التحذير من نقص إنتاج الحبوب في إيران: وزارة الزراعة تواجه تساؤلات حول إدارة الأمن الغذائي

ترجمة: ساره شعبان المزين 

نشر موقع “تابناك” الإيراني، الأحد 28 سبتمبر/أيلول 2025 تقريرا ذكر فيه  أنّ وزارة الزراعة الأمريكية (USDA) أصدرت مؤخرا بيانات حول حالة إنتاج الحبوب في العالم. 

وأوضح الموقع أنّ إنتاج القمح في إيران خلال العام الزراعي 2025-2026 بلغ 13,500,000 طن، وبحسب تقديرات هذا الجهاز الحكومي الأمريكي، فقد انخفض إنتاج القمح في إيران خلال العام الزراعي 2025-2026 بمقدار 2,500,000 طن مقارنة بالعام الزراعي 2024-2025.

وأشار إلى أنّ استهلاك القمح في إيران خلال العام 2025-2026 يُقدّر بـ 16,950,000 طن، ما يعني وجود عجز في القمح يقدّر بـ 3,450,000 طن يجب تعويضه من خلال الاستيراد.

وأضاف الموقع أنّ عجز إنتاج الشعير في إيران خلال هذا العام بلغ 2,100,000 طن يجب تغطيته عبر الاستيراد، في حين كان هذا الرقم للعام الزراعي 2024-2025 2,300,000 طن، ما يعني أنّ هناك انخفاضا مقداره 100,000 طن في إنتاج الشعير خلال العام الزراعي 2025-2026.

بداية ارتفاع أسعار الخبز 

أفاد الموقع أنّ العجز الكبير في إنتاج القمح (3,450,000 طن) والشعير (2,100,000 طن)، إلى جانب اضطرار الحكومة لتغطية هذا العجز عبر استيراد واسع للحبوب، سيؤدي إلى خروج كميات كبيرة من العملة الصعبة من البلاد، ما يزيد من التعرض لتقلبات الأسعار العالمية ويعرض الأمن الغذائي للمخاطر.

وأوضح الموقع أنّ القمح يعد سلعة استراتيجية لإنتاج الخبز، وأنّ عجز الإنتاج يعد مقدمة لزيادة أسعار الطحين والخبز في السوق الحرة، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على معيشة المواطنين؛ كما أنّ عجز الشعير (الذي يستخدم بشكل رئيسي كعلف للمواشي والدواجن) يعني ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج الحيواني، مما يؤدي في النهاية إلى زيادة أسعار المنتجات البروتينية مثل اللحوم والدجاج والبيض.

وأضاف أنّ طرح موضوع نقص القمح والشعير يأتي في وقت أعلن فيه مؤخرا برويز جعفري، القائم بأعمال رئيس شركة دعم شؤون الثروة الحيوانية في البلاد، في حديث مع “تجارت نيوز”، أنّ المخزونات الاستراتيجية من المستلزمات قد تم شراؤها حتى بما يزيد عن الالتزام القانوني، وأنّ جزءا منها قد نُقل إلى المخازن وجزء آخر قيد النقل، مؤكدا عدم وجود أي مشكلة في تأمين هذه المستلزمات، ومشددا على ضمان عدم حدوث أي نقص في المستقبل.

وتابع الموقع أنّه في مثل هذه الظروف، قد يكون هناك حاجة لاستيراد عاجل لسد فجوة الإنتاج، وهو ما قد يساهم في معالجة عدم الاستقرار والتقلبات في سلاسل الإمداد والتوزيع الداخلية، على الرغم من احتمال لجوء وزارة الزراعة إلى استخدام جزء من المخزونات، وهو ما قد يقلل من قدرة الحكومة على المناورة في الظروف الطارئة.

