بين خطاب التهدئة عند بزشكيان ودعوات التشدد عند غضنفري… أين يتجه جدل الحجاب في إيران؟

236748

كتب: الترجمان

شهدت إيران خلال الأيام الأخيرة تصاعدا لافتا في النقاشات المرتبطة بالحجاب وأسلوب الحياة والروابط الأسرية، وذلك بعد تزامن خطابين بارزين؛ الأول للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال أعمال الدورة الثانية لمؤتمر “الأسرة والمستقبل والروابط المستدامة” في بطهران، والثاني للنائب البرلماني كامران غضنفري الذي دعا إلى تصوير النساء المخالفات للحجاب من أجل التعرف عليهن، معتبرا أن ظاهرة “عدم الالتزام” تجاوزت حدودها ووصلت إلى “التعري”.

ورغم أنّ المناسبة التي جمعت رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان – بحضور العديد من الشخصيات المختصة – كانت مكرسة لتعزيز دور الأسرة وتمتين الروابط الاجتماعية، فإن اختيار بزشكيان لقاموس هادئ ومتصالح استهدف نزع فتيل التوتر المجتمعي، جاء في مقابل خطاب غضنفري المتشدد، بما يعكس تباينا داخليا داخل مؤسسات الحكم تجاه كيفية التعامل مع القضايا الحساسة المرتبطة بالحجاب والمرأة وأسلوب الحياة.

اللافت أن هذا التناقض لم يمر بصمت؛ فقد وجد صداه على مواقع التواصل الاجتماعي وفي النقاشات العامة، ليعيد إلى الواجهة سؤالا أساسيا: إلى أين تتجه الدولة الإيرانية في سياساتها الاجتماعية بعد عامين على احتجاجات 2022؟

بزشكيان: لا يمكن إصلاح المجتمع بالتهديد

في خطاب مطوّل اتخذ طابعا فكريا واجتماعيا، شدّد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على أنّ أسلوب الحياة لا يمكن تغييره بقرارات فوقية أو أوامر ونواهٍ، داعيًا إلى مقاربة تقوم على التربية والتعليم والإقناع بدل “التخويف” و”الفرض القسري”.

وقال الرئيس إن المجتمع بطبيعته يعيش التنوع في الأذواق والانتماءات، وإن الفهم المتوازن لهذا الواقع يشكل شرطًا أساسيًا لنجاح أي سياسة اجتماعية. واعتبر أن الأسرة والمدرسة والحيّ هي روافع التربية الأساسية، وليس الأجهزة الأمنية أو الإجراءات العقابية.

وأشار بزشكيان في أكثر من موضع إلى ضرورة إصلاح النظام التعليمي، مؤكدًا أن تعلم مهارات حلّ المشكلات والقدرة على الصمود أمام التحديات هما الأساس في بناء مجتمع متماسك. وقال:
“لا يمكن تغيير المجتمع بالتهديد والأمر والنهي. فالقرآن والأحاديث تشدد على أن من يخطو خطوة لإصلاح المجتمع، يجب عليه أن يبدأ بإصلاح نفسه.”

واعتبر رئيس الجمهورية أن الصدق هو “الشرط الأول” لقيام روابط أسرية واجتماعية قوية، مشددًا على أن العلاقات القائمة على المظاهر أو الضغط الاجتماعي ليست قادرة على الصمود. في المقابل، تُصبح الروابط المستندة إلى القيم الروحية والإيمانية – كما يقول – “متينة لا تهزها الأزمات”.

كما تطرّق الرئيس إلى التغيرات التي طرأت على أسلوب الحياة في بعض الأسر، معتبرا أن الماضي كان “أبسط” وأن الروابط بين الزوجين كانت “أكثر صلابة”، غير أنه شدّد على رفض “إظهار الجسد والتعري” بوصفهما سلوكين يتعارضان مع “مكانة المرأة الرفيعة”.

ورغم هذا، فقد حرص بزشكيان على لغة متوازنة، مؤكدا أنه في تعزيز الحجاب والعفاف ينبغي الابتعاد عن المساس بـ”رأس المال الاجتماعي” للمجتمع، في إشارة واضحة إلى رفض الإجراءات التي تثير التوتر أو تؤدي إلى صدامات اجتماعية كما حدث في السنوات الماضية.

Image

قاليباف: العدالة الجندرية بديلا عن المساواة الغربية

من جانبه، تناول رئيس البرلمان الإيراني محمدباقر قاليباف دور المرأة في المجتمع الإيراني من زاوية مرتبطة بالنظام السياسي، معتبرا أن الثورة الإسلامية نجحت – بحسب وصفه – في تقديم نموذج “مانح” للمرأة مكّنها من الظهور كقوة فاعلة في السياسة والاقتصاد والثقافة والرياضة.

وانتقد قاليباف مفهوم المساواة الجندرية في الغرب، معتبرا أنه أضعف مؤسسة الأسرة. وأكد أن المقاربة الإيرانية تتجه نحو “العدالة الجندرية”، أي توفير أدوار مختلفة متكاملة للمرأة والرجل دون إلغاء الخصوصية أو الهوية.

