- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 471 Views
وسط تصاعد الاحتجاجات واتساع رقعة الضغوط الاقتصادية، انعقدت جلسة غير علنية للبرلمان الإيراني حملت دلالات تتجاوز طابعها الإجرائي المعتاد، فخلف الأبواب المغلقة، لم يكن النقاش محصورا في أرقام الموازنة أو آليات الدعم، بل امتد ليشمل كيفية إدارة أزمة مركبة تمس الأمن والاقتصاد والشارع معا.
ماذا جرى خلف أبواب البرلمان المغلقة؟
عقد البرلمان الإيراني جلسة غير علنية، الأربعاء 7 يناير/ كانون الثاني 2026، في توقيت بالغ الحساسية سياسيا واقتصاديا، إذ تأتي تلك الجلسة بعد أحد عشر يوما من احتجاجات متفرقة شهدتها عشرات المدن الإيرانية، على خلفية ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وتدهور سعر العملة الوطنية، الجلسة التي أعلن رسميا أنها خصصت لبحث القضايا الاقتصادية وقضايا القسائم السلعية، تحولت عمليا إلى اجتماع شامل لتقييم الوضع العام في البلاد، ولا سيما تداعيات الاحتجاجات على الأمن الداخلي والاقتصاد الوطني.
هذا وحسب وسائل الإعلام الإيرانية، فقد شارك في الجلسة كل من على مدني زاده وزير الاقتصاد والمالية، وغلام رضا نوري قزلجه، وزير الزراعة، وحميد بور محمدي رئيس منظمة التخطيط والميزانية، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين في الحكومة، فيما قدموا هؤلاء شرحا مفصلا للسياسات الاقتصادية الأخيرة، مبررين القرارات المتخذة، وخصوصا قرار حذف العملة التفضيلية التي توفرها الدولة لشراء السلع الأساسية، بأنها تهدف إلى إزالة الريع والفساد وضبط الاختلالات الهيكلية في السوق، حتى وإن تسببت بضغط مؤقت على معيشة المواطنين.


إلى جانب الفريق الاقتصادي، كان الحضور الأمني لافتا، إذ شارك أحمد رضا رادان القائد العام لقوى الأمن الداخلي، إضافة إلى ممثلين عن وزارة الاستخبارات وسائر الأجهزة الأمنية، في حين قدموا خلال الجلسة تقارير وصفت بأنها شاملة ودقيقة، تناولت وضع الاحتجاجات في جميع المحافظات، مع عرض خرائط بيانية ومخططات توضيحية تبيّن نطاق التظاهرات وحدتها ومسارات تطورها.

أحد أكثر محاور الجلسة حساسية تمثل في عرض أعداد الضحايا في الاحتجاجات الأخيرة، وبحسب ما نقل من داخل الجلسة، فقد قدر عدد القتلى من المدنيين غير المنتمين إلى الأجهزة الأمنية بنحو 18 شخصا، مع احتمال وصول العدد إلى 20 كحد أقصى، في المقابل، أعلن أن عدد القتلى في صفوف قوات التعبئة، المعروفة بقوات البسيج، وقوى الأمن والأجهزة الأمنية بلغ نحو 80 شخصا، الأرقام التي أثارت نقاشا عميقا داخل البرلمان حول طبيعة المواجهات، ومستوى العنف المستخدم، ومدى تغير قواعد التعامل الأمني مقارنة باحتجاجات سابقة.

كما تناولت الجلسة ملف العملة الأجنبية الناتجة عن الصادرات، حيث جرى التأكيد على ضرورة إلزام الشركات الحكومية بإعادة العملات الأجنبية إلى السوق، بهدف الحد من تقلبات سعر الصرف، الملف الذي اعتبر أحد المفاتيح الأساسية لمعالجة جذور الأزمة الاقتصادية، في ظل القناعة بأن تدهور سعر العملة كان من أبرز العوامل التي غذت موجة الغضب الشعبي.
في ختام الجلسة، لم تعلن قرارات تنفيذية حاسمة، غير أن النقاشات عكست، حسب خبراء، توافقا ضمنيا بين الحكومة والبرلمان والأجهزة الأمنية على ضرورة خفض منسوب التوتر في الشارع، وتجنب الحلول الأمنية الصرفة، مقابل تشديد الرقابة على الأسواق، وتحسين آليات الدعم، ومحاولة امتصاص الصدمة الاجتماعية الناجمة عن القرارات الاقتصادية الأخيرة.
روايات ما بعد الجلسة غير العلنية… رسائل طمأنة وحذر في آن واحد
عقب انتهاء الجلسة، تعددت التصريحات الصادرة عن رئاسة البرلمان وأعضاء المجلس، في محاولة لرسم صورة متماسكة لما جرى داخل القاعة المغلقة، ولتحديد موقع البرلمان من التطورات الاقتصادية والأمنية المتسارعة، هذه التصريحات عكست، في مجملها، حرصا واضحا على الجمع بين الدفاع عن السياسات العامة للدولة، والاعتراف بوجود أزمة حقيقية تمس معيشة المواطنين وتستوجب معالجة مختلفة عن السابق.
في هذا السياق، أكد عباس كودرزی، المتحدث باسم هيئة رئاسة البرلمان، أن الجلسة شهدت نقاشا موسعا حول الحزمة السياسية والاقتصادية الأخيرة، في ضوء القلق الشعبي المتزايد من آثارها على السوق، وشدد كودرزی على أن البرلمان أكد للحكومة أن تنفيذ أي سياسة اقتصادية لا ينبغي أن يؤدي إلى اضطراب الأسعار أو الإخلال بتوازن السوق، وأن أي قرار يجب أن يكون مصحوبا بآليات رقابة فعالة.