إخفاق وزارة الزراعة أصبح علنيا

أفاد الموقع أنّه يبدو أنه في حال صحة إحصاءات وزارة الزراعة الأمريكية (USDA)، فإنّ وزارة الزراعة بصفتها الجهة الرقابية والمسؤولة الأساسية عن إنتاج وتنظيم سوق المنتجات الزراعية، قد أبدت تقصيرا رقابيا وداعما في جوانب مختلفة، إلى درجة أنّه أولا، ومع بدء العام الزراعي الجديد، تأخرت في دفع مستحقات المزارعين وعدم تحديد سعر الشراء الضمان للقمح وسائر المنتجات، الأمر الذي لم يقتصر أثره على فقدان المزارع للدافع فحسب، بل أدى أيضا إلى عدم امتلاكه رأس المال الكافي للزراعة، وفي النهاية تراجع مساحة الأراضي المزروعة بالقمح وغيرها من المنتجات بشكل ملحوظ.

وأضاف الموقع أنّ تجربة السنوات الماضية أظهرت أنّه إذا لم يكن سعر الشراء الضماني الذي تحدده لجنة التسعير، والتي تشارك وزارة الزراعة في عضويتها، متناسبا مع معدل التضخم وتكاليف الإنتاج، فإنّ المزارع يفضّل إما عدم بيع محصوله أو إنتاج كميات أقل.

وأشار إلى أنّ تصريحات وزير الزراعه، التي وردت مؤخرا بعنوان “توضيح الوزير حول المخزونات الاستراتيجية الغذائية: هل ستنفذ المخزونات خلال شهرين؟”، والتي أكد فيها الوزير بصراحة أنّ المخزونات كافية ولا يوجد ما يثير القلق، تتناقض مع الإحصائيات التي أعلنتها الجهات الدولية حول وجود نقص كبير، وهو ما يوحي بأن تصريحات نوري قزلجه اعتمدت على حساب المخزونات الاستراتيجية الموجودة، في حين أنّ إحصاءات النقص تعني وجود خلل في التوازن بين إنتاج العام الحالي واستهلاكه.

إخفاق في إدارة الميزان التجاري واحتياجات الاستيراد للبلاد

تابع الموقع أنّه بما أن مهمة تنظيم سوق الحبوب، ومنها القمح والشعير، تقع على عاتق وزارة الزراعة، فإن هذا العجز يعكس قبل كل شيء أنّ الميزان التجاري واحتياجات الاستيراد للبلاد لم يتم إدارتها بالشكل الصحيح. 

وأضاف أنّ نقص الشعير، الذي يُستخدم غالبا كعلف للمواشي، قد شكّل تحديا أمام المنتجين، وأدى إلى عدم تأمين احتياجات قطاعي الثروة الحيوانية والدواجن في الوقت المناسب بالكمية الكافية، مما أدى إلى انطلاق موجة زيادة أسعار مستلزمات الإنتاج وفي النهاية ارتفاع أسعار المنتجات البروتينية.

وأشار الموقع إلى أنّ إحصاءات عجز إنتاج الحبوب تمثل جرس إنذار خطير للأمن الغذائي للبلاد، وتضع أداء وزارة الزراعة في مجالات دعم الإنتاج، وتحديد الأسعار، وإدارة السوق بشفافية تحت سؤال جاد.

استراتيجية الحكومة الإيرانية لمواجهة التضخم من خلال دعم السلع الأساسية

وفي السياق نفسه نشرت صحيفة وطن امروز الإيرانية الأصولية، الأحد 28 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا ذكرت فيه أن مسألة تأمين السلع الأساسية في أي دولة ليست مجرد قضية اقتصادية فحسب، بل هي موضوع حيوي يرتبط بالأمن الوطني والاستقرار الاجتماعي وثقة الجمهور. 

وأوضحت الصحيفة أن أهمية هذا الموضوع بلغت حدّا أن المرشد الأعلى ،علي خامنئي في لقائه مع أعضاء الحكومة، أكد عليه بشكل مباشر وصريح، محذرا من أن أدنى تهاون في هذا المجال قد يترك آثارا واسعة على الحياة اليومية للمواطنين والاقتصاد الوطني ككل. 

وأشارت إلى أن المحور الرئيسي في خطاباته خلال هذا اللقاء ارتبط بمسألتين أساسيتين؛ أولاهما: تأمين السلع الأساسية في الوقت المناسب وبشكل كامل، وثانيهما: منع الزيادة المفرطة في أسعار هذه السلع. 

