- زاد إيران - المحرر
- 552 Views
في ظل استمرار التوتر بين طهران وواشنطن، وتزايد الحديث عن إمكانية استئناف المفاوضات النووية، أطلقت إيران سلسلة من المواقف الحاسمة التي تُبرز حجم الفجوة في الثقة بينها وبين الغرب، لا سيما الولايات المتحدة. تصريحات المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، كشفت عن رؤية واضحة للمرحلة المقبلة من الحوار، مؤكدةً أن طهران لا تزال متمسكة بالمسار الدبلوماسي، لكنها ترفض الدخول في مفاوضات عبثية أو بلا ضمانات.
نشرت صحيفة “آرمان ملي” الأربعاء 6 أغسطس/آب 2025، تقريرا حول هذا الموضوع، محللةً دلالات الموقف الإيراني تجاه مستقبل المفاوضات مع الولايات المتحدة والترويكا الأوروبية.
ذكرت الصحيفة أنه ربما لم يتوقع الغربيون أنفسهم أن تُبدي إيران ترحيبا سريعا بالحديث عن استئناف المفاوضات النووية مع بداية فصل الربيع، وأن تعود إلى طاولة الحوار بهذه السرعة، فقد خاضت طهران خمس جولات من المباحثات غير المباشرة مع الولايات المتحدة، بوساطة عمانية، أعقبتها لقاءات مع الأوروبيين.
وأضافت أن ما يلفت الانتباه هو أن إيران دخلت هذه المفاوضات بخطة واضحة وأهداف محددة، عكس واشنطن والعواصم الأوروبية التي بدت كأنها تسعى إلى التفاوض من أجل التفاوض لا أكثر.

وتابعت أنه كان من المقرر أن تعقد الجولة السادسة من المفاوضات يوم الأحد 15 يونيو/حزيران 2025 وتقدّم فيها إيران حزمة مقترحات جديدة، لولا أن الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على الأراضي الإيرانية يوم الجمعة 13 يونيو/حزيران 2025 نسف المسار التفاوضي بالكامل.
وأشارت إلى أن هذا التصعيد العسكري، وفق مراقبين، لم يكن سوى محاولة مكشوفة لإفشال مسار كان يمكن أن يُفضي إلى اتفاق، إذ إن التوصل إلى تفاهم مع طهران كان سيُقيّد يد إسرائيل والمتشددين في واشنطن، ويمنعهم من الاستمرار في نهجهم العدائي تجاه إيران.
وأوضحت أنه رغم أن بعض المراقبين يرون أن المفاوضات منذ بدايتها لم تكن سوى فخّ لشراء الوقت تمهيدا لهجوم على إيران، فإن انتهاء حرب الـ12 يوما بين إسرائيل وإيران، بدعم واضح من الولايات المتحدة وسائر القوى الغربية، لم يُسكت أصوات الغرب الداعية مجددا لاستئناف المحادثات مع طهران.
وأردفت الصحيفة أن واشنطن من جهتها تُبدي رغبة في استئناف المفاوضات غير المباشرة مع إيران، بينما تتحرك الترويكا الأوروبية (فرنسا، وألمانيا، وبريطانيا) في المسار ذاته على أمل التوصل إلى اتفاق، لكن حتى الآن، لم تُؤكد طهران أي حديث عن مفاوضات مع أي من هذه الأطراف، وأعلنت بوضوحٍ أن لا مفاوضات مدرجة على جدول أعمالها في الوقت الراهن.

وبينت أن هذا لا يعني أن إيران ترفض التفاوض من حيث المبدأ، إنما هناك تساؤلات أساسية ينبغي للطرف المقابل الإجابة عنها قبل الحديث عن أي حوار جديد:
ما الهدف الحقيقي من هذه المفاوضات؟
وإلى أي مدى يلتزم الطرف الآخر بمسار التفاوض والتوصل إلى اتفاق؟
ما الضمانات المتوفرة لتفادي تكرار سيناريو العدوان الذي رافق جولة الحرب الأخيرة؟
وما مدى قدرة كل طرف على التأثير الفعلي في نتائج المفاوضات ودفعها نحو اتفاق؟
وذكرت أن الإجابة عن هذه التساؤلات من شأنها أن تضيء مستقبل المفاوضات المحتملة بين إيران وكل من الولايات المتحدة والترويكا الأوروبية، بل ويتوجب، على الأقل، تحديد ما إذا كانت الدول الأوروبية تملك من التأثير والوزن السياسي ما يُمكّنها من دفع المحادثات نحو نتائج ملموسة، إذ يرى كثير من المراقبين أن رفض إيران التفاوض مع الأوروبيين ناجم عن قناعة بأنهم بلا تأثير فعلي، وأن التفاوض معهم مجرد مضيعة للوقت.
وانتقلت الصحيفة إلى ذكر ما صرح به وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في هذا السياق، بأن أي استئناف للمفاوضات مع الولايات المتحدة مرهون باعتراف واشنطن بمسؤوليتها عن دعم إسرائيل في الحرب الأخيرة، وتقديمها تعويضات عن الخسائر التي لحقت بإيران نتيجة لذلك.
وتابعت أن هذا يأتي في وقت تتردد فيه أنباء متفرقة عن إمكانية انطلاق جولة جديدة من المفاوضات في الأيام المقبلة، رغم حالة عدم الثقة الشديدة التي تبديها طهران تجاه الطرف الآخر. ما إذا كانت هذه المفاوضات ستُعقد بالفعل، وما إذا كانت ستحمل معها أملا حقيقيا بالتوصل إلى نتيجة، يبقى أمرا مفتوحا على تطورات المشهد بين طهران وواشنطن في الأيام القادمة.

