سياسي إيراني بارز: المتشددون جرّوا إيران إلى الحرب.. ولاريجاني فرصة للإنقاذ

أثار تعيين علي لاريجاني أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي في إيران جدلا واسعا داخل الأوساط السياسية، لا سيما بين التيارات المتشددة، التي ترى أن في ذلك التعيين تهديدا لنفوذها.

أجرت صحيفة “هم ميهن“، الخميس 7 أغسطس/آب 2025، حوارا مع حشمت‌ الله فلاحت ‌بيشه، الرئيس الأسبق للجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، الذي رأى في هذا التعيين فرصة للعودة إلى المسار الدبلوماسي، وإنهاء حقبة التطرّف، وفتح آفاق جديدة للتعاون الإقليمي بعيدا عن دوائر التصعيد والصراع. وفي ما يلي نص الحوار:

ما تحليلكم لتعيين علي لاريجاني أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي؟

أعتقد أن علي لاريجاني جاء من أجل التفاوض، وسيرته السابقة تؤكد ذلك، ومع ذلك، أعتبر هذا القرار أحد الإجراءات المتأخرة التي كان ينبغي اتخاذها منذ وقت طويل.

 إيران، بعد انتهاء الحرب العراقية، ورغم الكمائن السياسية التي نُصبت لها، لم تنجرّ إلى أي حرب، لكننا مؤخرا شهدنا كسرا لهذه القاعدة، فعلى مدى شهرين، لم تقم الأمانة العامة للمجلس الأعلى للأمن القومي – وهي الجهة التقليدية المسؤولة عن الملف الإيراني – بأي تحرك دبلوماسي فعّال، ووجدنا أنفسنا أمام واقع الحرب، من وجهة نظري، كان بالإمكان تفادي هذا النزاع، واليوم يأتي علي لاريجاني ليحول دون اندلاع حرب مستقبلية.

هذا التعيين يحمل رسالتين، واحدة داخلية وأخرى خارجية، الرسالة الداخلية مفادها أننا نقترب من نهاية عصر التطرّف، رغم أن المتشددين أحرقوا الكثير في طريقهم، وهم اليوم، حين يغردون ضد التفاوض أو يروجون مواقف متطرفة عبر الإعلام الرسمي، فإنما يفعلون ذلك هربا من المساءلة. 

هؤلاء المتشددون، هم من صاغ السياسات المعادية للتنمية في السنة الأولى من وثيقة “الرؤية العشرينية”، وأكملوا مشروعهم في عامها الأخير بدفع البلاد نحو الحرب، برأيي، بدأ نفوذهم منذ عشرين عاما، حين ضحّوا بالتنمية لصالح التطرف، لتنتهي هذه المسيرة بإغراق البلاد في صراع مسلح.

علي لاريجاني قريب من تيار لطالما حذر من التطرّف، ويرى فيه سما قاتلا للداخل والخارج على حد سواء. الحرب الأخيرة أثبتت أن المتشددين أضاعوا ميزانية الدولة ووقتها وفرصها خلف وعود كاذبة لم تتحقق، ففي مختلف الملفات، كانوا يسيرون بالأمور نحو طريق مسدود، ولم يتمكن أي دبلوماسي من كسر هذا الجمود. 

ولعل أبرز ثلاث محطات تثبت أن المتشددين كانوا يدفعون البلاد نحو الحرب، هي: إفشال إحياء الاتفاق النووي في نهاية عهد حكومة الرئيس الأسبق حسن روحاني، ثم إفشاله مجددا في بداية عهد حكومة الراحل إبراهيم رئيسي، وأخيرا، الزج بإيران في حربين، واحدة في أوكرانيا وأخرى في الأراضي المحتلة بعد أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

كل هذه المسارات كان من الممكن تفاديها، لكن لأن المتشددين هيمنوا على مراكز القرار، وتم استبعاد العقلانية منها، تمكنوا من تنفيذ مخططهم بسهولة، ولو كانت العقلانية حاضرة في مختلف مفاصل الدولة، لكان من الممكن تجنيب البلاد الحرب لسنوات عديدة. لكن لأن صوتا آخر غير صوت التطرّف لم يكن مسموعا، فقد أصبح من الصعب على الدبلوماسيين التحرّك حين طُرحت مهلة الحرب، في هذا السياق، يمثل لاريجاني تيارا يحمل رؤية معتدلة في السياسة.

