- محمود شعبان
- 611 Views
لغة المفاوضات تعود إلى الواجهة، لكن هذه المرة تحت ظلال النيران والتهديدات المتبادلة، ففي واشنطن، تطلق التصريحات بثقة، وفي طهران، تتعالى نبرات الحذر والتشكيك. وبين العواصم، تدور رسائل مفتوحة ومغلقة تحمل وعودا وتناقضات، مشهد يبدو فيه المسار الدبلوماسي هشّا، تعصف به الحسابات العسكرية والضغوط الداخلية. ومع كل إعلان عن نية للحوار، تبرز تساؤلات حادة: هل لا تزال طاولة التفاوض قادرة على الصمود؟ أم أن ما يجري مجرد سباق مع الزمن لتثبيت وقائع بالقوة قبل العودة إلى الحوار؟
تصريحات ترامب والبيت الأبيض.. موعد ووعود وتحذيرات
فخلال مؤتمر صحفي جمعه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في البيت الأبيض، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الثلاثاء 8 يوليو/تموز 2025، أن الجولة التالية من المفاوضات مع إيران قد تم تحديد موعدها بالفعل، مشيرا إلى أن طهران قد تلقت ضربات موجعة، وأن كل المنشآت النووية الإيرانية تم تدميرها، وتابع ترامب: “لقد استخدمنا أقوى القنابل غير النووية في التاريخ ضد إيران، وهذه العمليات ذكرتني بالضربات النووية التي وجهها ترومان لليابان، لقد أنهت هذه الضربات الحرب”.

من جانبه، صرح المبعوث الأمريكي الخاص لشئون الشرق الأوسط، ستيف ويتكف، الثلاثاء 8 يوليوتموز 2025، ذلك بعد لقائه نتانياهو مباشرة، قائلا: “لقاؤنا مع الإيرانيين سيحدث قريبا جدا، ربما الأسبوع المقبل أو في حدود ذلك”.

وفي وقت سابق، قالت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، إن الولايات المتحدة على تواصل مباشر وغير مباشر مع إيران بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق. وأشارت إلى أن المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط، ستيف ويتكاف، سيتوجه إلى الدوحة هذا الأسبوع لدفع المفاوضات المتعلقة بوقف إطلاق النار في غزة، وهو ما تعتبره إدارة ترامب أولوية.

وفي سياق متصل، صرحت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية، تامي بروس، بأن الرئيس دونالد ترامب يريد أن تعود إيران إلى مصاف الدول الطبيعية في العالم، مشيرة إلى أن واشنطن لا تزال ملتزمة بتحقيق السلام العالمي، رغم مشاركتها المباشرة في الهجمات التي استهدفت منشآت حيوية داخل إيران.

جاءت تصريحات بروس خلال مؤتمر صحافي عقدته يوم الثلاثاء 8 يوليو/تموز 2025، حيث أوضحت أن “الرئيس ترامب أوضح بصراحة، أنه يريد أن تعود إيران إلى المجتمع الدولي كدولة طبيعية، إن موقفنا خلال كل هذه الأزمات كان ثابتا وحازما، والآن هو الوقت الذي يجب أن تستغل فيه إيران هذه الفرصة”.
كذلك، وجهت بروس اتهامات إلى طهران، معتبرة أن إيران “أظهرت سلوكيات غير بناءة، مثل انسحابها من الوكالة الدولية للطاقة الذرية”، لكنها شددت في الوقت ذاته على أن الرئيس ترامب “مصمم على تحقيق النجاح في هذا الملف، لمصلحة الشعب الإيراني، والمنطقة، والعالم، فيما رفضت الكشف عن أي تفاصيل تتعلق بتوقيت أو طبيعة المفاوضات المحتملة بين الطرفين، واكتفت بالقول: “لا يمكنني الحديث حاليا عن التفاصيل أو ما قد يحدث مستقبلا”.
عراقجي: واشنطن أفسدت التفاوض وثقة إيران تآكلت بفعل العدوان
من جانبه، اتهم وزير الخارجية الإيراني، سيد عباس عراقجي، الولايات المتحدة بتقويض التقدم الذي أحرز في المحادثات النووية خلال الأشهر الأخيرة، وذلك عقب مشاركتها في الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على منشآت إيرانية، مشيرا إلى أن هذا العدوان “شكل خيانة عميقة للمسار الدبلوماسي”.

ففي مقال نشر له بصحيفة فايننشيال تايمز البريطانية، كشف عراقجي عن تفاصيل الجولات التفاوضية التي سبقت العدوان، مؤكدا أن إيران والولايات المتحدة، عبر خمس لقاءات غير مباشرة جرت خلال تسعة أسابيع، اقتربتا من انفراجة تاريخية في الملف النووي.
وأوضح عراقجي أن المفاوضات التي جمعته بالمبعوث الأميركي الخاص، ويتكاف، تناولت جوهر الخلافات القائمة، وعلى رأسها المخاوف الأميركية بشأن البرنامج النووي الإيراني، وقال إن الطرفين توصلا إلى مقترحات وحلول واقعية، بينها مبادرات عمانية، كما ناقشا رفعا كاملا للعقوبات ومجالات تعاون اقتصادي واسعة.

