- زاد إيران - المحرر
- 10 Views
كتب: الترجمان
في لحظة فارقة من تاريخ التحول الرقمي في إيران، احتضنت وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات اجتماعا لم يكن مجرد لقاء تنسيقي بين سلطتين، بل كان بمثابة “مكاشفة وطنية” حول مستقبل الفضاء الرقمي في البلاد. الاجتماع الذي جمع الوزير ” ستار هاشمي” وأعضاء اللجنة الثقافية بالبرلمان، وبمشاركة لافتة لمديري المنصات الوطنية الكبرى (بله، وإيتا، وسروش بلاس، وروبيكا)، جاء ليضع النقاط على الحروف في ملفات شائكة تراكمت خلال “حرب الأربعين يوماً”.
كانت الأجواء تشير إلى رغبة برلمانية حثيثة في فهم كيفية إدارة الأزمة الرقمية، ومدى قدرة البنية التحتية المحلية على تعويض غياب الشبكة الدولية، في ظل ضغوط أمنية وعسكرية غير مسبوقة وضعت السيادة التكنولوجية للبلاد على المحك.
تشريح الأداء تحت النيران: اختبار الصمود التقني
بدأت المداولات داخل الاجتماع بفتح ملف أداء وزارة الاتصالات والمنصات المحلية خلال فترة التوترات العسكرية الحادة. استعرض الوزير هاشمي تقارير فنية توضح كيف تحولت المنصات الوطنية إلى “ملجأ رقمي” وحيد للمواطنين مع فرض القيود على الإنترنت الدولي لدواعٍ أمنية.
وأوضح الوزير أن الوزارة تعاملت مع الموقف بعقلية “غرفة العمليات”، حيث تم توجيه كافة الموارد لدعم استقرار الشبكة الوطنية لضمان استمرارية الخدمات الحيوية، خاصة في قطاع التعليم عبر منصة “شاد” التي تخدم ملايين الطلاب.
ومن جانبهم، لم يكتفِ نواب اللجنة الثقافية بعبارات الثناء، بل وجهوا أسئلة نقدية حول تراجع جودة الخدمة في ذروة الضغط، مؤكدين أن الصمود في وقت الأزمة يجب أن يتبعه ارتقاء دائم بالمعايير الفنية لضمان عدم حدوث انهيارات تقنية في أي مواجهات مستقبلية، معتبرين أن “السيادة” لا تتحقق إلا بالاعتمادية الكاملة والجودة التنافسية.
سيكولوجية الثقة الرقمية: ما وراء حاجز الـ 100 مليون مستخدم
انتقل النقاش إلى محور مثير للجدل يتعلق بحجم الانتشار الذي حققته التطبيقات المحلية، حيث أعلن المتحدث باسم اللجنة الثقافية، أحمد راستينة، أن عدد المستخدمين تجاوز عتبة الـ 100 مليون.
هذا الرقم، رغم ضخامته، فتح بابا لتحليل معمق حول ماهية هذه الأرقام؛ هل هي تعبير عن “ثقة واعية” من الجمهور أم “اضطرار تقني” فرضته الظروف؟ النواب شددوا في حديثهم مع الوزير ومديري المنصات على أن الرهان الحقيقي ليس في جذب المستخدمين وقت الانقطاع، بل في “استدامة بقائهم” بعد عودة الأمور إلى طبيعتها.
وكان هناك إجماع على أن شرط هذه الاستدامة هو تحسين تجربة المستخدم وتقليل الفجوة التقنية مع التطبيقات العالمية، فضلاً عن ضرورة نقل كافة الخدمات الحكومية والمصرفية إلى هذه المنصات بشكل حصري، لتعزيز قيمتها المضافة وجعلها جزءا لا يتجزأ من النمط المعيشي للمواطن الإيراني، وليس مجرد بديل مؤقت للطوارئ.

الميزانية والتمويل: فاتورة السيادة الرقمية في ميزان البرلمان
لم يغب البعد الاقتصادي عن طاول الاجتماع، حيث طرح رئيس اللجنة الثقافية، مرتضى آقا طهراني، ملف التمويل والميزانية بجرأة. اعترف النواب بأن الطموحات الكبيرة في بناء شبكة وطنية قوية تصطدم بواقع التكاليف الباهظة لتحديث مراكز البيانات وشراء التجهيزات المتطورة في ظل العقوبات.
وقد طالب الاجتماع الوزير بتقديم خارطة طريق مالية واضحة للسنة القادمة، ليتمكن البرلمان من إقرار ميزانيات ضخمة تتناسب مع حجم التحديات. الوزير هاشمي أكد من جانبه أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية لم يعد ترفا، بل هو جوهر “خطة التنمية السابعة” التي تلزم الوزارة بتطوير الشبكة الوطنية وفق المادة 65.
وانتهى هذا المحور بتعهد برلماني بدعم الوزارة ماليا، مقابل التزام المنصات المحلية بتقديم تقارير دورية تبرر أوجه الصرف وتظهر تحسناً ملموساً في كم ونوع الخدمات المقدمة للجمهور.