وأوضحت الصحيفة أن هذين الموضوعين يتطلبان عمليا وجود نظام منسق، وسياسات دقيقة، وآليات تنفيذ متكاملة قادرة على تحقيق آثار إيجابية على الصعيدين الكلي والجزئي. 

وتابعت  قائلة إن المرشد الأعلي، في لقائه برئيس الجمهورية وهيئة الوزراء منتصف شهر سبتمبر/أيلول 2025، عاود التأكيد على قضية معيشة الشعب، مشددا على أن يتم العمل في هذا المجال بحيث يتمكن الناس من الحصول على نحو عشرة أصناف من السلع الأساسية دون القلق بشأن ارتفاع الأسعار، وعدم أن تتضاعف الأسعار بين اليوم والغد. 

وأشارت الصحيفة إلى أن المرشد الأعلي اعتبر بطاقة السلع إحدى الطرق التي يمكن من خلالها ضمان وصول الناس إلى هذه السلع الأساسية بسهولة، مستندا إلى آراء بعض المطلعين على الشأن الاقتصادي.

كسر احتكار الاستيراد: خطوة نحو أمن غذائي وأسعار مستقرة

أفادت الصحيفة أن أحد النقاط التي حظيت باهتمام كبير في هذه التصريحات كانت الإشارة إلى احتكار واردات السلع الأساسية، وأن المرشد الأعلى اعتبر أن الاحتكار في هذا المجال يقيد يد الحكومة ويقلل من قدرتها على التفاوض. 

وأكدت أنه عندما تكون واردات سلعة استراتيجية مثل القمح أو الزيت أو مستلزمات الأعلاف تحت سيطرة عدد محدود من المستوردين، فإن المنافسة تختفي عمليا، ويصبح بإمكان هؤلاء المستوردين فرض شروطهم الخاصة، مما يضغط على السوق الداخلية. 

وبينت الصحيفة أن هذا الأمر لا يؤدي فقط إلى زيادة تكلفة العملات الأجنبية للمواد الأولية المستوردة نتيجة عدم تنوع مصادر الاستيراد، بل يرفع أيضا التكلفة النهائية للسلع للمستهلكين المحليين. 

وأكدت أن تنويع المستوردين وتوسيع مصادر الاستيراد ليس خيارا بل ضرورة لا مفر منها، وأن السلطات المختصة يجب أن يعملوا على إصلاح البنى التجارية وإلغاء الامتيازات الخاصة لتهيئة الظروف التي تخرج واردات السلع الأساسية من احتكار عدد قليل من الفاعلين، وتفتح المجال لدخول فاعلين جدد. 

وأشارت إلى أن هذا التنوع، إلى جانب تعزيز الأمن الغذائي وتقليل المخاطر الناتجة عن العقوبات أو الضغوط الخارجية، سيؤدي أيضا إلى خفض التكلفة النهائية للسلع.

استقرار الأسعار: طوق نجاة للأسر وسط تضخم مستمر

ذكرت الصحيفة أن المسألة الثانية التي تم التأكيد عليها في هذا اللقاء كانت تثبيت أسعار نحو عشرة سلع أساسية في البلاد، وأن هذه الفكرة في جوهرها تمثل ردا على المخاوف العامة بشأن تقلب الأسعار المستمر. 

وتابعت الصحيفة أنه في ظل حالة التضخم المزمن وعدم استقرار الأسواق، التي تجعل حياة فئات واسعة من المجتمع تواجه صعوبات جدية، يمكن أن يشكل تثبيت أسعار السلع الأساسية مثل الأرز والزيت واللحم والدجاج والبيض والحليب والسكر والخبز والأدوية وبعض الأصناف الأخرى، بمثابة درع حماية للمواطنين. 

وأوضحت أن هذه السياسة لا تساعد فقط على خلق طمأنينة نفسية في المجتمع، بل تمكّن الأسر أيضا من التخطيط المالي بثقة أكبر. 

