البرلمان الإيراني يصعد.. أربعة وزراء تحت الاستجواب وتوتر متزايد مع حكومة بزشكيان

في ظل مرحلة سياسية معقدة تشهدها إيران، يعود ملف استجواب الوزراء إلى الواجهة مجددا مع توسع دائرة الضغوط داخل البرلمان وتصاعد الانتقادات الموجهة لأداء عدد من الحقائب الوزارية، فيما تعكس التحركات الأخيرة داخل المجلس حالة من التوتر المتنامي بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، في وقت تواجه فيه الحكومة تحديات اقتصادية صعبة وملفات خدمية حساسة.

فقد صرح عباس كودرزي، النائب البرلماني عن مدينة بروجرد والمتحدث باسم البرلمان الإيراني، الثلاثاء 18 نوفمبر/ تشرين الأول 2025، بشأن استجواب الوزراء الأربعة، قائلا “وفقا للنظام الداخلي للبرلمان، فإن أي استجواب يحال إلى هيئة الرئاسة أولا، ومن ثم يرسل بطبيعة الحال أسرع إلى اللجنة المختصة وتستكمل إجراءاته”.

Image

وقد أوضح كودرزي أن ترتيب الإحالات التي وصلت إلى هيئة الرئاسة كانت بالترتيب وزيرة الطرق والإسكان، فرزانة صادق، ثم وزير الطاقة، عباس على آبادي، ثم وزير التعاونيات والعمل والرعاية الاجتماعية، احمد ميدري، ثم وزير الزراعة، غلام رضا نوري.

Image

وبموجب اللائحة الداخلية للبرلمان، فسيبدأ مسار استجواب الوزير عندما يتقدم ما لا يقل عن 10 نواب بطلب خطي يتضمن محاور واضحة، وهو ما تم بالفعل، ويرفع الطلب إلى هيئة الرئاسة، وبعد إعلان تسلم الطلب، يحال إلى اللجنة التخصصية المعنية لإجراء دراسة أولية، وتلتزم اللجنة بدعوة الوزير والنواب المتقدمين خلال أسبوع واحد لتقديم الإيضاحات ومناقشة الموضوع، وفي حالة استمرار النواب في طلب الاستجواب بعد هذه المرحلة، يدرج الموضوع في أول جلسة علنية للبرلمان، ويوزع نص الاستجواب على أعضاء المجلس.

Image

خلفيات الاستجواب

لم تكن تلك الاستجوابات الأربعة لوزراء حكومة الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، بالأمر المفاجئ، فمنذ الضوء الأخضر الذي منحه البرلمان لجميع وزراء حكومته في أغسطس/ آب 2025، وما لبث أن توترت العلاقة بين البرلمان والحكومة، بشكل عام، وتلك الوزارات بشكل خاص.

فبالنسبة لوزيرة الطرق والإسكان فرزانه صادق، فإن خلفية الاستجواب ترتبط بمجموعة من الانتقادات التي طالت إدارة قطاع الإسكان، وعلى رأسها تعثر تنفيذ مشروع النهضة الوطنية للإسكان وتباطؤ تسليم الوحدات للمستفيدين، إلى جانب ما اعتبره نواب إخفاقا في معالجة أزمة أسعار العقارات والإيجارات التي تصاعدت بشكل لافت، كما أثارت الوزارة جدلا بعد تداول أنباء عن رحلات رسمية وقرارات تعيين داخل الوزارة وصفت بأنها غير مدروسة، ما دفع عددا كبيرا من النواب إلى توقيع طلب استجوابها، باعتبار أن الوزارة مسؤولة عن أحد أكثر الملفات حساسية على الصعيد الاجتماعي.

Image

أما وزير الطاقة عباس علي آبادي، فقد واجه ضغوطا متزايدة منذ بداية عهده، بسبب استمرار أزمة انقطاع الكهرباء خلال الشتاء والصيف، التي ألقت بظلالها على النشاط الصناعي، وخلفت خسائر واسعة للمواطنين والشركات، هذا فيما تركزت انتقادات البرلمان عليه بشكل أساسي حول عدم وجود خطة واضحة للخروج من أزمة الطاقة وتضارب تصريحاته بشأن أسباب اختلال التوازن في إنتاج وتوزيع الكهرباء، كما أثار جدلا واسعا حديثه عن تأثير مزارع تعدين العملات الرقمية على شبكة الكهرباء، من دون أن يقدم حلولا ملموسة، الأمر الذي شجع عشرات النواب على الدفع باتجاه استجوابه على خلفية ما اعتبروه ضعفا في الإدارة وعدم قدرة على معالجة إرث مشكلات متراكمة في قطاع حساس وحيوي.

