- زاد إيران - المحرر
- 846 Views
محمد مخبر، ابن دزفول الثوري، رجل الظلال الذي ارتقى من ميادين الحرب والإدارة إلى قمة السلطة الإيرانية، بجذور دينية محافظة وتعليم متنوع، نسج مسيرة تمتزج فيها السياسة بالاقتصاد، والولاء للثورة بالطموح الإداري.. من قيادة مؤسسات اقتصادية عملاقة إلى تولي الرئاسة المؤقتة خلال فترة عصيبة، يجسد مخبر تناقضات إيران الحديثة: قوة خفية تدير دفة الأمور بعزم وجدل.
برز اسم نائب الرئيس الإيراني السابق محمد مخبر في وسائل الإعلام المحلية والعالمية، إثر الإعلان عن تحطم مروحية الرئيس إبراهيم رئيسي، ووزير خارجيته حسين أمير عبد اللهيان، بعد عمليات بحث وإنقاذ شاقة، وبموجب الدستور الإيراني، يتولى مخبر مهام الرئاسة بشكل مؤقت في حال غياب رئيسي أو وفاته أو عجزه لمدة تزيد عن شهرين، وذلك حتى إجراء انتخابات رئاسية جديدة خلال فترة لا تتجاوز 50 يوما.
النشأة والتعليم
ولد محمد مخبر في 22 يونيو/حزيران 1955 في مدينة دزفول، الواقعة في مقاطعة خوزستان جنوب غرب إيران، وهي منطقة غنية بالنفط، لكنها تعاني من الفقر والتوترات العرقية، نشأ في أسرة تقليدية، حيث كان والده عباس مخبر، واعظا وخطيبا دينيا معروفا، مما غرس فيه منذ الصغر قيما إسلامية محافظة وولاءً للثورة الناشئة، ترعرع محمد في دزفول وأهواز، حيث تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي، ثم انطلق نحو الجامعة بحماسة العارفين، جمع في جعبته شهادات مرموقة: بكالوريوس في الهندسة الكهربائية، ماجستير في الإدارة والنظم، دكتوراه في الإدارة وتخطيط التنمية الاقتصادية، ولم يكتفِ، بل أضاف إلى رصيده ماجستير ودكتوراه في القانون الدولي.

تم تعيين محمد مخبر رئيسا لقسم الطب في فيلق دزفول، وظل يشغل هذا المنصب طوال الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت لمدة ثماني سنوات، بعد انتهاء الحرب أصبح مديرا تنفيذيا لشركة دزفول للاتصالات، ثم نائبا تنفيذيا لرئيس شركة اتصالات محافظة خوزستان، ثم مديرا تنفيذيا لهذه الشركة، كما شغل منصب نائب حاكم خوزستان لفترة من الوقت، وأصبح نشاط محمد مخبر أكثر جدية عندما تم استدعاؤه إلى العاصمة ليشغل منصب نائب مسؤول النقل في المؤسسة أثناء رئاسة محمد فروزنده لمؤسسة المستضعفين، وكان من بين المناصب الأخرى التي أوكلت إليه خلال هذه الفترة رئاسة مجلس إدارة بنك سينا الذي كان يعمل تحت إشراف مؤسسة المستضعفين، وفي نفس الأعوام تم تعيين محمد مخبر نائباً لرئيس مجلس إدارة شركة إيرانسيل، وتم تسجيل هذا المنصب أيضاً في سجله.
الأنشطة ما قبل الثورة وما بعدها
كان لمحمد مخبر تاريخ من النشاط السياسي ضد النظام البهلوي في الستينات والسبعينات، وفي سن المراهقة، انخرط مخبر في “مجموعة المنصورون“، وهي تنظيم مسلح سري يعمل على مواجهة النظام الملكي من خلال عمليات خاصة، كانت هذه المجموعة نواة للثورة، وتعاون مخبر من خلالها مع شخصيات بارزة في الحرس الثوري (IRGC)، مثل: علي جهانآرا، علي شمخاني، محسن رضائي، ومحمد فروزنده، ومحمد باقر ذوالقدر، وكان محمد مخبر مسؤولا عن الرعاية الطبية لفيلق دزفول أثناء الحرب المفروضة، هذه الروابط المبكرة شكلت شبكة علاقاته اللاحقة في النخبة السياسية والعسكرية الإيرانية، حيث أصبحت دزفول قاعدة له في السنوات الأولى للثورة، نشأته في بيئة متواضعة، مليئة بالتحديات الاجتماعية، جعلته يفهم جيداً ديناميكيات السلطة والاقتصاد في إيران، وهو ما انعكس لاحقاً في مسيرته الإدارية.