وأكدت الصحيفة أنه يجب الأخذ في الاعتبار أن تثبيت الأسعار في الاقتصاد دون دعم من الإنتاج المحلي أو نظام دعم فعّال، قد يؤدي بسرعة إلى نقص في السلع، وظهور السوق السوداء، وزيادة الفساد لذلك يجب أن تُصمم أي خطة في هذا المجال وتُنفذ بدقة لضمان أن تكون آثارها الإيجابية على المجتمع ملموسة.

البطاقة الذكية لتأمين السلع

أفادت الصحيفة أن توسيع البنية التحتية لبطاقة السلع أثار نقاشا مهما، حيث أشارت إلى أن بطاقة السلع الإلكترونية تُعد نسخة مطوّرة من بطاقات الحصص التقليدية التي تم تجربتها في العقود الماضية، لكنها أصبحت اليوم قابلة للتنفيذ بكفاءة ووضوح أعلى بفضل تكنولوجيا المعلومات والبنية التحتية الرقمية. 

وأضافت أن هذا النظام يتيح للحكومة بدلا من التدخل المباشر في تحديد الأسعار أو تخصيص السلع، نقل الدعم بشكل مستهدف إلى المستهلكين، وأن الميزة الأساسية للبطاقة الإلكترونية مقارنة بالطرق التقليدية تكمن في إمكانية تتبع المعاملات، ومنع أعاده التهريب الغير قانوني، وضبط مستوى الاستهلاك بدقة أكبر. 

وتابعت الصحيفة أن تنفيذ هذا المشروع يمكن أن يسهم في تعزيز وضوح السوق وتقليل الفساد، وأن نجاح تنفيذ هذا المشروع يتطلب وجود بنية تحتية تقنية قوية، وقاعدة بيانات شاملة عن الأسر، وتنسيق بين مختلف الجهات التنفيذية. 

وأكدت الصحيفة أن تأمين السلع الأساسية في الوقت المناسب لا يقتصر على استيرادها أو إنتاجها، بل يعني إدارة سلسلة معقدة تبدأ من التنبؤ بالطلب، مرورا بإدارة الاحتياطات الاستراتيجية، والنقل، والتخزين، والتوزيع العادل بين المستهلكين. 

وأشارت إلى أن أي خلل في إحدى حلقات هذه السلسلة قد يعرقل النظام بأكمله، موضحة أنه حتى لو تم استيراد القمح في الوقت المناسب، فإن ضعف البنية التحتية للنقل الحديدية أو البري يمنع وصوله إلى مراكز الاستهلاك في الوقت المحدد، ما قد يؤدي إلى أزمة خبز. 

وأكدت الصحيفة أن الإدارة السليمة للاحتياطات الاستراتيجية للسلع أمر أساسي لتجنب النقص في أوقات الأزمات، مثل العقوبات أو اضطراب سلاسل التوريد العالمية، مشددة على أن من أولويات السياسات الاقتصادية تعزيز البنية التحتية اللوجستية والإدارية لضمان وصول السلع الأساسية إلى المواطنين في الوقت المناسب وبطريقة عادلة.

خطة شاملة لتأمين السلع الأساسية واستقرار الأسعار

أفادت الصحيفة أن من جهة أخرى، لا ينبغي تجاهل موضوع دعم الإنتاج المحلي، وأن تجارب الدول المختلفة تُظهر أن الاعتماد طويل الأمد على الاستيراد قد يزيد من هشاشة الدولة. 

وأضافت أن السياسة المتعلقة بالسلع الأساسية يجب أن تتضمن وجهين مكملين: الأول، تأمين الاحتياجات قصيرة الأمد من خلال واردات متنوعة وتنافسية، والثاني، تعزيز الإنتاج المحلي بحيث يقل الاعتماد على الاستيراد في المدى البعيد. 

وبينت الصحيفة أنه إذا تمكنت الحكومة من زيادة إنتاج القمح أو مستلزمات الأعلاف بدعم مستهدف للمزارعين، فإن البلاد ستكون أقل عرضة للصدمات الخارجية في السنوات المقبلة.

