- زاد إيران - المحرر
- 499 Views
مع اتساع الجدل السياسي والإعلامي حول تداعيات تظاهرات يناير/ كانون الثاني ٢٠٢٦، تحول خطاب الرئاسة الإيرانية إلى محور نقاش داخلي محتدم. فالمواقف الصادرة عن الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، لم تقرأ فقط بوصفها تعبيرا عن رؤية رسمية للأحداث، بل كإشارة إلى كيفية إدارة الدولة لواحدة من أكثر المحطات حساسية في الفترة الأخيرة. وبين التصعيد والتهدئة، بدا أن ثمة إعادة تموضع تستحق التوقف عندها.
فقد شهدت الأيام الأخيرة تحولا ملحوظا في نبرة خطاب بزشكيان تجاه التيار الإصلاحي، لا سيما فيما يتعلق بأحداث 8 و9 يناير/ كانون الثاني 2026 فبعد موقف حاد اتسم بالرفض القاطع لما وصفه بالتصريحات المرضية للعدو الصادرة عن القيادي الإصلاحي علي شكوري راد، عاد الرئيس ليعتمد خطابا أكثر هدوء وانفتاح، داعيا إلى التحقيق العلمي في جذور الأحداث، ومؤكدا ضرورة النقد الذاتي قبل تحميل الآخرين المسؤولية. هذا التحول لم يمر من دون جدل، إذ اعتبرته بعض الأوساط الأصولية تراجعا غير مبرر، فيما رأى فيه آخرون محاولة لاحتواء الانقسام المجتمعي وإعادة ترميم الثقة العامة.
خطاب بزشكيان الأخير… من المواجهة إلى الدعوة للتشخيص العلمي
فخلال كلمته التي ألقها في ختام الدورة السادسة عشرة لمهرجان فارابي الدولي، قدم الرئيس الإيراني رؤية بدت أكثر تركيبا وتعقيدا تجاه التظاهرات التي شملت عددا كبير من المدن الإيرانية، حيث وصف بزشكيان بأن ما جرى خلالها كان حادثا مريرا وغير قابل للتصور، متسائلا “لماذا وصلنا إلى هذا الحد؟ ولماذا ينخدع بعض الشباب ويقدمون على أعمال لا تخطر على البال؟”، هذه الأسئلة، وإن لم تحمل إدانة صريحة للسلطات، عكست، حسب قراءات، اعترافا بوجود خلل يتجاوز مجرد مؤامرة خارجية أو تحريض عدائي، وهي الرواية التي تبنتها الدولة مسبقا.

كذلك شدد بزشكيان على أن معالجة ما حدث لا تكون بالإنكار أو حذف المسألة من النقاش العام، بل “عبر العلة والتشخيص وكتابة وصفة علمية على حد تعبيره”، مؤكدا أن الطبيب لا يستطيع وصف العلاج ما لم يعرف موضع الألم بدقة، وأن الدولة مطالبة بجمع البيانات، والاستماع إلى الآراء، والتشاور مع المختصين، قبل صياغة حلول تنفيذية، في خطاب بدا قريبا من اللغة الإصلاحية التي ظهرت خلال الاحتجاجات وطالبت الحكومة بالشفافية والاستماع إلى مطالب الشعب.
وفي معرض حديثه عن تصريحات علي شكوري راد، البرلماني الإصلاحي السابق والذي اتهم الدولة بتحميل كل ما حدث لجهات خارجية، فلم يكرر بزشكيان لهجته السابقة التي تضمنت تحديا صريحا وإحالة الأمر إلى حد القول “إن أثبت كلامه فليشنقونا” والتي جاءت خلال خطاب في زياته لمحافظة جلستان، بل اكتفى بالقول إن ما طرح إذا كان صحيحا فهو كارثة، مؤكدا أنه طلب متابعة الموضوع والتحقيق فيه.
كما ركز بزشكيان على ضرورة النقد الذاتي قبل نقد الآخرين، معتبرا أن الاكتفاء بمحاسبة من أخطأ في نهاية المسار لا يكفي، وأن المسؤولية تشمل أيضا من صمم وأدار وأشرف. هذا الطرح، وإن جاء في إطار عام، فقد أعيدت قراءته في سياق اعتراف ضمني بوجود قصور في بنية إدارة الأزمة، لا مجرد انحراف فردي أو سلوك تخريبي معزول.