الشبكة الوطنية والإنترنت العالمي: رؤية “هجينة” للمستقبل
في واحدة من أهم فقرات الاجتماع، سعى الوزير هاشمي لرسم ملامح السياسة الرقمية للدولة، موضحا للنواب أن “الشبكة الوطنية للمعلومات” ليست جدارا عازلا، بل هي حصن أمان. شرح الوزير أن الرؤية الحكومية تقوم على وجود نظام “هجين” يتيح الوصول للإنترنت العالمي مع وجود بدائل وطنية قوية قادرة على تلبية احتياجات الناس حال تعرض الشبكة الدولية لأي تهديد أو انقطاع.
هذا الطرح استدعى نقاشا حول ضرورة مراجعة “المخطط العام للشبكة الوطنية” ليتلاءم مع المستجدات التقنية العالمية. النواب أكدوا أنهم يدعمون قوة الإنترنت المحلي بحيث يكون “مجيبا على المشكلات الداخلية” بشكل مستقل، لكنهم أشاروا أيضاً إلى أن التواصل مع العالم يظل ضرورة اقتصادية وعلمية، مما يعكس توجهاً نحو موازنة دقيقة بين الأمن القومي والانفتاح الرقمي المدروس.
كشف المستور في ملف “الإنترنت برو”: مواجهة الاحتكار والفساد
تطرق الاجتماع بلهجة شديدة الصرامة إلى قضية “الإنترنت برو” أو ما بات يعرف شعبياً بالإنترنت الطبقي. واجه النواب الوزير بتقارير حول تحول هذه الخدمة، التي كانت مخصصة للأعمال الضرورية في وقت الحرب، إلى سلعة في السوق السوداء تباع بأسعار خيالية للبعض بينما يُحرم منها عامة الشعب.
الوزير هاشمي لم ينكر وجود ثغرات، وأكد للجنة الثقافية أن الوزارة، بالتنسيق مع المدعي العام، بدأت تحقيقات موسعة لملاحقة الجهات والشركات التي استغلت الظروف الأمنية للتربح غير المشروع.
وأوضح أن الحكومة ترفض تماما مبدأ “التمييز الرقمي“، وأن أي محاولة لتحويل الإنترنت إلى امتياز مالي هي “خيانة” للأهداف الوطنية. هذا الموقف الحازم من الوزير والبرلمان بعث برسالة طمأنة للشارع بأن الدولة لن تسمح بنشوء طبقة رقمية مستفيدة على حساب المصلحة العامة.

الحوكمة والرقابة: نحو ميثاق عمل جديد
خلص الاجتماع إلى ضرورة تفعيل أدوات رقابية أكثر حداثة، حيث تم الاتفاق على تعزيز دور “لجنة الفضاء الرقمی” البرلمانية لتكون شريكا في اتخاذ القرار وليس فقط مراقبا لاحقا. ناقش الحاضرون ضرورة استصدار قوانين تحمي بيانات المستخدمين على المنصات المحلية لتبديد أي هواجس تتعلق بالخصوصية، وهو ما اعتبره النواب حجر الزاوية في بناء الثقة المفقودة لدى بعض شرائح المجتمع.
كما تم التأكيد على أن التنسيق بين وزارة الاتصالات والجهات الأمنية يجب أن يمر عبر قنوات قانونية واضحة تضمن ألا تطغى الاعتبارات الأمنية على الحقوق الطبيعية للمواطنين في الوصول إلى المعلومة، إلا في حالات الضرورة القصوى التي يحددها القانون وبشكل مؤقت وغير دائم.
الانتقال إلى “الجهاد الأكبر”: خارطة طريق ما بعد الأزمة
في ختام الاجتماع، تم استحضار مفهوم “الجهاد الأكبر” الذي أطلقه مكتب الرئاسة، لوصف مرحلة إعادة الإعمار الرقمي. اتفق الوزير والنواب على أن هذه المرحلة تتطلب جهداً مضاعفا لتحديث البنية التحتية المتهالكة جراء الضغوط الأخيرة. تقرر تشكيل لجنة متابعة تجتمع بصفة دورية لمراقبة أداء المنصات المحلية وقياس مدى رضا الجمهور، مع وضع جداول زمنية لرفع القيود تدريجياً عن المواقع العالمية التي لا تتنافى مع القيم الوطنية.
الهدف النهائي، كما رسمه الاجتماع، هو الوصول إلى “إيران قوية رقميا” تمتلك منصات تنافس عالمياً، وتحتفظ بإنترنت دولي مستقر، وتدار بمنظومة قانونية تحمي الدولة والمواطن على حد سواء، منهيةً بذلك حالة “الانسداد الرقمي” التي فرضتها ظروف الحرب، ومنطلقة نحو أفق جديد من التنمية التكنولوجية الشاملة.
توافق الضرورة ورؤية المستقبل
يظل اجتماع وزارة الاتصالات مع اللجنة الثقافية للبرلمان علامة فارقة في كيفية إدارة الأزمات الكبرى. لقد أثبتت المداولات أن القادة في إيران يدركون تماما أن العصر الرقمي هو ساحة المعركة الحقيقية، وأن النجاح فيها لا يعتمد فقط على حجب المواقع أو فرض المنصات، بل على بناء نظام تقني متكامل يحظى بثقة المستخدم ويوفر له الجودة والعدالة.
إن التحول من منطق “الطوارئ الأمنية” إلى منطق “البناء الاستراتيجي” هو ما ميز هذا اللقاء، الذي وضع اللبنات الأولى لما يمكن تسميته “الميثاق الرقمي الجديد” للجمهورية، بانتظار ما ستسفر عنه الشهور القادمة من إجراءات عملية تترجم هذه الوعود إلى واقع ملموس يشعر به المواطن في سرعة اتصاله، وأمان بياناته، وعدالة وصوله إلى العالم الرقمي.