ونوهت الصحيفة إلى أن هناك بعدا اجتماعيا يجب أخذه في الاعتبار، مشيرة إلى أن ارتفاع أسعار السلع الأساسية يؤثر مباشرة على مستوى الثقة العامة بالحكومة. 

وتابعت أنه في مجتمع يذهب فيه الناس يوميا إلى الأسواق بقلق من ارتفاع الأسعار، يزداد شعورهم بعدم الاستقرار وانعدام الأمان الاقتصادي، مما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى اندلاع توترات اجتماعية، وأن سياسة تثبيت أسعار السلع الأساسية لا تقتصر آثارها على الاقتصاد فحسب، بل تُعد أيضا سياسة اجتماعية وأمنية في آن واحد.

وأضافت الصحيفة أن هناك تحديات محتملة في تنفيذ هذه السياسات، أولها تأمين الموارد المالية لدعم تثبيت الأسعار، موضحة أنه إذا رغبت الحكومة في الحفاظ على أسعار بعض السلع الأساسية ثابتة، سيكون عليها تعويض كلفة هذا الإجراء عبر منح دعم مباشر أو غير مباشر، وهو أمر قد يكون صعبا في ظل محدودية الموارد المالية. 

وأشارت إلى أن التحدي الثاني يتعلق بمسألة الفساد والاحتكار في توزيع السلع، لافتة إلى أن التجارب أثبتت أن عرض سلعة بأسعار ثابتة قد يزيد الرغبة في شرائها بما يتجاوز الحاجة الفعلية، مما يهيئ بيئة لظهور السوق السوداء، وأن التنفيذ الدقيق والذكي لبطاقة السلع الإلكترونية يمكن أن يكون حلا فعالا لمواجهة هذه الظاهرة.

وأوضحت الصحيفة أن التحدي الثالث يكمن في ضرورة التنسيق بين الجهات التنفيذية، حيث يجب أن تعمل وزارة الصناعة والتجارة، ووزارة الزراعة، والبنك المركزي، والجمارك، ومنظمة حماية المستهلكين، وحتى الهيئات الرقابية، بانسجام ضمن هذه السياسة، وإلا فإن النتيجة لن تكون سوى الفشل.

وأكدت الصحيفة أن كلمات المرشد الأعلى حول ضرورة تأمين السلع الأساسية في الوقت المناسب بكاملها ليست مجرد توصية، بل أمر عملي دقيق يجب أن تضعه الحكومة في صدارة أولوياتها. 

وأضافت أن من تنويع المستوردين ومصادر الاستيراد إلى تثبيت أسعار نحو عشرة سلع أساسية وتنفيذ بطاقة السلع الإلكترونية، يجب أن يتم ذلك ضمن حزمة سياسات شاملة، مشددة على أن هذه الإجراءات هي السبيل لضمان وصول السلع الأساسية بأسعار مناسبة ودون قلق إلى يد المواطنين، والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.

تعدد أسعار لحم الدواجن يهدد الأمن الغذائي

تابعت الصحيفة موضحة أن لحم الدواجن يُعد من السلع الأساسية في سلة المستهلك الإيراني، إذ يحتل منذ سنوات موقعا متقدما في قائمة السلع الضرورية للأسر، كونه يلعب دورا مهما في توفير البروتين، ولذلك كان دائما محورا لسياسات الدعم الحكومي. 

وأضافت أن تحديد سعر محدد، وتخصيص مستلزمات العلف المدعومة، وتنفيذ خطط رقابية، كلها إجراءات صُممت بهدف ضبط سعر لحم الدواجن وتمكين مختلف الفئات من الحصول عليه دون أعباء إضافية. 

وأوضحت الصحيفة أنه مع ذلك، فإن الواقع اليومي للمواطنين يختلف كثيرا عما هو مقرر على الورق، حيث يشتكي المستهلكون في المدن من الارتفاع المتكرر وعدم استقرار الأسعار، وهو ما يعود أساسا إلى تراجع القدرة الشرائية.

