البنك المركزي الإيراني في العاصفة: هل تغيّر الحكومة رأس البنك المركزي أم تواصل إدارة أزمة العملة؟

Image

لم تعد أزمة العملة في إيران مجرد ملف اقتصادي قابل للمعالجة بأدوات فنية محدودة، بل تحولت إلى قضية سياسية ـ اجتماعية مكتملة الأركان، تتقاطع فيها معيشة المواطنين مع شرعية القرار الاقتصادي وثقة الشارع في مؤسسات الدولة.

الارتفاع غير المسبوق في أسعار السلع الأساسية، والذهب، والمسكوكات، والعملات الأجنبية، أوجد حالة واسعة من الاستياء العام، باتت فيها الحكومة والبنك المركزي في مرمى الاتهام المباشر. ومع وصول سعر الدولار إلى مليون و300 ألف ريال، تتصاعد التساؤلات حول أسباب العجز المزمن في كبح التدهور، وحول ما إذا كان تغيير رأس الهرم النقدي أصبح خياراً لا يمكن تأجيله.

من همتي إلى فرزين: إشكالية تحديد المسؤول

منذ تشكيل الفريق الاقتصادي للحكومة، حذّر عدد من الاقتصاديين من إعادة إنتاج سياسات وأسماء ارتبطت بتجارب لم تنجح في تحقيق استقرار مستدام. ورغم أن رئيس الجمهورية قدّم عبد الناصر همتي وزيرا للاقتصاد انطلاقا من قناعاته، فإن البرلمان لم يمنحه سوى ستة أشهر، ليتم استبعاده في خطوة رآها كثيرون تضحية سياسية بوزير لا يتحمل وحده عبء أزمة العملة، إذ إن هذا الملف يقع عمليا ضمن صلاحيات رئيس البنك المركزي.

ورغم ذلك، استمر محمد رضا فرزين في موقعه محافظا للبنك المركزي، بل بدا وكأنه خرج من المعركة أكثر قوة، في وقت شهد فيه سوق الصرف منذ العام الماضي وحتى اليوم منحنى تصاعديا حادا. هذا التناقض بين بقاء المسؤول النقدي الأول وتفاقم الأزمة، أعاد طرح سؤال جوهري: هل تكمن المشكلة في الأشخاص أم في السياسات ذاتها؟

Image

قفزات مقلقة في سعر الصرف

الأرقام وحدها كفيلة بتفسير حجم القلق. فمنذ تولي فرزين رئاسة البنك المركزي في ديسمبر 2022، حين كان سعر الدولار في حدود 440 ألف ريال، قفز السعر اليوم إلى أكثر من مليون و300 ألف ريال، مع تسجيل مستويات أعلى في بعض الفترات.

 ولم يكن حال سوق الذهب أفضل، إذ ارتفعت المسكوكة الذهبية من نحو 200 مليون ريال إلى ما يقارب مليار و500 مليون ريال. هذه القفزات لا تعكس فقط ضغوط العقوبات، بل تكشف أيضا فشل أدوات التثبيت القسري في إدارة التوقعات التضخمية وإعادة الثقة إلى السوق.

استقالة فرزين: شائعات أم قرار مؤجل؟

في خضم هذا المشهد المضطرب، تصاعدت خلال الأيام الأخيرة شائعات حول استقالة محمد رضا فرزين. فقد تداول ناشطون وإعلاميون أخبارا تفيد بتقديم الاستقالة وقبولها، بل وبالبدء في مشاورات لاختيار البديل. وأُدرجت أسماء عدة لشخصيات اقتصادية بارزة، من داخل البنك المركزي وخارجه، كخيارات مطروحة لخلافته.

في المقابل، لم يصدر أي موقف رسمي يؤكد هذه الأنباء، فيما تمسكت الحكومة والبنك المركزي بالنفي أو الصمت. ووفقا للأعراف الإدارية، حتى في حال تقديم الاستقالة، يبقى المحافظ في منصبه إلى حين قبولها رسميا من قبل رئيس الجمهورية.

هذا الغموض عزز مناخ التكهنات، خاصة مع تزامنه مع انتقادات علنية من رئيس السلطة القضائية لأداء البنك المركزي في ملف الرقابة والسيطرة على التقلبات.