ومن أبرز ما ورد في خطابه إشارته إلى أن ذهنية المجتمع أصابها جرح، وأن عدم معالجة هذا الجرح قد يؤدي إلى نتائج أخطر، داعيا الجامعات وأساتذة العلوم الإنسانية إلى الاضطلاع بدور فاعل في تحليل الظاهرة واقتراح حلول، في إشارة إلى أن المعالجة يجب أن تكون معرفية ومؤسسية لا فقط قضائية أو أمنية.
هذا التحول في الخطاب، وإن لم يعني تبنيا كاملا للرواية الإصلاحية حول الأحداث، لكنه يكشف عن تقاطع جزئي معها، خصوصا فيما يتعلق بضرورة الشفافية، وحق المجتمع في معرفة ما جرى، وأهمية الحوار الداخلي، الأمر الذي دفع بعض المراقبين إلى اعتبار أن بزشكيان يسعى إلى إعادة تموضع سياسي، يوازن بين ضغوط التيار المحافظ ومتطلبات احتواء الشارع.
كيهان تهاجم… لا تتراجع عن قول الحق
على أن خطاب بزشكيان لم يمر من دون رد فعل حاد من صحيفة كيهان الأصولية، التي رأت في تراجعه النسبي عن لهجته الأولى إشارة مقلقة. ففي تقريرها الإثنين 16 فبراير/ شباط 2026، دعت الصحيفة الرئيس إلى عدم التراجع عما اعتبرته كلمة حق قالها في مواجهة تصريحات مرضية لإسرائيل ومفرِحة للأعداء.
كما ذكرت الصحيفة بموقف بزشكيان خلال زيارته لمحافظة جلستان، حيث اعتبر أن الادعاء بأن الدولة نفسها تحرق الأسواق والمساجد وسيارات الإسعاف من أجل إدارة المجتمع كلام يتمناه العدو، وأنه غير عقلاني، جديرا بالذكر أن قد أشادت كيهان آنذاك بما وصفته بالموقف الغيور والمنبثق من التزام إسلامي وثوري، معتبرة أن الرئيس عبر عن رؤية منسجمة مع مبادئ الثورة، في مواجهة بعض من يدّعون الإصلاح.

غير أن الصحيفة رأت في خطابه اللاحق خلال مهرجان فارابي تراجعا أو انعطافة، معتبرة أن إعادة صياغة موقفه بصيغة أكثر هدوءا قد تفتح الباب أمام تطبيع تصريحات وصفتها بأنها خطيرة وغير قابلة للإثبات، وحذرت من أن الضغوط الإعلامية من التيار الإصلاحي لا ينبغي أن تدفع الرئيس إلى التخفيف من حدة موقفه.
التقرير ذهب أبعد من ذلك، فربط بين ما حدث في ملف شكوري راد وبين سحب الحكومة سابقا مشروع قانون مواجهة المحتوى غير الحقيقي في الفضاء الافتراضي الذي سبب جدلا في الداخل الإيراني، ورأت كيهان أن ثمة نمطا متكررا من التراجع تحت ضغط الإعلام الإصلاحي، معتبرة أن ذلك يبعث برسالة ضعف، ويشجع على مزيد من التصعيد.