وأوضح كودرزی، خلال تصريحاته، أن من بين القضايا المركزية التي نوقشت مسألة الحفاظ على القدرة الشرائية للأسر، معتبرا أن نقل العملة التفضيلية إلى نهاية سلسلة التوزيع عبر القسائم السلعية لا يجوز أن يتحول إلى رقم ثابت يفقد قيمته مع الزمن، بل يجب أن يبقى مرنا ويتكيف مع تغيرات السوق، وأشار إلى أن البرلمان شدد على ضرورة زيادة قيمة الدعم المخصص للقسائم كلما دعت الحاجة، حتى لا تتحول السياسة الجديدة إلى عبء إضافي على المواطنين.
وفي حديثه عن ملف العملة، أكد كودرزی أن منع تقلبات سعر الصرف كان محورا أساسيا للنقاش، موضحا أن الشركات الحكومية ملزمة بإعادة العملات الأجنبية الناتجة عن صادراتها إلى السوق، بما يسهم في تحقيق التوازن بين العرض والطلب، مضيفا أن القرارات التي اتخذت في هذا السياق ستترك أثرها في سوق الصرف، حتى وإن احتاجت إلى وقت لتصل إلى مرحلة الاستقرار، مشبها الوضع بمرحلة ما بعد الجراحة التي تتطلب صبرا قبل التعافي الكامل.
على مستوى النواب، كان بهروز محبی نجم آبادی، نائب سبزوار، من أبرز المتحدثين عن أجواء الجلسة، حيث أكد أن الاجتماع لم يقتصر على البعد الاقتصادي، بل تناول أبعادا أمنية معقدة، من بينها ما وصفه بالمخططات المدروسة التي يعمل عليها خصوم إيران في الخفاء، والحرب المركبة التي تدار لاستغلال الأوضاع الاقتصادية والاحتجاجات الشعبية، في المقابل، شدد نجم آبادي على أن الحكومة كلفت، خلال الجلسة، بمخاطبة المواطنين وطمأنتهم، والعمل على تهدئة الشارع بدل الاكتفاء بالحلول الأمنية.

أما محمد بیات، نائب خمين، فقد قدم واحدة من أكثر الروايات تفصيلا حول ما دار داخل الجلسة غير العلنية، خصوصا في شقها الأمني، فقد أكد بیات أن التقارير المعروضة أظهرت أرقاما واضحة وملموسة بشأن الضحايا، حيث بينت أن عدد قتلى المحتجين المشاغبين في الأحداث الأخيرة يقارب ربع عدد قتلى القوات الأمنية، وهو ما اعتبره مؤشرا على تغيير نهج قوى الأمن مقارنة بمراحل سابقة.
كما أشار بیات إلى أن هذه الأرقام استخدمت للدلالة على أن قوات الأمن لم تتعامل مع الاحتجاجات بمنطق المواجهة الشاملة، بل لجأت إلى استخدام السلاح فقط في الحالات التي اعتبرت تهديدا مباشرا لأمن البلاد أو للمراكز العسكرية والأمنية، وأضاف أن القوات الأمنية، بالتوازي مع ذلك، سعت إلى متابعة المطالب المحقة للمواطنين بالتنسيق مع المسؤولين التنفيذيين وتحت إشراف الأجهزة الرقابية.
وفي سياق حديثه، أوضح بیات أن رادان القائد العام لقوى الأمن الداخلي، قدم خلال الجلسة تقريرا موسعا مدعما بالرسوم البيانية والمخططات، استعرض فيه تسلسل الأحداث خلال الأيام الماضية في مختلف المحافظات، وأضاف أن رادان طرح جملة من الحلول غير الأمنية البحتة، من بينها إشراك نواب البرلمان ووجهاء المناطق والمعتمدين المحليين إلى جانب المسؤولين التنفيذيين والعسكريين، بهدف إقناع المحتجين واحتواء الأوضاع.