التعليم
تلقى مخبر تعليمه الأولي في مدارس دزفول، حيث أظهر ميلا للعلوم التقنية والإدارية، حصل على بكالوريوس في الهندسة الكهربائية من جامعة إيرانية، مما مهد له الطريق نحو المناصب الإدارية في قطاع الاتصالات ثم تابع دراسته، ليحصل على ماجستير في الإدارة، تلته دكتوراه في التخطيط الاقتصادي والتنمية الإدارية.

كما أكمل ماجستير آخر في القانون الدولي، مع أطروحة أكاديمية في نفس المجال، هذه الخلفية الأكاديمية المتنوعة – تجمع بين الهندسة، الإدارة، والقانون – سمحت له بالتنقل بين القطاعات الاقتصادية والسياسية بسهولة، على الرغم من أن تعليمه لم يكن في الجامعات الدولية البارزة.
إلا أنه كان عمليا ومفيدا لدوره في الإدارة العامة، خاصة في ظل العقوبات الدولية التي تواجه إيران، ومع ذلك، يُشار إلى أن بعض الدرجات المتقدمة ربما حصل عليها في إطار برامج داخلية مرتبطة بالحرس الثوري، مما يعكس اندماج تعليمه مع مسيرته السياسية.
محطات حياته الرئيسية
بدأت مسيرة محمد مخبر المهنية في أعقاب الثورة عام 1979، حيث انخرط في الحرس الثوري كضابط طبي خلال حرب إيران-العراق (1980-1988)، كان قاعدته في دزفول، حيث ساهم في الجهود اللوجستية والطبية، مما عزز ولاءه للنظام الجديد في التسعينات، انتقل إلى الإدارة المدنية بمنصب المدير التنفيذي لشركة الاتصالات في دزفول، ثم نائب محافظ خوزستان، حيث تعامل مع قضايا التنمية المحلية والتوترات العرقية.
في أوائل الألفية الجديدة، برز دوره في المؤسسات الاقتصادية الكبرى، عام 2000، أصبح نائبا للرئيس في مؤسسة المستضعفين – أكبر كيان اقتصادي في إيران – ومديرا تنفيذيا لمنظمة التجارة والنقل التابعة لها، في إقليم خوزستان، ومساعداً لمحافظها، كما تولى رئاسة “لجنة تنفيذ أوامر (المرشد السابق) الخميني” (ستاد)، منذ عام 2007 بقرار من المرشد علي خامنئي، خلال هذه الفترة، انخرط في إدارة بنك سينا (ملكية 84% للمؤسسة) وكان مرتبطاً بشركة MTN إيران سيل للاتصالات، ومن بين أعماله في الهيئة التنفيذية لأمر الإمام الخميني إنشاء مؤسستي بركات، وإحسان، ومعهد بركات المعرفي، ومجموعة تدبير للتنمية الاقتصادية، وإطلاق معسكر القضاء على الحرمان والتقدم على طريق خدمة المحرومين والمستضعفين، وإنتاج أول لقاح إيراني لفيروس كورونا (لقاح بركات إيران).

كما تم الحصول على ترخيص الحقن العام كأول لقاح معتمد من وزارة الصحة، وبناء أكبر مصنع لإنتاج اللقاحات في الشرق الأوسط على يد علماء إيرانيين، وبناء أكبر مدينة دوائية في البلاد، وأكبر مصنع لإنتاج الكمامات في الشرق الأوسط بطاقة إنتاجية تبلغ 5 ملايين كمامة يوميا بمساعدة شركات قائمة على المعرفة في غضون 20 يوما خلال الأشهر الأولى من تفشي فيروس كورونا، وخلال الفترة التي لم تكن فيها الدول الأجنبية مستعدة لبيع الكمامات أو إرسالها، وإنشاء مصنع إنتاج.