كما أكدت الصحيفة أن مواجهة ما وصفته بالأخبار الكاذبة والادعاءات ليست تضييقا على حرية التعبير، بل حماية للأمن النفسي للمجتمع. ومن هذا المنطلق، رأت أن تليين الخطاب تجاه من يطرحون روايات تشكك في أداء المؤسسات الأمنية قد يفهم على أنه قبول ضمني بها، أو على الأقل عدم حسم واضح ضدها.
ورغم أن كيهان لم تتهم الرئيس مباشرة بتبني خطاب الإصلاحيين، فإن تقريرها حمل تحذيرا صريحا من الانزلاق نحو مواقف قد تفسر على أنها تقارب مع سرديات تعتبرها الصحيفة مضادة للثورة، وفي الوقت ذاته، حافظت على خطاب داعم للرئيس في حال ثباته على موقفه الأول، ما يعكس رغبة في إبقائه ضمن الإطار المحافظ العام.
الدولة بين الحداد والحقوق… إدارة تبعات الأزمة
إلى جانب الجدل الخطابي، فقد برز سلوك الدولة تجاه ضحايا التظاهرات والموقوفين فيها بوصفه مؤشرا عمليا على طبيعة المقاربة الرسمية للأزمة، حيث أعلنت الحكومة عن تنظيم مراسم الأربعين لضحايا الأحداث، في خطوة اعتبرها البعض اعترافا بطابع الحداد الوطني، ومحاولة لاحتواء الغضب المجتمعي.
المراسم التي تقرر إقامتها في مصلى طهران ومرقد الإمام رضا إلى جانب فعاليات في محافظات أخرى، حملت دلالة سياسية، إذ أكدت أن الحكومة ترى نفسها شريكة في الحزن، وليست جهة منفصلة عنه، فيما اعتبر بعض المحللين الإصلاحيين هذه الخطوة امتدادا لنهج المصالحة المجتمعية، فيما شدد آخرون على ضرورة التفريق بين فئات الضحايا.

في هذا السياق، كانت فكرة الفرز قد طرحت، بحيث يتم الانتقاء بين من سقطوا أثناء أداء مهام أمنية، ومن كانوا مواطنين عاديين، ومن تورطوا في أعمال تخريبية. ورغم اختلاف المقاربات، فإن الرسالة الأساسية كانت أن الدولة تسعى إلى إدارة الحداد بشكل منظم، وتحت سقف يحفظ هيبة المؤسسات، ويمنع في الوقت ذاته انفلات المشاعر.
أما فيما يتعلق بالموقوفين، فقد برزت مطالبات قانونية بضرورة ضمان حقوقهم كاملة، استنادا إلى الدستور وقانون أصول المحاكمات الجنائية، حيث أكد قضاة سابقون ومحامون أن حق الدفاع، والوصول إلى المحامي، وعرض التهمة خلال ٢٤ ساعة، ومنع التعذيب أو الإكراه، هي حقوق لا يجوز المساس بها، مهما كان توصيف التهمة.

هذا الخطاب القانوني، الذي وجد صداه في بعض التصريحات الرسمية، يعكس إدراكا بأن طريقة التعامل مع الموقوفين ستؤثر مباشرة في صورة الدولة داخليا وخارجيا، فالتأكيد على احترام الإجراءات القانونية لا يعني بالضرورة التهاون، بل يشير إلى محاولة الحفاظ على شرعية المسار القضائي. كما أن توجيه الرئيس بمتابعة أوضاع بعض الفئات، ومنهم فنانون موقوفون، أوحى بأن السلطة التنفيذية تحاول إرسال إشارات تهدئة، والتأكيد على أن المعالجة ليست انتقامية، بل مؤطره بالقانون، هذا يتقاطع مع خطابه الداعي إلى معالجة الجروح بدل تعميقها.
في المحصلة، يبدو أن تراجع حدة خطاب بزشكيان لا يمكن فصله عن مقاربة أشمل لإدارة تداعيات تظاهرات يناير / شباط ٢٠٢٦، فهو من جهة يواجه ضغوطا من التيار الأصولي لعدم التنازل، ومن جهة أخرى يدرك أن استمرار التصلب قد يفاقم الاحتقان، وبين هذين الاعتبارين، يحاول الرئيس صياغة خطاب مزدوج من خلاله يحافظ على ثوابت النظام، ويستوعب في الوقت نفسه بعض مطالب الإصلاحيين المتعلقة بالشفافية والنقد الذاتي.

على أن السؤال بصمود هذا التوازن أمام الاستقطاب المتصاعد، أو تحوله إلى اصطفاف أوضح مع أحد الطرفين، يبقى مفتوحا. لكن المؤكد أن خطاب بزشكيان الأخير شكل محطة مفصلية في مسار تعاطي الدولة مع التظاهرات، وكشف عن تعقيدات المشهد السياسي والاجتماعي في مرحلة دقيقة من تاريخ البلاد.