Image

وفيما يتعلق بوزير العمل أحمد ميدري، فإن محور الاستجواب يرتبط أساسا بملفات التقاعد والضمان الاجتماعي وآليات صرف الدعم النقدي، وهي ملفات تتفاعل مباشرة مع حياة ملايين المواطنين، فقد اتهمه عدد من النواب بإجراء تعيينات مسيسة داخل مؤسسات الوزارة، إضافة إلى ما اعتبروه فشلا في إدارة ملف الصناديق التقاعدية التي تواجه عجزا ماليا متزايدا، كما ركز البرلمانيون على طريقة تصنيف الشرائح المستحقة للدعم، التي أثارت شكاوى واسعة بعد حذف بعض المستفيدين من دون توضيح كافٍ للآليات المتبعة.

Image

أما وزير الزراعة، فقد جاء استجواب غلام رضا نوري على خلفية مجموعة من الأزمات التي ضربت القطاع الزراعي خلال الأشهر الماضية، بدءا من ارتفاع أسعار السلع الأساسية، مرورا بشح الأعلاف وتأخر دفع مستحقات مزارعي القمح، ووصولا إلى مشكلات الجفاف التي أثرت في حجم الإنتاج في عدة محافظات، فيما اتهمته لجنة الزراعة في البرلمان بسوء إدارة الأسواق وعدم تقديم حلول عملية لانخفاض الإنتاج في القطاعات الحيوية. كما أثار جدلا كبيرا ما نشر عن شبهات تتعلق بآليات توزيع الأعلاف المدعومة، إضافة إلى احتجاجات متكررة لمربي الماشية والمزارعين في عدد من المناطق. ووفق ما تردد في بعض الأوساط السياسية، فإن الموقف داخل البرلمان بلغ مستوى دفع الحكومة نفسها إلى إعادة تقييم بقاء الوزير في منصبه، ما جعل استجوابه واحدا من أكثر الملفات سخونة داخل المجلس.

Image

ردود الأفعال على الاستجوابات

هذا وقد أثارت تلك الحملة من الاستجوابات البرلمانية العديد من ردود الفعل داخل الوسط السياسي، حيث اعتبر كمال‌ الدين بيرموذن، النائب السابق والمحلل السياسي، تلك الحركة البرلمانية تحركا سياسيا ذا طابع تصعيدي أكثر من كونها ممارسة رقابية تستهدف تحسين أداء الحكومة، وفي حديثه مع صحيفة آرمان ملي في عددها لليوم الأربعاء 19 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، يشدد على أن وجود برلمان قوي وقادر على المساءلة هو جزء أساسي من بنية أي نظام سياسي يسعى إلى إدارة فعّالة، غير أن هذا الدور يجب أن يمارس وفقا لموازين دقيقة تراعي الظروف التي تمر بها البلاد.

Image

هذا ويؤكد بيرموذن أن إيران تواجه في الوقت الراهن ضغوطا مركبة من الخارج، تشمل تهديدات عسكرية وعقوبات قاسية واصطفافات دولية لا تعمل بالضرورة في صالحها، الأمر الذي يجعل من الضروري أن تتكاتف مؤسسات الدولة بدلا من أن ينشأ بينها صراع ينعكس سلبا على تماسكها، ويذهب إلى أن بعض التيارات داخل البرلمان، وعلى رأسها التكتل الأصولي المسيطر المعروف بجبهة الصمود، تتعامل مع الاستجواب لا باعتباره وسيلة لتصحيح المسار، بل كأداة لإعادة تشكيل الحكومة وفق رؤى ضيقة لا تنسجم مع الظرف الوطني القائم.

كذلك فيصرح البرلماني السابق أن ما ينتظره المواطن من البرلمان ليس الدخول في مواجهات سياسية تربك الأداء الحكومي، بل تقييم الوزراء على أساس قدرتهم على الاستجابة لاحتياجات الناس اليومية، وإدارة الملفات الاقتصادية والإدارية وفق معايير مهنية واضحة، ففي نظره، فإن بعض الوزراء الذين باتوا اليوم مهددين بالاستجواب يخوضون مواجهات مباشرة مع شبكات نفوذ ومافيات اقتصادية متغلغلة في قطاعات مختلفة، ومن ثم فإن الضغط عليهم في هذه المرحلة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، معتبرا أن دعم هؤلاء الوزراء في معاركهم ضد الفساد هو واجب مؤسساتي، لا سيما أن الدولة تعيش مرحلة تحتاج فيها إلى استعادة ثقة الجمهور وتعزيز رأس المال الاجتماعي، وليس إلى خلق مزيد من حالات الانقسام الداخلي.

