- زاد إيران - المحرر
- 552 Views
في خطوة تُعد الأهم في العام المالي الجديد، وقع الرئيس مسعود بزشكيان على التعميم الخاص بإعداد موازنة العام الإيراني الجديد الذي سيبدأ في 21مارس/آذار2025. لم يكن التوقيع إجراء روتينيا، بل إعلانا رسميا عن انطلاق العملية الأكثر تعقيدا في الحكم، وهي وضع الميزانية في ظل ظروف اقتصادية استثنائية. يحمل التعميم وعودا بالإصلاح والشفافية، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام تساؤلات حادة حول مصداقية هذه الوعود، خصوصا مع غياب الملاحق الثمانية الأساسية التي تحوي تفاصيل حيوية مباشرة بعد الإعلان.
توقيع بزشكيان.. واختبار الشفافية
انطلق مسار إعداد الموازنة بتوقيع الرئيس مسعود بزشكيان في 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، معلنا بدء التخطيط المالي للعام المقبل. ورغم نشر نص التعميم الرئيسي عبر منصة القوانين واللوائح، أشارت وكالة «تسنيم» إلى أن ثمانية ملاحق رئيسية وحاسمة مرتبطة بهذا التعميم لم تُنشر بعد ولم تُتح للعامة.
وتعتبر هذه الملاحق وثائق إرشادية لا غنى عنها للأجهزة التنفيذية والشركات الحكومية، توضح كيفية صياغة مقترحات الموازنات، بما في ذلك الضوابط المالية، وتعليمات موازنة الشركات، وتنظيم القروض والنفقات خارج الموازنة. هذا الغياب للوثائق الحيوية أثار تساؤلات جدية حول شفافية العملية، وقد يبطئ عمل الجهات المعنية، وحتى الآن لم يصدر أي توضيح رسمي بشأن سبب عدم نشر الملاحق.

الأركان الستة لـ نهج الحكومة الاقتصادي
استنادا إلى بيانات منظمة التخطيط والميزانية، بحسب تقارير وكالة “إيسنا“، ارتكز تعميم الموازنة على ستة محاور كبرى تُحدد السياسات الاقتصادية الكلية للعام المقبل. وتتمحور هذه الأركان حول ضرورة الإصلاح الهيكلي بدلا من الاكتفاء بالحلول الجزئية. حيث يركز المحور الأول على تعزيز سياسات دعم تأمين الحد الأدنى للمعيشة والأمن الغذائي عبر الاستهداف الفعال.
بينما ينصب التركيز في المحور الثاني على تحقيق التوازن والانضباط في الميزانية من خلال تنظيم النفقات. ويأتي المحور الثالث لمعالجة اختلالات الطاقة والمياه وتحسين كفاءة استخدام الموارد. أما المحور الرابع فيهدف إلى تحقيق الاستدامة المالية للدولة عبر إدارة الديون وعجز الموازنة. في حين يرتبط المحور الخامس بالتنفيذ الدقيق لأحكام قانون البرنامج السابع للتنمية. وأخيرا، يختص المحور السادس بتعزيز الدفاع المدني والتقوية الهيكلية.
سياسات الدعم والمالية العامة
يظهر بيان الموازنة أن الحكومة بدأت في مراجعة شاملة لنظام الدعم. أكدت استمرار دفع الدعم النقدي وبطاقات السلع، نافية أي توقف، مع التركيز على جعله أكثر استهدافا وفعالية. ويشمل ذلك مراجعة شاملة لقوائم المستفيدين باستخدام قاعدة بيانات” رفاه الإيرانيين” (منصة وطنیة لتحديد المستحقين للدعم وضمان توزيعه بعدل وشفافية)، بهدف تصحيح الأخطاء وتقليل هدر الموارد العامة.
أما على صعيد الإيرادات، فتخطط الحكومة لزيادة حصة الضرائب من خلال رقمنة النظام الضريبي وتطبيق قانون نقاط البيع، وتفعيل ضريبة عائدات رأس المال، خصوصا على المضاربات. يهدف هذا التوجه إلى زيادة الشفافية وتقليل الاعتماد على تقديرات غير مؤكدة للإيرادات، حيث ألزم البيان الأجهزة التنفيذية بحذف الإيرادات غير المؤكدة من الموازنة مقابل المصروفات الثابتة.

إدارة تحديات الطاقة والمياه والبنية التحتية
وضعت الحكومة تحديات الطاقة والمياه في صدارة أولويات التعميم، مؤكدة على ضرورة إدارة الموارد المائية ومعالجة ندرة المياه باعتبارها أولوية استراتيجية عاجلة. مع دخول البلاد عامها السادس للجفاف، أصبح من الضروري تحسين حوكمة المياه وضمان الاستفادة الفعّالة من القدرات الحالية، إلى جانب تخصيص اعتمادات مالية لمشاريع إزالة الاختناقات وزيادة سعة التخزين.
أما في ملف الطاقة، فتسعى الحكومة لتطبيق سياسة التسعير التدريجي لحاملات الطاقة، بحيث يُحسب الاستهلاك الأساسي بأسعار حالية أو بزيادة محدودة، بينما يُحاسب الاستهلاك الأعلى بأسعار أكثر واقعية، مع ضمان استمرار دعم الفئات الضعيفة.
وفيما يخص البنية التحتية العمرانية، أعلنت الحكومة حظر بدء أي مشروع جديد باستثناء مشاريع المياه والطاقة، مع توجيه الموارد نحو استكمال المشاريع نصف المكتملة، لضمان إدارة أفضل للموارد العمرانية المحدودة.