وأشارت الصحيفة إلى أن البيانات الرسمية من منظمة حماية المستهلكين والمنتجين تشير إلى أن السعر المفترض لكل كيلوغرام من لحم الدواجن للمستهلك يجب أن يكون نحو  25 دولارا، لكن المراجعات الميدانية في طهران وضواحيها أظهرت أن هذا المنتج يُعرض في بعض المحال بأسعار تصل إلى  35.2 دولارا، بفارق يزيد على 10.2 دولارا بين السعر المقرر وسعر السوق الفعلي، وهو ما يعكس عدم فعالية السياسات الرقابية ويشكل تهديدا للأمن الغذائي الفئات منخفضة الدخل.

تفاوت الأسعار في قلب العاصمة

ذكرت الصحيفة أن جولة في أحياء مختلفة من طهران أظهرت أن تفاوت الأسعار لا يتبع نمطا ثابتا، حيث توجد متاجر تقع على مسافات قصيرة من بعضها البعض تعرض لحم الدواجن بأسعار مختلفة في بعض الأحيان. 

وأضافت أن الأسعار في المناطق الجنوبية مثل دولت‌آباد، شهرري، وخزانة تتراوح عادة بين 33.3 و34.5 دولارا، بينما تصل في اسلامشهر إلى 35.2 دولارا. 

وتابعت الصحيفة أن من اللافت أن حتى الأحياء القريبة من مراكز التوزيع الكبرى تشهد فروقا واضحة في الأسعار، وهو ما يقلل من ثقة الجمهور في نظام تحديد الأسعار. 

وأوضحت أن دراسة السوق في المدن المحيطة بالعاصمة مثل ورامين، قرچك، وباكدشت كشفت أيضا عن اختلافات ملحوظة عن السعر الرسمي، وهو ما جعل العديد من المواطنين ينظرون إلى تصريحات المسؤولين حول استقرار الأسعار بتشكيك.

 تعدد أسعار لحم الدواجن

أوضحت الصحيفة أن هيكل سوق لحم الدواجن معقد، وهناك عوامل عدة تؤثر في تحديد أسعاره، وأن العامل الأول يتمثل في سلسلة التوريد غير المتوازنة، حيث يمر لحم الدواجن من مرحلة الإنتاج إلى المستهلك عبر مراحل متعددة تشمل تكاليف النقل والتخزين والوساطة، ما يؤدي في غياب الرقابة الفعالة إلى تحميل المستهلك تكاليف تفوق الواقع.

وأكدت الصحيفة أن العامل الثاني يكمن في سوق مستلزمات الأعلاف، حيث تواجه الذرة وفول الصويا، التي تشكل الغذاء الرئيسي لمزارع الدواجن، تقلبات سعرية حادة، وأن الحكومة تقدم دعما لتوفير هذه المستلزمات، لكن جزءا منها ينحرف عن القنوات الرسمية ويُباع في السوق الحرة بأسعار أعلى، ما يزيد من تكاليف الإنتاج ويرتد مباشرة على أسعار لحم الدواجن في الأسواق.

ونقلت الصحيفة عن أحد مربي الدواجن في يزد قوله: «جزء كبير من مستلزمات الأعلاف يذهب عمليا إلى الوسطاء، ونضطر لشرائها بأسعار تفوق بكثير الأسعار الرسمية، ما يجعل الإنتاج غير مجد اقتصاديا»، وأضاف أن استمرار هذا الوضع سيدفع العديد من المنتجين إلى التخلي عن الإنتاج.

وأشارت الصحيفة إلى أن أفشين دادرس، المدير التنفيذي لاتحاد الثروة الحيوانية، لفت إلى قصور منصة “بازاركاه” السوقية، مشيرا إلى أنها بدلا من أن تلغي الوساطة أصبحت بيئة لزيادة نشاط الوسطاء، وقال إن المنتجين يضطرون منذ البداية لشراء مستلزمات الأعلاف بأسعار غير رسمية.

وأكدت أن الربح غير المشروع في شبكة التوزيع له دور بارز أيضا، حيث يستغل بعض تجار التجزئة والجملة غياب الرقابة وضعف نظام الفوترة لتحديد الأسعار وفق الظروف المحلية، ما يحول السعر الرسمي إلى وثيقة بلا قيمة.