بعد شهرين فقط من توليه المنصب، في ديسمبر/كانون الأول من العام 2007، انطلقت مؤسسة بركات “Barakat Foundation” لتعزز من فرص العمل والمشاريع التنموية، وفي زمن جائحة كورونا، برزت الـ ستاد “مقر تنفيذ أوامر الإمام”، هذه المؤسسة شبه الحكومية في إيران، والتي تأسست بأمر من الإمام الخميني، المرشد الأول للثورة وتخضع اليوم لإشراف المرشد الأعلى علي خامنئي كنجم مضيء في إنتاج الكمامات والمطهرات، ثم توج جهوده بإطلاق لقاح “كوو إيران بركت”، حيث تقدمت ابنة محمد مخبر بشجاعة لتكون أول من يتلقى اللقاح، في خطوة رمزت للثقة بالعلم الإيراني.
وفي 8 أغسطس/آب 2021، عُيّن نائبا أول للرئيس الراحل إبراهيم رئيسي، وعضوا في مجلس تشخيص مصلحة النظام، ركز عمله على الجوانب الاقتصادية، مثل خطط الصناعات الاستراتيجية، تعزيز الإنتاج المحلي، وخصخصة ممتلكات حكومية بقيمة 275 مليون دولار، كما أجرى لقاءات دبلوماسية، مثل تلك مع قادة قوات الحشد الشعبي العراقية ثم جاءت المحطة الأبرز: في 19 مايو/أيار 2024، بعد مقتل إبراهيم رئيسي في حادث تحطم طائرة هليكوبتر، تولى مخبر منصب الرئيس المؤقت حتى 28 يوليو/تموز 2024، حضر جنازة رئيسي، خطب أمام البرلمان الجديد، ورأس الانتخابات الرئاسية، التي فاز فيها مسعود بزشكيان في الجولة الثانية يوم 5 يوليو/تموز، وتولى المنصب في 28 يوليو/تموز 2024.
بعد ذلك، في 23 سبتمبر/أيلول 2024، عُيّن مستشارا ومساعدا للمرشد الأعلى، وهو منصب احتله حتى 17 سبتمبر/أيلول 2025، بالإضافة إلى انتهاء عضويته في مجلس تشخيص مصلحة النظام في نفس التاريخ خلال هذه الفترة، استمر في التعامل مع التحديات الاقتصادية الناتجة عن العقوبات، لكنه واجه اتهامات مستمرة بالفساد، بما في ذلك تجارة داخلية وانتهاكات حقوقية.
مواقفه السياسية
يُصنف مخبر كسياسي مستقل ينتمي إلى التيار “المحافظ”، وهو ينفذ أولويات المرشد الأعلى علي خامنئي في السياسات الداخلية والخارجية، يدعم الخصخصة الاقتصادية كوسيلة لتعزيز الإنتاج المحلي، لكنه يُتهم بتحويلها إلى صفقات نخبوية، في الخارج، يؤيد تعزيز العلاقات مع العراق و”محور المقاومة”، كما في لقاءاته مع قادة الحشد العراقي، موقفه من الغرب صلب، يرى في العقوبات مؤامرة، ويؤكد على “الاقتصاد المقاوم”، ومع ذلك، يُنتقد لارتباطه بمؤسسات تُتهم بانتهاكات حقوقية، مثل مصادرة الممتلكات على المستوى الداخلي، يدعو إلى الوحدة الإسلامية، لكنه يواجه انتقادات من الإصلاحيين بسبب دوره في قمع الاحتجاجات غير المباشر.
عقوبات الأمم المتحدة
في يوليو/تموز 2010، أدرج الاتحاد الأوروبي محمد مخبر على قائمة الأفراد والكيانات الخاضعة للعقوبات بسبب أنشطة تتعلق بالصواريخ الباليستية والأسلحة النووية، لكنه أزال اسمه من تلك القائمة بعد عامين.

من بين مؤلفاته، يمكن الإشارة إلى الأعمال التالية:
• كتاب “أبرز الاقتصاديين في العالم”، الجزء الأول، صدر عام (2013)، عن دار نور العلم.
• كتاب “الأعذار المُعفية من العقوبات في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية”، صدر عام (2014)، عن دار نور العلم.
• كتاب “مدخل إلى التنمية الاقتصادية مع العدالة”، صدر عام (2015)، عن دار جامعة الإمام الصادق (ع).
• كتاب “النمو الاقتصادي المتسارع في إيران”، صدر عام (2016)، عن دار التحدي.
يمثل مخبر نموذجا لـ”رجال الظل” في النظام الإيراني: من الثورة إلى الإدارة الاقتصادية، مرورا بالقيادة المؤقتة، دون أن يطمح للرئاسة الدائمة.