الخبراء بين الدفاع والنقد

يرى بعض الخبراء، ومنهم ألبيرت بغزيان، أن البنك المركزي في عهد فرزين تمتع باستقلالية كبيرة، إلى حد عدم الانصياع لسياسات الحكومة ووزارة الاقتصاد، أو لمصالح الأطراف المستفيدة من تقلبات سعر الصرف. ويعتبر هؤلاء أن حجم الهجوم على فرزين يعكس اصطدامه بمصالح نافذة.

في المقابل، يرى منتقدون أن هذه “الاستقلالية” تحولت عمليا إلى عزلة، وأن فريق فرزين لم يكن بالقوة والخبرة الكافية لإدارة أزمة نقدية بهذا التعقيد. فغياب التنسيق بين السياسة المالية والنقدية، ورفض الانتقادات، جعلا البنك المركزي أقرب إلى متفرج على تدهور العملة منه إلى فاعل قادر على توجيه السوق.

Image

سيناريوهات مطروحة على الطاولة

في حال قررت الحكومة إجراء تغيير، تبرز عدة سيناريوهات محتملة. الأول يتمثل في تعيين شخصية من داخل الكادر الحالي للبنك المركزي، بهدف الحفاظ على الاستقرار الإداري وتجنب الصدمات. غير أن هذا الخيار قد يُفسر على أنه استمرار للوضع الراهن أكثر منه بداية لمرحلة جديدة.

السيناريو الثاني يقوم على التدوير الإداري بين المؤسسات الاقتصادية الكبرى، عبر نقل شخصية تمتلك خبرة في السياسة النقدية والموازنة معاً، بما يعزز التنسيق بين الحكومة والبنك المركزي، خاصة في ظل مناقشات الموازنة والضغوط المتزايدة على المالية العامة.

أما السيناريو الثالث، فيتمثل في الاستعانة باقتصادي أكاديمي بارز، في محاولة لإضفاء طابع علمي وعقلاني على القرار النقدي. غير أن هذا الخيار يواجه تحديات جدية، إذ أظهرت التجارب السابقة أن الفجوة بين النظرية الاقتصادية ومتطلبات التنفيذ السياسي قد تكون مكلفة، في غياب إرادة سياسية منسجمة وبنية مؤسسية داعمة.

العلم في مواجهة السياسة

يعكس النقاش الدائر حول أسماء المرشحين أزمة أعمق في الاقتصاد الإيراني، وهي العلاقة المتوترة بين المعرفة الاقتصادية وصنع القرار السياسي. فحتى أبرز الاقتصاديين الذين شغلوا مواقع استشارية أو تنفيذية، اصطدموا بقيود سياسية ومؤسسية حدّت من قدرتهم على إحداث تغيير جذري. وهو ما يطرح سؤالا مركزيا: هل المشكلة في الأشخاص أم في نموذج إدارة الاقتصاد نفسه؟

في الوقت الذي تتصاعد فيه الانتقادات لأداء البنك المركزي، يلاحظ غياب موقف حاسم من البرلمان تجاه السياسات النقدية، باستثناء جلسات غير علنية وبيانات متفرقة. وقد رأت بعض الصحف أن هذه الجلسات تحولت إلى استعراض خطابي، ساهم في زيادة توتر السوق بدلاً من تهدئته، مع كل تصريح حاد يخرج من تحت قبة البرلمان.

Image

لا يبدو أن ما يجري في البنك المركزي الإيراني هو مجرد نقاش حول اسم محافظ جديد له، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الحكومة على إدارة أزمة متعددة الأبعاد. فالتغيير، أو الإبقاء، أو التدوير، كلها خيارات تحمل كلفة سياسية ونفسية واقتصادية.

غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في الأشخاص بقدر ما يكمن في تبني رؤية إصلاحية متماسكة، تتجاوز المسكنات قصيرة الأمد، وتعيد الاعتبار للتنسيق بين السياسات المالية والنقدية. وحتى تتبلور هذه الرؤية، سيظل سوق العملات المؤشر الأصدق على عمق الأزمة، والمرآة التي تعكس حدود الخيارات المتاحة أمام صناع القرار.