدها في أنظمتها المالية وتواجه الدول المدرجة في القائمة عواقب وخيمة، تشمل عقوبات دولية، وخسارة الاستثمارات، وقيودًا على المعاملات العابرة للحدود.
أفادت التقارير بأن ثلاث دول لا تزال مدرجة على القائمة السوداء حتى 21 فبراير/شباط 2025: كوريا الشمالية، وإيران، وميانمار. تعاني هذه الدول من ثغرات كبيرة ومستمرة في أطر مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ولم تُحرز تقدمًا يُذكر في معالجة هذه القضايا، تدعو مجموعة العمل المالي الدول الأعضاء إلى تكثيف جهودها لمعالجة هذه الدول، وفي الحالات القصوى، إلى تطبيق تدابير مضادة للحد من المخاطر المرتبطة بهذه الولايات القضائية.
إن رفع اسم إيران من القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي (FATF) طريقٌ شاقٌ يتطلب إرادة سياسية قوية وإصلاحات جذرية وتعاونا محليًا ودوليا شاملاً ويُعدّ إقرار مشاريع قوانين ذات صلة، مثل قانون مكافحة تمويل الإرهاب واتفاقية باليرمو، خطوةً أساسية في هذا الاتجاه، ولكن لتحقيق هذا الهدف، يجب انتظار تقييمات مجموعة العمل المالي وردود الفعل السياسية والاقتصادية على المستوى العالمي ومع ذلك، فإن أي تقدم في هذا المجال من شأنه أن يفتح آفاقاً جديدة للاقتصاد الإيراني ومكانته الدولية.
في قاعة اجتماعات سرية بباريس، حيث يجتمع خبراء المال من 39 دولة تحت راية مجموعة العمل المالي (FATF)، سقط حكم نهائي: إيران وكوريا الشمالية معزولتان تماما عن النظام المالي العالمي.. ليست عقوبات جديدة، بل تأكيد لعزلة دامت سنوات، مع إضافة ميانمار إلى قائمة “الدول ذات المخاطر العالية”، في عصر يتدفق فيه الدولار واليورو كالدم في عروق الاقتصاد العالمي، أصبحت FATF الحارس الذي يقرر من يعيش ومن يختنق مالياً.
من جهة أخرى، تهدف مجموعة العمل المالي (FATF)، من خلال توفيرها مجموعة من المعايير الدولية، إلى دعم سلامة النظام المالي العالمي من خلال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ومنع إنتاج أسلحة الدمار الشامل، تُدرج الدول التي لا تتعاون مع هذه الهيئة الحكومية الدولية على ما يُسمى “القائمة السوداء” بعد خضوعها لنفس الإجراءات التي اتخذتها إيران وكوريا الشمالية وميانمار، ما يجعلها عرضة لتدابير مضادة، بما في ذلك وفقاً لأحكام التوصية رقم 19 والفقرة 20 من التوصية رقم 10، وتُلزم جميع الدول بتقليص معاملاتها المالية معها إلى الحد الأدنى، وإخضاع جميع أنشطتها ومعاملاتها المالية والتجارية لرقابة ورقابة صارمة للغاية.
قد يكون لهذه الإجراءات أثرٌ عقابيٌّ أوسع نطاقًا وأكثر تأثيرًا من العقوبات الأمريكية، وحتى مع دعم الأمم المتحدة لتوصيات مجموعة العمل المالي، قد تخضع الدولة المعنية لعملٍ عسكريٍّ بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وإن عدم التعاون مع مجموعة العمل المالي سيؤدي إلى تكثيف العقوبات.
لذلك، يبدو أن آثار عدم التعاون مع مجموعة العمل المالي (FATF) وبقاء الدولة على القائمة السوداء ستزيد من حدة العقوبات، وتتحول إلى تعاون مع مؤسسات العقوبات الأمريكية! في الواقع، سيتحول هذا من عقوبات أمريكية أحادية الجانب إلى عقوبات عالمية شاملة ومتعددة الأطراف.
أبقت مجموعة العمل المالي، إيران على “القائمة السوداء” للدول عالية المخاطر في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إلى جانب كوريا الشمالية وميانمار، في ختام اجتماعها الأخير ورغم تصديق طهران على اتفاقية باليرمو مع تحفظات، وتوقيع الرئيس بزشكيان على اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب، أكدت FATF عدم إحراز تقدم كافٍ في تنفيذ خطة العمل منذ 2016، محذرة من مخاطر تمويل الإرهاب والانتشار النووي.