تعيينه، في رأيي، يبعث داخليا برسالة مفادها الإنصات إلى الشعب والابتعاد عن التطرّف، وخارجيا يوجه إشارة واضحة إلى الاستعداد للحوار مع الغرب.

أشرتم إلى قضية المتشددين، وبعد تعيين علي لاريجاني تصاعدت موجة الهجوم على خيار التفاوض من جانبهم، حيث عبّرت شخصيات بارزة منهم عن مواقف متشددة عبر الفضاء الإلكتروني.. كيف تفسرون ذلك؟

إن هذا الصراخ العالي الذي يصدر اليوم عن المتشددين ليس إلا محاولة للتهرّب من المساءلة، فالشعب الإيراني يطالب هؤلاء بمحاسبتهم على إهدار الفرص، وجرّ البلاد إلى أتون الحرب والعقوبات. 

يدرك المتشددون جيدا أنه إذا ما استعادت إيران هدوءها وخرجت من دوامة الحرب والفتن، فسيتعيّن عليهم حينها تقديم إجابات واضحة عن سلوكهم السياسي، لذا، يسعون إلى إبقاء البلاد في حالة اضطراب دائم كي لا يُطلب منهم الحساب.

لقد صنع هؤلاء لأنفسهم، منذ سنوات، منظومة مصالح خاصة بهم لا تمت بصلة للمصلحة الوطنية، وهي اليوم مهددة بالانهيار، ومن أجل الحفاظ عليها، لا يمانعون في إبقاء إيران عالقة في أجواء الحرب والفتنة، حتى لا يُفتح ملف محاسبتهم.

لطالما كان الفضاء الإعلامي في خدمتهم، وللأسف، كان الإعلام الرسمي من أبرز أدواتهم، حيث منع طرح أبسط الأسئلة أو النقاشات العقلانية. آمل أن تتمكن البلاد من تجاوز هذه الأزمات، وأن يُجبر هذا التيار على تحمّل مسؤوليته.

لقد شاهدنا مؤخرا آخر محاولاتهم اليائسة، في وقت كانت فيه إيران تسعى للخروج من العزلة العسكرية والاستراتيجية عبر تحسين علاقاتها مع الدول العربية، رأينا كيف خرجت تصريحات مستفزة من وسائل الإعلام الرسمية، بل وشهدنا سلوكيات غير لائقة حتى على أراضي المملكة العربية السعودية. هذه حقائق لا يمكن التغاضي عنها.

وبرأيي، ما ينبغي التركيز عليه اليوم قبل كل شيء هو أن تجد البلاد آلية جديدة وفاعلة لتجنّب الحرب، خاصة وأن المواقف الإيرانية والأمريكية بشأن أهمية المسار الدبلوماسي باتت، في بعض الأحيان، أقرب إلى بعضها من تقارب مواقف الولايات المتحدة مع إسرائيل نفسها.

هل يمكن التفاؤل بأن المجلس الأعلى للأمن القومي، بعد انضمام علي لاريجاني، سيتخذ مسارا مختلفا عن توجهات المتشددين، بحيث يسود الهدوء المشهد السياسي؟

برأيي، على كل من مسعود بزشكيان وعلي لاريجاني أن يُسهما بشكل مباشر في إنهاء حالة التطرّف، والحدّ من نفوذ “الموالين لروسيا” داخل مؤسسات الدولة، فإذا اتجهت المسارات نحو تغليب المصلحة الوطنية، فمن الممكن تجاوز الأزمات الحالية.

كيف ترون آفاق المرحلة المقبلة؟

لسنا في موقع اتخاذ القرار، لكنني أعتقد أنه إذا تمكّن علي لاريجاني من صياغة مشروع للأمن الإقليمي، يلتف حوله جميع دول المنطقة القلقة من أجواء الحرب، فإن بإمكانه عزل إسرائيل استراتيجيا، بمعنى آخر، يجب على أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي ووزارة الخارجية أن تعملا سويا على بلورة مبادرة أمنية شاملة، تتجاوز ثنائيات العداوة والصداقة التقليدية، وتؤسس لمرحلة جديدة من التعاون.

ينبغي وضع الخلافات التي غذّاها المتشددون في المنطقة جانبا، والتوصل إلى توافق جامع على أولوية الأمن والاستقرار، مثل هذا المشروع من شأنه أن يضمن أمن واستقرار إيران كجزء لا يتجزأ من أمن واستقرار المنطقة بأسرها.
وأنا على يقين بأن خطوة من هذا النوع ستُبعد حتى الولايات المتحدة عن نتنياهو وسياساته التصعيدية.