وبحسب وزير الخارجية الإيراني، فقد كانت طهران مستعدة لانخراط اقتصادي واسع ينعش اقتصادها من جهة، ويساهم من الجهة الأخرى في تحقيق وعود إدارة ترامب بإنعاش الصناعات الأميركية، لا سيما في قطاع الطاقة النووية، لكن قبل 48 ساعة من موعد الجولة السادسة والحاسمة التي كان من المقرر عقدها في مسقط، شنت إسرائيل هجوما واسعا على إيران.
فيما اعتبر عراقجي أن ما جرى لم يكن مجرد هجوم عسكري، بل رسالة سياسية واضحة من إسرائيل مفادها تفضيل الحرب على التسوية، متهما واشنطن بالانصياع لضغوط الحلفاء والتخلي عن التزاماتها الدولية، مؤكدا أن طهران تعاملت مع الهجوم بحزم يتناسب مع حجم العدوان.
وتعليقا على التصريحات الأمريكية الرامية باستئناف المسار التفاوضي بين البلدين، قال عراقجي إن بلاده تلقت مؤخرا رسائل من واشنطن تفيد برغبتها في العودة إلى طاولة المفاوضات، لكنه تساءل كيف يمكن الوثوق بانفتاح على مثل تلك المفاوضات، وتابع قائلا: “حين وافقنا بحسن نية على استئناف الحوار، كان الرد قصفا من جيشين مسلحين”، في إشارة إلى التنسيق الأميركي الإسرائيلي في الهجمات الأخيرة.
وأردف: “رغم تمسك إيران الدائم بالحلول السلمية، إلا أن التطورات الأخيرة عززت دواعي الشك وأضعفت الثقة في نوايا الجانب الأميركي”.
في ختام مقاله، انتقد عراقجي بشدةٍ ما وصفه بانحراف شعار أميركا أولا الذي يرفعه ترامب، معتبرا أن السياسات الفعلية لإدارته تضع مصلحة إسرائيل فوق كل اعتبار، وتدفع الأميركيين نحو حرب لا تخصهم ولا تخدم مصالحهم.
صحيفة كيهان.. 1100 شهيد كانوا ثمن الإصرار على التفاوض
أما في الداخل، فقد تعالت الأصوات المنتقدة لاستئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة، خاصة من التيار الأصولي، حيث نشرت صحيفة كيهان الأصولية، افتتاحية شديدة اللهجة لعددها الأربعاء 9 يونيو/حزيران 2025، اعتبرت فيها أن إصرار بعض المسؤولين على التفاوض مع أمريكا هو خطأ استراتيجي متكرر كلّف البلاد ثمنا باهظا.
فقد وصفت الصحيفة نتائج الجولة السابقة من المحادثات بأنها كانت بمثابة فخ سياسي استدرجت فيه إيران إلى طاولة مفخخة، فيما كانت إسرائيل وأمريكا تحضران للهجوم المشترك على المنشآت النووية، وأكدت أن الحرب الأخيرة التي استمرت 12 يوما وأسفرت عن مقتل أكثر من 1100 إيراني، بينهم علماء وقادة عسكريون، كانت نتيجة مباشرة لهذا الإصرار الأعمى على التفاوض مع عدو لا يحترم الحد الأدنى من قواعد الحوار أو القانون الدولي.

ورأت الصحيفة أن المفاوضات، بدلا من أن تحمي البلاد من التصعيد، أدّت عمليا إلى تشجيع الولايات المتحدة وإسرائيل على تنفيذ ضربتهما، في وقت كانت إيران تظهر مرونة سياسية غير مسبوقة. وقالت إن “ما حدث في 13يونيو/حزيران الماضي لم يكن دليلا على قوة العدو، بل نتيجة للضعف الذي استشعره من بعض المواقف السياسية في الداخل”، في إشارة إلى تصريحات وصفها التقرير بأنها مهادنة من أطراف في الحكومة، اعتبرت أن الحوار مع واشنطن هو السبيل الوحيد للخروج من الأزمة.
وفي لهجة قريبة من الاتهام المباشر، تحدثت الصحيفة عما سمته الانخداع المتواصل ببعض الشخصيات داخل الحكومة التي لا تزال ترى في واشنطن طرفا يمكن التفاهم معه، رغم ما وصفته بـسجلها الأسود في التنصل من الاتفاقات، والاستمرار في سياسات العقوبات والاغتيالات، واستشهدت في هذا السياق بالمقابلة الأخيرة للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان مع الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون.
حيث أشارت إلى أن الرئيس حاول التمييز بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، وتقديم صورة أكثر إيجابية عن الأول، الأمر الذي اعتبرته كيهان أنه ليس سوى تكرار لوهم قديم بأن هناك جناحين داخل المعسكر المعادي، في حين أن السياسة المتبعة ضد إيران واحدة، وإن اختلفت الأساليب.
وشددت الصحيفة على أن دبلوماسية الضعف التي تمارس، حسب تعبيرها، تفتح المجال أمام العدو لتصعيد عدوانه، داعية الحكومة إلى التخلّي عما وصفته بمغالطة الواقعية السياسية، والانخراط بدلا من ذلك في بناء قوة ردع شاملة قادرة على فرض الكلفة على أي اعتداء. وقالت إن الوقت قد حان كي تدرك طهران أن الثقة في الأمريكيين ليست فقط خطأ سياسيا، بل خيانة لدماء الضحايا الذين سقطوا نتيجة لهذا الرهان الخاسر
وفي خاتمة تقريرها، تساءلت الصحيفة: “هل ما زال البعض يراهن على الابتسامة الأمريكية بعد أن اعترف ترامب نفسه باستخدام أكبر القنابل غير النووية في تاريخ الولايات المتحدة ضد منشآت إيران؟”، مؤكدةً أن التفاوض في ظل هذه المعادلة لم يعد خيارا دبلوماسيا، بل مشاركة غير مباشرة في الجريمة.