فشل أدوات الرقابة

أفادت الصحيفة بأنه رغم تحديد سعر رسمي، إلا أن السياسات الرقابية لم تتمكن من تحقيق الاستقرار المنشود، وأن الغرامات المقررة على المخالفين تُعتبر الأداة الرئيسية للمعالجة، لكنها في الواقع تشبه إجراء شكلي أكثر منها رادعا فعليا.

وأوضحت أن خلال الشهر الماضي تم تغريم 130 كشكا في أسواق الخضار بطهران بسبب المخالفات، إلا أن استمرار ظاهرة تعدد الأسعار يدل على أن هذه الغرامات لم تُحدث تأثيرا يذكر، وأن الأرباح الناتجة عن المخالفة تفوق بكثير تكلفة الغرامة، ما يجعل العديد من البائعين يعتبرون الغرامة جزءا من نفقات أعمالهم وليس عقوبة رادعة.

التبعات الاقتصادية والاجتماعية

أوضحت الصحيفة أن تعدد أسعار لحم الدواجن لا يمثل مجرد مشكلة في سوق المواد الغذائية، بل هو مؤشر على تحديات هيكلية في اقتصاد البلاد، وأن لهذه الظاهرة ثلاث تبعات رئيسية:

أولا – انخفاض الثقة العامة: عندما يرى الناس أن السعر الرسمي يظل على الورق بينما الواقع في السوق مختلف، فإنهم يصابون بالشك تجاه السياسات الاقتصادية.

ثانيا – زيادة الضغوط على الفئات الضعيفة: فالدواجن تشكل المصدر الرئيس للبروتين الحيواني بالنسبة للعديد من الأسر، وبالتالي فإن ارتفاع أسعارها يعني تقليص الاستهلاك وتقويض الصحة العامة.

ثالثا – فقدان القدرة على التخطيط: حين تكون أسعار السلع الأساسية غير قابلة للتنبؤ، تتعرض كل من الأسر والمنتجين لحالة من الارتباك في اتخاذ القرارات طويلة المدى.

الحلول المقترحة

أكدت الصحيفة أن معالجة مشكلة سوق لحم الدواجن لا يمكن أن تقتصر على الغرامات المؤقتة فقط، بل هناك عدة حلول رئيسية مقترحة في هذا المجال:

أولا – زيادة شفافية سلسلة التوريد: استخدام أنظمة ذكية لتتبع مسار لحم الدواجن من المزارع إلى المتاجر يمكن أن يحد من انحراف مستلزمات الإنتاج وتعدد الأسعار.

ثانيا – الرقابة الميدانية المستمرة: ضرورة وجود حضور نشط للجهات الرقابية في السوق بدل الاعتماد على عمليات التفتيش العرضية، مع تعزيز دور وزارة الزراعة في إدارة السوق بفعالية أكبر.

ثالثا – إصلاح نظام العقوبات: يجب أن تكون الغرامات متناسبة مع أرباح المخالفة لخلق رادع حقيقي.

رابعا – زيادة كفاءة الإنتاج: تقديم دعم عملي لمزارعي الدواجن لخفض تكاليف الإنتاج، ما يقلل الضغوط على سلسلة التوزيع.

واختتمت الصحيفة بأن سوق لحم الدواجن اليوم يعكس بوضوح التحديات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد الإيراني، حيث أصبح السعر الرسمي في الغالب رمزيا، مما يجبر المواطنين على دفع مبالغ تتجاوز إمكاناتهم المالية. 

وأكدت أن استمرار هذا الوضع يؤدي إلى تقليص قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها ويجعل من الضروري إعادة النظر في سياسات التوزيع وتحديد الأسعار، مشددة على أنه إذا كان الهدف الحقيقي من السياسات هو دعم المستهلك وضمان الأمن الغذائي، فلا بد من الابتعاد عن الإجراءات المؤقتة والتحرك نحو إصلاحات جذرية.