ويكمل بيرموذن أن المرحلة الراهنة تتطلب من البرلمان التركيز على ملفات أكثر أهمية، وعلى رأسها تنفيذ التوجيهات المتعلقة بالتحول التشريعي واستخدام الذكاء الاصطناعي في تحديث منظومة القوانين، لما لذلك من أثر مباشر على تخفيض التكاليف وزيادة جودة الإنتاج المحلي ورفع القدرة التنافسية للصادرات غير النفطية، مضيفا أن أحد أهم أدوار البرلمان اليوم هو دفع العملية الاقتصادية نحو توازن جديد بين القطاعين العام والخاص، من خلال دعم الخصخصة الحقيقية وتقليل حجم التدخل الحكومي، بما يتيح نموا اقتصاديا مستداما، لافتا إلى أن إصرار بعض التيارات المتشددة على إعادة رسم شكل الحكومة من الداخل يتعارض مع هذه الأولويات ويمتد أثره إلى تقويض المصلحة الوطنية، وهو ما قد ينعكس على شكل الدولة ومستقبل إدارتها للأزمة.

وفي المقابل، يقدم الخبير الاقتصادي مرتضى عزتي رؤية من زاوية أخرى، تتعلق مباشرة بالمعاناة المعيشية التي يواجهها المواطن الإيراني، فيقول عزتي إن التركيز المتزايد للتيارات المتشددة في البرلمان على استجواب الوزراء يتجاهل الواقع الصعب الذي تعيشه الأسر الإيرانية، حيث اضطر كثير من المواطنين إلى التنازل عن شراء الضروريات الغذائية والصحية نتيجة الارتفاع الكبير في الأسعار وتراجع القوة الشرائية، ويعتبر أن انشغال بعض النواب بمعارك سياسية لا طائل منها، في وقت يعاني فيه الناس من أزمات معيشية خانقة، يعكس انفصالا واضحا بين ممثلي الشعب وقواعدهم الاجتماعية، ويضع علامات استفهام حول الدوافع الحقيقية وراء هذا الإصرار على الاستجوابات.

كما يشير عزتي، في حديثه مع صحيفة اطلاعات الإيرانية الأربعاء 19 نوفمبر/ تشرين الأول 2025، إلى أن استجواب الوزراء، وإن كان أداة دستورية مشروعة، إلا أنه يتحول اليوم بين يدي المتشددين إلى وسيلة لتعطيل الحكومة أكثر مما هو وسيلة لتصحيح المسار، واصفا هذه الممارسات بأنها تعطل الاداء الحكومي وتؤخر أية مشروعات يقوم بها، معتبرا أن توقيت هذه الخطوات يجعلها خارج نطاق المصلحة الوطنية، ويقول إن بعض النواب باتوا يستخدمون منصة البرلمان لتصفية حسابات سياسية أو لتحقيق مكاسب شخصية، وهو ما يظهر من خلال موجات الاتهامات التي تطلق دون أدلة واضحة، ومن خلال تصاعد خطاب الصدام بدلًا من خطاب المعالجة والتعاون.

Image

ويضيف عزتي أن الأصوليين داخل البرلمان لا يهتمون بالأولويات الاقتصادية ولا بواقع الحياة اليومية للمواطنين، بل يظهرون استعدادا لاستمرار الأزمات لأنها، وبحسب رأيه، تفتح الأبواب أمام مكاسب لشبكات اقتصادية موازية تستفيد من العقوبات والفوضى، مؤكدا أن بعض هؤلاء الأصوليين اعتادوا على النظر إلى الأزمات باعتبارها فرصا، ولذلك يدافعون عن المواجهة مع الخارج ويبدون استعدادا لتحمل العقوبات مادامت تتيح لهم الاستفادة من قنوات اقتصادية غير رسمية.

وفي معرض حديثه عن الحلول، يقول عزتي إن مواجهة المتشددين ليست أولوية، بل إن المطلوب من صانعي القرار أن يركزوا على الملفات التي يمكن أن تخفف من أعباء المواطنين، وأن يعملوا على تحسين إدارة الموارد وتعزيز الكفاءة الحكومية، مضيفا أن غالبية النواب داخل البرلمان بدأت تفهم أن المتشددين لا يمثلون التيار العام، وأن الصدامات المفتعلة لا تحظى بتأييد شعبي ولا برلماني واسع، كما يحذر من أن تلك التحركات قد تضع الدولة في موقف أكثر ضعفا أمام الضغوط الدولية، خاصة أن مواقفهم تتناغم أحيانا مع القوى التي تسعى إلى زيادة عزلة إيران، مما يجعل إدارة العقوبات أكثر صعوبة في المستقبل.