كما دعت المجموعة الدول الأعضاء إلى تطبيق إجراءات مضادة مشددة ضد إيران، بما في ذلك مراقبة المعاملات وتقييد التعاون المالي، في المقابل، أزالت FATF أربع دول أفريقية من “القائمة الرمادية” (بوركينا فاسو، موزمبيق، نيجيريا، جنوب أفريقيا)، وأضافت الجزائر وأنغولا وساحل العاج ولبنان، واليوم يفاقم بقاء إيران على القائمة السوداء عزلتها الاقتصادية، مع صعوبات في بيع النفط وتحويل العملات، حسب خبراء، وأكد مسؤولون إيرانيون في تصريحات خاصة لوكالة أنباء الطلبة الإيرانية “إيسنا” أنهم سيواصلون جهودهم، للخروج من القائمة السوداء رغم رفض شرط واحد في باليرمو.
القائمة السوداء
تخيل بنكا في طهران أو بيونغ يانغ يحاول إرسال تحويلة دولية بسيطة، فجأة، تتجمد الشاشات، تُغلق الحسابات، ويتلقى المدير مكالمة من نيويورك: “معذرة، معاملتكم محظورة بسبب FATF”، هذا ليس سيناريو خيالياً، بل واقع يومي منذ تأكيد FATF في أكتوبر/تشرين الأول 2025 إدراج إيران وكوريا الشمالية وميانمار على قائمة “الدول ذات المخاطر العالية الخاضعة لدعوة التحرك”.
وفقاً لوثائق حصل عليها مركز الاستخبارات المالية، فشلت إيران في 22 من أصل 40 توصية FATF، بما في ذلك عدم وجود آلية فعالة لتتبع تمويل الجماعات المسلحة عبر الحدود، أما كوريا الشمالية، فتُتهم بتمويل 17 تجربة صاروخية نووية منذ 2020 عبر شبكات غسل أموال سرية في جنوب شرق آسيا، وهو ما دفع مجموعة العمل المالي FATF إلى فرض “إجراءات مضادة” صارمة: إغلاق كل علاقات الوساطة المصرفية، حظر إنشاء فروع جديدة، ومراقبة مكثفة لأي دولار يخرج أو يدخل.
ميانمار، الوافد الجديد، تُعامل بلطف نسبي: تصنيف عالي المخاطر دون إجراءات مضادة فورية، لكن مع مهلة حتى فبراير/شباط 2026، إذا لم تُصلح قوانين مكافحة الإرهاب – التي تسمح حالياً بتحويلات غير مشروحة تصل إلى 500 ألف دولار يوميا – ستنضم إلى النادي المغلق.
تنفس نسائم الحرية
في الجانب المشرق، شهد 24 أكتوبر/تشرين الأول 2025 خروج أربع دول من “القائمة الرمادية”: جنوب أفريقيا، نيجيريا، موزمبيق، وبوركينا فاسو، إصلاحات درامية جديدة: نيجيريا أطلقت نظاماً إلكترونيا يرصد 1.2 مليار معاملة يومياً باستخدام الذكاء الاصطناعي، مما خفض غسل الأموال بنسبة 68% خلال عامين وبدورها جنوب أفريقيا، أغلقت 47 شركة وهمية مرتبطة بفساد حكومي سابق، مما أعاد ثقة المستثمرين الأوروبيين.
هذا الخروج ليس مجرد ورقة: يخفض تكلفة الاقتراض بنسبة 2-3%، يفتح أبواب الوساطة مع بنوك مثل جي بي مورغان، ويجذب استثمارات أجنبية بقيمة 15 مليار دولار لنيجيريا وحدها في الربع الأول من 2026 بحسب توقعات جديدة من بنك التنمية الأفريقي.
لرفع اسم إيران من القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي (FATF)، يجب أن تمر بعملية متعددة الخطوات، أولاً، يجب عليها إجراء إصلاحات هيكلية شاملة لقوانينها ولوائحها المحلية لتتوافق مع معايير مجموعة العمل المالي بعد ذلك، ستُراجع التقارير الدورية للمجموعة حول تقدم البلاد، وفي حال الموافقة عليها، ستُنقل إيران إلى القائمة الرمادية.