طهران والوكالة الدولية: اختبار جديد لمسار التعاون النووي
ذكرت الصحيفة أنه بعد التوترات الأخيرة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتي أدت إلى طرد عدد من مفتشي الوكالة من الأراضي الإيرانية، تتحدث الأنباء الآن عن زيارة مرتقبة لهؤلاء المفتشين إلى طهران، في تطور قد يشير إلى محاولة استئناف التعاون الفني والدبلوماسي بين الجانبين.
وأضافت أنه ورغم الإجراءات التعويضية التي اتخذتها طهران في برنامجها النووي، أكدت السلطات الإيرانية مرارا أن مسار الدبلوماسية لا يزال مفتوحا، وتأتي هذه الزيارة المحتملة للمفتشين ضمن هذا الإطار، حيث تسعى إيران إلى الجمع بين إظهار الصلابة في مواقفها، والحفاظ على أدوات التفاوض على الطاولة.
وأشارت الصحيفة إلى أنه وبحسب بنود الاتفاق النووي (برجام) والقرار 2231 الصادر عن مجلس الأمن، تمتلك إيران حق تخصيب اليورانيوم ضمن مستويات محددة، إلا أن تجاوزها هذه السقوف ووصولها إلى نسبة 60%، مع امتلاك أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب، أثار قلق العواصم الغربية إزاء ما قد تحمله الخطوات المقبلة.
وأوضحت أنه مع ذلك، تؤكد طهران استعدادها لخفض مخزونها النووي إذا ما رُفعت العقوبات وتم تقديم ضمانات تنفيذية كافية، وفي هذا السياق، طُرحت مقترحات مثل “تشكيل تحالف تخصيب بمشاركة إيرانية” أو “إنشاء هيئة إقليمية للرقابة وبناء الثقة”، وهي أفكار طرحها دبلوماسيون بارزون أمثال وزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف ووزير الخارجية الحالي عباس عراقجي، ما يدل على وجود مسارات مطروحة للحل السياسي إذا ما وُجدت الإرادة الحقيقية لدى الأطراف الأخرى.
وأشارت إلى أن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، صرّح مؤخرا في مؤتمر صحفي، بأن “التخصيب داخل إيران حق لا يُمسّ بموجب معاهدة حظر الانتشار النووي، وأي مبادرة تضمن هذا الحق يمكن النظر فيها”.
وأردفت أنه تبقى الأنظار الآن متجهة إلى زيارة مفتشي الوكالة، وما إذا كانت ستُشكل نقطة تحوّل في العلاقة بين إيران والوكالة الدولية في المرحلة القادمة، أم أنها ستكون مجرد محطة عابرة في مسار معقد تتداخل فيه السياسة بالأمن والحقوق السيادية.

إيران: لا وجود لشيء اسمه “ثقة”
ذكرت “آرمان ملي” أنه في موقف يعكس عمق التوتر وانعدام الثقة بين طهران وواشنطن، صرّح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، بأن لا وجود لشيء اسمه “ثقة” في العلاقة مع الجانب الأمريكي، مؤكدا أن الطرف المقابل لم يكتفِ بإسقاط الثقة، بل حوّلها إلى حالة من “اللا ثقة السلبية والنشطة”.
وأشارت إلى قوله في تصريحات صحفية حول استعداد إيران لاستئناف المفاوضات النووية مع الولايات المتحدة: “لقد كنا في قلب عملية دبلوماسية حينما انقلب الطرف الآخر على قواعد الحوار، واستغل مسار المفاوضات كأداة تكتيكية لخدمة أهدافه العدوانية، وليس كوسيلة للتفاهم أو الحل”.
وأضافت أنه ورغم ذلك، أكد إسماعيل بقائي أن إيران لم تغادر طاولة الحوار قط، مشددا على تمسكها ببرنامجها النووي السلمي، ومشروعه المشروع والقانوني، الذي يخضع لرقابة دقيقة ومستمرة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وأوضحت أن بقائي صرح بأن المفاوضات لا تزال جارية مع الترويكا الأوروبية (فرنسا، وألمانيا، بريطانيا)، مشيرا إلى عقد جولة حديثة من هذه الحوارات في مدينة إسطنبول، وقال: “نحن لا نتهرب من التفاوض، ولا نخشى من الحوار، لكن في المقابل، نؤمن بضرورة أن تكون هذه المفاوضات مجدية، وألّا تتحول إلى أداة لإضاعة الوقت أو كسبه من طرف واحد”.
واختتمت الصحيفة بتشديده في ختام تصريحه على ضرورة أن تُبنى أي مفاوضات مقبلة على قاعدة “رابح-رابح”، حيث يخرج جميع الأطراف بمكاسب متوازنة من العملية التفاوضية، لا أن تُستخدم المفاوضات كغطاء لفرض الإملاءات أو تحقيق أهداف من طرف واحد فقط.

