- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 34 Views
كتب: الترجمان
بينما كانت طائرات الشحن الدبلوماسية تحط رحالها في عواصم المنطقة، كانت الأنظار تتجه صوب مدرج مطار مهر آباد في طهران، حيث حطت طائرة “عاصم منير”، قائد الجيش الباكستاني، في زيارة لم تكن مجرد بروتوكول عسكري، بل كانت إيذانا ببدء “ماراثون دبلوماسي” تقوده إسلام آباد لفك شفرات العلاقة المعقدة بين طهران وواشنطن. هذه الزيارة التي جاءت في توقيت بالغ الحساسية، تعكس دوراً باكستانياً يتجاوز الجغرافيا ليصبح “جسر الثقة” الأخير في منطقة تقف على حافة الانفجار.

استقبال بصبغة استراتيجية: عراقجي ومنير ورسائل “إكس”
لم يكن استقبال وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، لقائد الجيش الباكستاني عاصم منير استقبالا روتينيا؛ فقد عكس الحفاوة والتقدير الإيراني للدور الذي تلعبه باكستان. عباس عراقجي، الذي يُعد مهندس الدبلوماسية الإيرانية في مرحلتها الحالية، سارع لنشر رسالة عبر منصة “إكس”، وصف فيها استقبال منير بالحدث السعيد، مثمنا “الاستضافة السخية” لباكستان في الجولات السابقة.
هذا التقدير العلني يحمل في طياته اعترافا إيرانيا بأن باكستان، ومن خلفها مؤسستها العسكرية القوية، هي الطرف الوحيد القادر حاليا على لعب دور “الوسيط الموثوق” الذي يحظى بقبول في “الغرف المغلقة” بكل من طهران وواشنطن.
عراقجي أكد أن التزام البلدين بالأمن الإقليمي هو “التزام مشترك”، وهي إشارة واضحة إلى أن طهران تعول على ثقل إسلام آباد لتهدئة الأوضاع الإقليمية، خاصة في ظل التوترات البحرية والتهديدات العسكرية المتبادلة.

عاصم منير: “ممتص الصدمات” المفضل لدى ترامب
تكمن القوة الحقيقية لهذه الزيارة في شخصية عاصم منير نفسه. فالرجل لا يتحرك فقط كقائد لجيش دولة نووية، بل كشخصية تحظى بتقدير استثنائي في البيت الأبيض.
التقارير الواردة تشير إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يصف منير بـ “جنرالي المفضل”، وقد اجتمع به في مناسبات خاصة عدة، بما في ذلك مأدبة غداء في البيت الأبيض. هذا القرب الشخصي منح منير تفويضا ضمنيا لنقل رسائل لا تستطيع القنوات الدبلوماسية الرسمية حملها.
بالنسبة لترامب، فإن عاصم منير هو الشخص الذي يفهم “ديناميكيات القوة” في إيران أكثر من أي طرف آخر، وهذا الفهم هو ما دفع واشنطن لاستخدام إسلام آباد كقناة خلفية (Back-channel) لإيصال رسائلها.
منير، بذكائه العسكري وهدوئه الدبلوماسي، استطاع أن يبني جسورا مع “جي دي فانس”، نائب الرئيس الأمريكي، ومع كبار المسؤولين الأمنيين في طهران، مما جعله “المنسق الميداني” الوحيد القادر على تقريب وجهات النظر قبل أن تشتعل النيران.

تفاصيل “الرسالة الجديدة”: ما الذي تحمله حقيبة منير؟
تؤكد المصادر الموثوقة أن مهمة الوفد الباكستاني في طهران تجاوزت الأطر البروتوكولية لتتحول إلى وساطة عملياتية حاسمة، حيث يحمل عاصم منير في حقيبته ملفا تفصيليا يبلور رؤية واشنطن لتدشين جولة “مفاوضات إسلام آباد-2”.
وتتركز هذه الرؤية حول معالجة المعضلات التي أدت إلى تعثر المسارات السابقة، وفي مقدمتها الملف النووي عبر صياغة مقترحات فنية تحدد نسب تخصيب اليورانيوم وتضع نظاما صارما للرقابة الدولية، مقابل حزمة من إجراءات الرفع التدريجي للعقوبات الاقتصادية، في محاولة لإعادة بناء الثقة المفقودة بين الطرفين.
وفي سياق متصل، يسعى المقترح الأمريكي الذي نقله الوسيط الباكستاني إلى نزع فتيل الانفجار في الممرات المائية الحيوية، من خلال وضع قواعد اشتباك جديدة في مضيق هرمز تضمن حرية الملاحة الدولية وتمنع الاحتكاك المباشر بين القطع البحرية الأمريكية والإيرانية.
ولا تكتمل هذه المعادلة دون التطرق للمطلب الإيراني الجوهري المتمثل في “التعويضات المالية”، حيث يطرح الملف الباكستاني آليات قانونية ومالية لبحث تعويض الأضرار الناجمة عن النزاعات الإقليمية، وهو المسار الذي تصر طهران على جعله ركيزة أساسية لأي تسوية شاملة تهدف إلى إنهاء حالة الصراع الممتد.
في طهران، تم استقبال هذه الرسائل بـ “حذر استراتيجي“. فقد صرحت مصادر بأن الفريق الإيراني سيخضع هذه المقترحات لدراسة فنية وأمنية معمقة، مشددة على أن “تكرار نقض العهود” من الجانب الأمريكي هو العقبة الأكبر أمام إنجاح مهمة منير.