كما شدّد على ضرورة استخدام أدوات الحوكمة لكبح “الاحتياجات المصطنعة” القادمة من أسلوب الحياة الغربي، معتبراً أن “الأسرة هي بطلة ميدان المواجهة الثقافية”.

Image

غضنفري: تصوير غير الملتزمات بالحجاب ضرورة شرعية!

في المقابل، أثار النائب كامران غضنفري موجة واسعة من الجدل بعد أن دعا إلى التقاط صور للنساء غير الملتزمات بالحجاب بغرض تسجيل المخالفات والتعرف على صاحباتها.

وقال غضنفري إنّ “الكثير من النساء لا يعرفن أن عدم الحجاب مخالف للشرع”، وإن دوريات الإرشاد عبر الرسائل النصية حققت “أكثر من 90% نجاح”، واصفا الوضع في بعض المدن بأنه “تجاوز مرحلة عدم الالتزام ووصل إلى التعري”.

تزامن توقيت تصريحات غضنفري مع المؤتمر الذي شارك فيه بزشكيان، ليظهر تناقضا واضحا بين خطابين: الأول إصلاحيّ هادئ يحاول امتصاص التوتر، والثاني يصبّ في اتجاه تشديد الرقابة وتوسيع الإجراءات العقابية.

Image

ردود فعل الشارع: “صوّروا الفاسدين لا النساء”

أحدثت تصريحات غضنفري موجة غضب شديدة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر كثير من الإيرانيين أن دعوته “تدخّل فاضح في الحياة الخاصة” و”عمل غير شرعي ولا قانوني”.

قال أحد المعلقين ساخرًا: “إذا كان النائب يريد التصوير، فليبدأ بمنزله أولاً.” فيما كتب آخر: “صوّروا المختلسين وناهبي المال العام… بدل تصوير النساء.”

كما انتقد مستخدمون فشل المؤسسات الرسمية في مواجهة ارتفاع الأسعار وتلوث الهواء وتدهور جودة الحياة، معتبرين أن التركيز على الحجاب محاولة لصرف الانتباه عن الأزمات الحقيقية.

ووصلت بعض التعليقات إلى مستوى التعبير عن الإنهاك الاجتماعي:
“لقد تعبنا” و”متى تنتهون؟”

وتساءل البعض عن سبب عدم استخدام الكاميرات للقبض على المجرمين كما تُستخدم ضد النساء، مؤكدين أن المجتمع الإيراني متنوع وأن من غير المحجبات شاركن أيضا في الدفاع عن البلاد خلال الأزمات.

عودة القضايا الاجتماعية إلى صدارة المشهد

يشير مراقبون إلى أن عودة الحديث عن الحجاب وأسلوب الحياة تأتي في سياق مجموعة من الأحداث، منها “مسيرة الحجاب الفاطمي” في طهران، والصورة المثيرة للجدل للشهيدة نيلوفر قلعه‌ وند التي استشهدت خلال الهجوم الإسرائيلي الأخير على إيران، والتي رأى فيها المتشددون “مخالفة للضوابط”.

كما جاء نشر تصريحات بزشكيان في صحيفة “كيهان” ليضيف بعدا آخر للنقاش، حيث حاولت الصحيفة – الأصولية – توظيف خطابه لإثبات ضرورة مواجهة ما تصفه بـ”خرق القيم”. لكن قراءة هادئة لخطاب الرئيس تكشف أنه كان يحذر من إجراءات تضرّ برأس المال الاجتماعي أكثر مما كان يدعو إلى تشديدها.

Image

بين خطّين: هل تتجه إيران إلى تهدئة أم إلى مزيد من التشدد؟

يكشف التباين بين تصريحات بزشكيان وغضنفري عن انقسام أعمق داخل الدولة الإيرانية حول المقاربة الأنسب لملف الحجاب والقضايا الثقافية.
فبينما يسعى الرئيس إلى تخفيف التوتر الاجتماعي واعتماد لغة تستقطب الشرائح المختلفة وتعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، يصرّ التيار المتشدد على توسيع أدوات الرقابة والضغط الاجتماعي.

ويبدو أن الحكومة تتخذ – حتى الآن – موقعا وسطا، تحاول من خلاله تجنب التصعيد، لكنها في الوقت نفسه تحافظ على بعض رمزية القوانين المرتبطة بالحجاب، وهو ما يعرّضها لانتقادات من الطرفين: المتشددون الذين يرونها متساهلة، والشارع الذي يرى أنها لم تغيّر شيئًا جذريًا.

يكشف المشهد الإيراني الراهن عن صراع بين خيارين، خيار التهدئة والإصلاح الاجتماعي التدريجي الذي يدعو إليه بزشكيان، ويعتمد على التعليم والقدوة وتحسين البيئة الاجتماعية، وخيار التشدد والرقابة الصارمة الذي يجسده غضنفري والتيار المتشدد، والذي يحمّل الحجاب مسؤولية مركزية في حفظ هوية المجتمع.

وبين هذين الخيارين، يقف المجتمع الإيراني في مفترق طرق، فيما تبقى القضايا الأساسية – من الاقتصاد إلى جودة الحياة – رهينة هذا الجدل الممتد، وسط شعور واسع بالإرهاق الاجتماعي وبحاجة ملحّة إلى معالجة جذور الأزمات بدل إعادة إنتاجها.