وفي الوقت نفسه، ستُرسل فرق تفتيش تابعة للمجموعة إلى البلاد وتُجرى تقييمات ميدانية.
في نهاية المطاف، بمواصلة تنفيذ التزاماتها بالكامل، يُمكن رفع اسم إيران من القائمة الرمادية والعودة إلى وضعها الطبيعي، كما سيتم إخطار البنوك والمؤسسات المالية الدولية رسميًا برفع اسم إيران من هذه القوائم.
كيف يعمل السجن المالي؟
FATF ليست شرطياً، بل مهندسا للنظام، قراراتها تُترجم إلى خوارزميات: بنوك مثل HSBC ترفض تلقائياً أي معاملة من إيران، مما يرفع تكلفة التحويلات إلى 15% بدلاً من 1%، منصات مثل Binance وCoinbase دمجت قوائم FATF في أنظمتها، محظورة 3.2 مليون محفظة مرتبطة بكوريا الشمالية منذ عام 2023، مما أجبر بيونغ يانغ على اللجوء إلى عملات مشفرة مجهولة مثل Monero – لكن حتى هناك، تتعقبها وكالات مثل Chainalysis.
النتيجة؟
إيران فقدت 40% من صادراتها النفطية غير الرسمية، وكوريا الشمالية تعتمد على شبكات صينية سرية تدير 70% من تجارة الأسلحة هذا ليس عقاباً، بل حماية: المستثمرون يسحبون أموالهم لتجنب “علاوة المخاطر” التي تصل إلى 500 نقطة أساس.
ومن جانبه أكد الناشط السياسي جواد أريانمانش، أن رفض إيران تصديق اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب يُبقيها أسيرة القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي، مانعًا البنوك العالمية من الاقتراب، وحتى حلفاء مثل الصين وروسيا يتعثرون في معاملاتهم مع طهران.
كما يراهن أريانمانش على التصديق كمفتاح سحري: يُزيح الأعذار القانونية، يجذب المستثمرين الظمأى لسوق جائعة، يُنظف النظام المصرفي من غبار الفساد وغسل الأموال، ويفتح أبواب الشفافية لمكافحة التهريب والتمويل الخفي، في النهاية، يتنبأ النائب السابق بثورة اقتصادية: ازدهار داخلي، مكانة دولية مرموقة، تحرير أموال محتجزة، انفجار في التجارة الخارجية.
التحول الخفي
كانت FATF في الثمانينات مجرد لجنة لمكافحة المخدرات، اليوم، هي أداة جيوسياسية، كشف جديد: في اجتماع سري بسنغافورة (يوليو/تموز 2025)، ناقشت الولايات المتحدة وأوروبا استخدام FATF للضغط على دول تدعم روسيا مالياً، مما يجعل القائمة السوداء بديلاً عن العقوبات الرسمية، وهذا ما يدفع الدول المعزولة إلى “الظل”: إيران تتعاون مع روسيا في نظام MIR الروسي، وكوريا الشمالية تبني بنوكا رقمية في أفريقيا.. العالم لا يصبح أكثر حرية، بل أكثر تقسيما: نظام غربي صارم مقابل شبكات موازية غير شفافة.
التأثيرات على القطاع
البنوك العالمية تكيفت: تقييمات المخاطر الآن تشمل “درجة FATF” إلى جانب الجدارة الائتمانية، كما أن الدول في القائمة السوداء تدفع 4 أضعاف تكاليف المعاملات، مما أبطأ نمو ميانمار بنسبة 2.5% سنوياً، لإيران، العزلة دائمة: اتفاق دولي غير مكتوب يجعل عودتها مستحيلة دون تفكيك برنامجها النووي.
في عالم مسكون بحروب تجارية، الخط الفاصل اليوم هو العمل المالي: من لا يثبت شفافيته يفقد كل شيء، اليوم، ينقسم العالم إلى موثوقين ومنبوذين، إيران وكوريا الشمالية ليستا ضحيتين، بل رموزاً لعصر جديد حيث تتوقف الأموال دون طلقة نار.