وفي الجانب الاقتصادي، نقل بیات عن وزير الزراعة تعهده بأن يتم تشديد الرقابة على توزيع السلع الأساسية اعتبارا من اليوم التالي للجلسة، مع العمل على إزالة الوسطاء، ووضع جهات البيع تحت إشراف مباشر، لضمان وصول الدعم إلى المواطنين دون تشويه أو استغلال، وأكد الوزير، حسبما قاله بيات، أن تحرير العملة التفضيلية لا معنى له إذا أدى إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين.
وأشار بیات إلى تصريحات مدني زاده وزير الاقتصاد والمالية، الذي أعلن خلال الجلسة أن الحكومة تعتزم متابعة وتنفيذ سبعة عشر بندا اقتصاديا سبق الاتفاق عليها على مستوى عال، بهدف الحد من آثار الأزمة على الفئات ذات الدخل المحدود، ولفت الوزير إلى أن استقرار سعر الصرف يمثل أولوية قصوى، مشيرا إلى مقترح قد طرح داخل الجلسة لتقليص السعر الذي وصف بأنه ناتج عن فقاعة مالية، بمعنى أنه ليس حقيقي، وإعادته إلى مستوى أكثر واقعية.
شريك في إدارة الأزمة أم مراقب غائب؟ جدل الدور البرلماني
في خضم الاحتجاجات المتواصلة والأزمة الاقتصادية المتفاقمة، يبرز تساؤل مركزي حول الدور الحقيقي الذي يلعبه البرلمان الإيراني في هذه المرحلة، هذا التساؤل ناقشته صحيفة ابتكار في عددها الصادر الخميس، 8 يناير/ كانون الثاني 2026، والتي قالت أن البرلمان، بوصفه سلطة تشريعية ورقابية، يفترض أن يكون صلة الوصل بين مطالب الشارع وقرارات الحكومة، غير أن الواقع يكشف عن دور أكثر تعقيدا، تحكمه اعتبارات الاستقرار السياسي والأمني، وذكرت الصحيفة أنه خلال الأسابيع الأخيرة، عبر بعض النواب عن اعترافهم بمشروعية المطالب المعيشية للمحتجين، إلا أن هذه المواقف بقيت في إطار التصريحات العامة، ولم تترجم إلى مبادرات تشريعية واضحة قادرة على تهدئة الشارع، في المقابل، فضل عدد كبير من النواب التماهي مع الحكومة، معتبرين أن أي تصعيد سياسي في هذا التوقيت قد يفاقم الأزمة بدل حلها.
على الجانب الأخر، فتفيد تحليلات ان الجلسة غير العلنية أظهرت ميل البرلمان في هذه المرحلة، إلى لعب دور الشريك في إدارة الأزمة بدلا من دور المراقب الصارم، فبدل توجيه انتقادات علنية حادة للحكومة، ركز النواب على تحسين تنفيذ السياسات، وتشديد الرقابة، وتقليل الآثار الاجتماعية للقرارات الاقتصادية، في محاولة لاحتواء الغضب الشعبي دون كسر التوازن السياسي، الأمر الذي عكس إدراكا متزايدا لدى النواب بأن الاحتجاجات ليست مجرد أزمة معيشية، بل اختبار حقيقي لاستقرار النظام السياسي.

في الوقت ذاته، يواجه البرلمان تحديا يتعلق بقدرته على تمثيل المزاج الشعبي، في ظل انتقادات تتعلق بضعف المشاركة الانتخابية في الدورات الأخيرة، هذا الواقع يفرض على البرلمان هامش حركة أضيق، ويجعله أكثر ميلا إلى التوافق مع الحكومة ومراكز القرار الأخرى، بدل تبني مواقف تصادمية. مع ذلك، تكشف الجلسة غير العلنية عن إدراك داخل البرلمان بخطورة المرحلة، ومحاولة لإيجاد توازن صعب بين الاستجابة لمطالب الشارع والحفاظ على الاستقرار، غير أن نجاح البرلمان في هذا الدور سيظل مرهونا بقدرته على تحويل النقاشات المغلقة إلى سياسات ملموسة، يشعر المواطنون بآثارها في حياتهم اليومية.
في المحصلة، يقف البرلمان الإيراني اليوم عند مفترق طرق، فإما أن يكتفي بدور الوسيط الصامت بين الحكومة والشارع، أو أن يعيد تعريف دوره بوصفه سلطة قادرة على إنتاج حلول تشريعية جريئة تخفف الاحتقان الاجتماعي، الجلسة غير العلنية الأخيرة ربما أظهرت وعيا بالأزمة وتعقيداتها، لكنها لم تحسم بعد السؤال الأهم، فهل يتحول هذا الوعي إلى تغيير فعلي، أم يبقى محصورا داخل قاعات مغلقة بعيدا عن الشارع الغاضب؟