نحو ميزانية انكماشية هادفة
في خطوة نحو الإصلاح الهيكلي لإعداد الموازنة، أكدت مچكان خانلو، رئيسة مكتب التنسيق والتوحيد في الميزانية بمنظمة التخطيط والميزانية ، في مقابلة حصرية مع صحيفة “اطلاعات”، أن مشروع موازنة 2026 يأتي بطابع انكماشي واضح، لا سيما في بند المصروفات التشغيلية، مع دمج بنود الأجهزة الموازية وتقليص البنود الأقل أولوية.
كما أشارت إلى تغيير طريقة تقديم مشروع الموازنة للبرلمان، حيث سيُعرض في قسم واحد يشمل الجداول فقط دون الملاحظات التفسيرية، وفق التعديل الأخير للوائح الداخلية للمجلس، وهو ما أكده أيضا النائب مهرداد لاهوتي.
ويهدف هذا التغيير إلى ضبط مسار الموازنة ومنع الانحراف عنها، مع التركيز على الميزانية القائمة على الأداء والنتائج. وتم اختيار قطاعي التعليم والصحة تجريبيا لتطبيق هذا النهج، بحيث تُخصص اعتماداتهما وفق مؤشرات أداء محددة في ملحق خاص.

رؤية البرلمان والمجالس المحلية للموازنة
شدد النائب مهرداد لاهوتي، عضو البرلمان ولجنة الاقتصاد، في تصريح لصحيفة “آرمان ملي” على أهمية التنسيق المحكم بين الحكومة والبرلمان لضمان سير عملية الموازنة بسلاسة. وأوضح أن خفض النفقات الجارية للحكومة خطوة حاسمة لتحقيق التوازن المالي ومنع العجز.
على صعيد الإدارة المحلية، وصف محمد باقر بارسائيان، عضو المجلس الإسلامي لمدينة يزد، بيان الموازنة بأنه منصة انطلاق للتحول المالي وإطار متقدم لتعزيز الشفافية في إدارة المدن. وشدد على الدور الرقابي الحيوي للمجالس المحلية، مطالبا بإلزام تسجيل الميزانية في النظام الموحد لضمان الرقابة الفعالة ومنع التشتت المالي.
تحذيرات من الجذور الهيكلية
أجمع الخبراء على أن أزمة الموازنة الإيرانية لا تكمن في نقص الإيرادات، بل في ضخامة حجم الدولة واختلال هياكلها، مؤكدين أن أي محاولة إصلاحية لن تحقق النتائج المرجوة ما لم تُعالج هذه الجذور العميقة. في تحليل نشرته وكالة إيرنا، شدد الخبير الاقتصادي شاهين آراني على أن العقبة الأساسية أمام الاقتصاد والموازنة تكمن في ارتفاع النفقات الحكومية بشكل غير مبرر، مشيرا إلى أن جزءا كبيرا منها يُنفق على مؤسسات وهيئات لا تضيف قيمة اقتصادية حقيقية، ما يولد عجزا هيكليا مستداما ويعرقل جهود ضبط المالية العامة.
من جانبه، قدم خبير سوق رأس المال “فردين آقابزرکی” تشخيصا قاسيا لوضع الموازنة، محملا سوء الإدارة الداخلية مسؤولية 85-90% من الأزمات الاقتصادية، ومستندا في ذلك إلى إجماع من القيادة السياسية على أن تأثير العقوبات لا يتجاوز 10-15%. وكشف عن فجوة مروعة بين التقديرات والواقع، حيث قفز عجز موازنة 2025 من مستوى متوقع إلى مستوى هائل فعليا، متوقعا أن يصل العجز في موازنة 2026 إلى مستوى أكبر بكثير مما كان متوقعا. كما حذر من أن الإيرادات تعتمد بشكل متزايد على الضرائب بعد نموها بنسبة 55%، مع توقعات بزيادات جديدة، مؤكدا أن أي إصلاح حقيقي مشروط بتقليص حجم الدولة ورفع كفاءتها وليس بزيادة الأعباء على المواطنين.
أما الناشط السياسي والنائب السابق علي مطهري، فقد شدد على ضرورة تحويل الموازنة إلى ميزانية قائمة على الأداء والنتائج، داعيا الحكومة إلى مواجهة الضغوط التي تمارسها المؤسسات غير الفعالة ، وإلغاء بنودها لتعويض نقص الموارد وضمان توزيع أكثر عدالة للإنفاق العام. واعتبر مطهري أن هذا التوجه هو الشرط الأساسي لإنقاذ الموازنة من الانحراف وضمان أن تحقق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية المرجوة.
إن توقيع الرئيس بزشكيان على موازنة 2026 يمثل خطوة أولى نحو إصلاحات طموحة في الانضباط المالي والدعم والتسعير التدريجي للطاقة، لكن غياب الملاحق الثمانية الأساسية يسلط الضوء على فجوة كبيرة في الشفافية منذ البداية. الموازنة لن تنجح إلا إذا استطاعت الحكومة تحويل السياسات إلى واقع ملموس، وكسب ثقة الشارع والمؤسسات، ومواجهة الهياكل الاقتصادية الضخمة والمتصلبة التي حذر منها الخبراء. الموازنة وُقعت، لكن المعركة الحقيقية لإصلاح الاقتصاد الإيراني لا تزال أمامها طريق طويل ومليء بالتحديات.