تكتل “الكواد” الإقليمي: جبهة موحدة لدعم الاستقرار
بينما كان منير في طهران، كان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف يقود حراكا موازيا في الرياض والدوحة وأنقرة. هذا التزامن يكشف عن وجود “خطة إقليمية” منسقة تحت مظلة ما بات يُعرف بـ “الكواد” (مصر، وباكستان، والسعودية، وتركيا). الهدف من هذا التكتل هو توفير “شبكة أمان” سياسية واقتصادية لأي اتفاق قادم بين إيران والولايات المتحدة.
اجتماع “الكواد” في إسلام آباد قبل ساعات من رحلة منير إلى طهران يرسل رسالة قوية: المنطقة لم تعد تحتمل المزيد من الفوضى، والقوى الكبرى في الشرق الأوسط مستعدة لدعم مسار الدبلوماسية بكل ثقلها.
هذا التوجه يتلاقى مع رغبة إماراتية ظهرت جليا في الاتصال الهاتفي بين رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، ونائب الرئيس الإماراتي منصور بن زايد، مما يشير إلى أن دول الخليج باتت ترى في التفاهم الإيراني-الأمريكي مصلحة استراتيجية لاستقرار أسواق الطاقة والتنمية الاقتصادية.
بين “الصفقة الكبرى” والواقعية الميدانية
على الجانب الآخر من المحيط، يروج “جي دي فانس” لما يسميه “الصفقة الكبرى” (Grand Bargain). ترامب يريد اتفاقاً شاملاً ينهي العداء المستمر منذ عقود، واعداً بدعوة إيران للاندماج في الاقتصاد العالمي وتحويلها إلى دولة “مزدهرة” مقابل تخليها الكامل عن الطموح النووي العسكري. هذا الطرح، رغم جاذبيته، يقابله تشكيك كبير في طهران التي ترى أن “شيطان التفاصيل” يكمن في التنفيذ.
المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، رد بوضوح على هذه الطروحات، مؤكداً أن برنامج إيران النووي سلمي بالأساس، وأن المطلوب ليس وعوداً براقة، بل خطوات ملموسة لرفع العقوبات واحترام السيادة. طهران ترفض منطق “الابتزاز الاقتصادي” وتؤكد أن أي مفاوضات يجب أن تنطلق من مبدأ المساواة والالتزام بالاتفاقيات الدولية السابقة.
دور “الضربة الوقائية” الدبلوماسية
يعمل عاصم منير في مهمته الحالية كـ “صمام أمان” لمنع وقوع مواجهة عسكرية شاملة. فالتواجد المكثف للقطع البحرية الأمريكية في مياه الخليج، والادعاءات بفرض “حصار بحري” على إيران، جعلت الأجواء مشحونة لدرجة أن أي خطأ بسيط قد يشعل فتيل الحرب.
هنا يأتي دور منير كـ “مهندس للتهدئة”، حيث يحاول إقناع الطرفين بأن تكلفة الحرب ستكون كارثية على الجميع، وأن “ماراثون التفاوض” مهما طال فهو أرخص بكثير من دقيقة واحدة من القتال.
التقارير تشير إلى أن منير نقل إلى طهران رسالة مفادها أن واشنطن مستعدة لـ “تمديد الهدنة” وتخفيف الضغوط البحرية إذا أظهرت إيران مرونة في ملفات معينة. وفي المقابل، نقل منير لواشنطن أن طهران لن تتفاوض تحت التهديد، وأن كرامتها الوطنية فوق أي اعتبار اقتصادي.
آفاق الحل: هل نحن أمام “كامب ديفيد” إقليمي؟
التكهنات الآن تشير إلى أن مهمة عاصم منير قد تكلل بعقد قمة تاريخية في إسلام آباد تجمع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب. مفسرون سياسيون يؤكدون أن “كل شيء بات جاهزا” على الصعيد الفني، وأن العقبة الوحيدة هي “الإرادة السياسية” وتجاوز الضغوط الداخلية في كلا البلدين.
الرغبة الأمريكية في “الخروج من مستنقع الشرق الأوسط” للتركيز على ملفات أخرى، والرغبة الإيرانية في كسر الحصار الاقتصادي، هما المحركان الأساسيان لهذه العملية. وإسلام آباد، بقيادة الجنرال منير، هي المختبر الذي تُجرى فيه الآن تجارب صياغة هذا “الاتفاق التاريخي”.

انتصار المنطق في عالم مضطرب
في نهاية المطاف، تظل زيارة عاصم منير إلى طهران علامة فارقة في تاريخ الدبلوماسية الإقليمية. إنها رحلة “البحث عن السلام” في حقل ألغام سياسي. إذا نجحت هذه المبادرة، فسيكون ذلك انتصاراً للمنطق والعقلانية على لغة الرصاص والدمار.
العالم ينتظر الآن نتائج “مباحثات الغرف المغلقة” في طهران، على أمل أن تخرج “الدخان الأبيض” من إسلام آباد، معلنة بداية عصر جديد من الاستقرار في المنطقة، حيث يتحول الصراع إلى تعاون، والتهديد إلى فرص للتنمية المشتركة. لقد وضع منير حجر الأساس، والبناء الآن يعتمد على مدى شجاعة القادة في طهران وواشنطن للسير في طريق السلام الوعر.

