خلاف برلماني حول مشروع CFT: النواب يرفضون مناقشته بشكل عاجل

كتب: الترجمان

في ظل جدل مستمر حول انضمام إيران إلى الاتفاقيات الدولية المتعلقة بمكافحة تمويل الإرهاب، شهد البرلمان الإيراني نقاشا واسعا حول مشروع قانون يقضي بمنع تسليم وثائق الانضمام إلى اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب (CFT).

 يأتي هذا النقاش في وقت تحاول فيه الحكومة الإيرانية تفعيل التزاماتها الدولية بعد موافقة مجمع تشخيص مصلحة النظام على الانضمام المشروط، فيما يحذر بعض النواب المحافظين من المخاطر المحتملة على المصالح الوطنية والسيادة الاقتصادية. 

في الجلسة التي عقدها البرلمان الإيراني، الثلاثاء 14 أكتوبر/تشرين الأول 2025، رفض منح صفة المناقشة العاجلة لمشروع قانون يُلزم الحكومة بعدم تسليم وثائق انضمام إيران إلى اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب (CFT)، في خطوة تُعيد الجدل القديم حول العلاقة بين مؤسسات الدولة بشأن الانضمام إلى مجموعة العمل المالي (FATF).

تصويت مثير للجدل

ناقش البرلمان خلال جلسته العلنية مشروع القانون المقدم من عدد من النواب المحافظين، وبعد عرض آراء المؤيدين والمعارضين، صوّت 150 نائباً لصالح المشروع و73 ضده، فيما امتنع 9 من أصل 238 نائباً حضروا الجلسة.
ولم يحصل المشروع على أغلبية الثلثين المطلوبة لإقرار صفة المناقشة العاجلة، فأعلن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن المشروع سيُحال إلى اللجنة المختصة لمتابعة دراسته وفق المسار التشريعي العادي.

خلفية الخلاف

جاء التصويت بعد قرار مجمع تشخيص مصلحة النظام في 30 سبتمبر/أيلول 2025 بالموافقة المشروطة على انضمام إيران إلى اتفاقية CFT، عقب أربع جلسات موسعة برئاسة آملي لاريجاني وبحضور رؤساء السلطات الثلاث وعدد من الوزراء وأعضاء مجلس صيانة الدستور.

ويُعدّ هذا القرار تحولاً عن موقف المجمع السابق، إذ رفض في أعوام سابقة مشروعَي قانوني “CFT” و”باليرمو”، ما دفع مجموعة العمل المالي إلى إعادة إدراج إيران في قائمتها السوداء عام 2019.

وتسعى الحكومة الحالية برئاسة مسعود بزشكيان إلى تفعيل انضمام طهران للاتفاقية، معتبرة أن ذلك سيساعد في تسهيل المعاملات المالية الخارجية وتقليص الضغوط المصرفية المفروضة على البلاد، في حين يرى المحافظون في البرلمان أن الانضمام دون رفع العقوبات قد يُفقد إيران أدوات الردع الاقتصادية.

المؤيدون: حماية للمصالح الوطنية

النائب محمود نبويان، ممثل مقدمي المشروع ونائب رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية بالبرلمان، قال في كلمته أمام المجلس، إن الهدف من المقترح هو تعليق إيداع وثائق الانضمام إلى CFT إلى حين رفع العقوبات المفروضة على إيران بموجب آلية “العودة التلقائية للعقوبات”.
وأوضح نبويان أن المشروع “لا يستهدف قرار المجمع، بل يقيّد توقيت الإيداع”، مؤكدًا أن الإجراء شأنٌ تنفيذي ينبغي أن يخدم مصلحة البلاد العليا”.
وأضاف أن “FATF طالبت إيران بإلغاء استثناء حركات المقاومة من تعريف الإرهاب في قانون مكافحة تمويل الإرهاب، محذرًا من أن تطبيق الاتفاقية بصيغتها الدولية قد يفرض تقديم معلومات مالية حساسة عن الجمعيات الخيرية والتحويلات البنكية والمعاملات العقارية، مما يُعرّض الأمن القومي للخطر”.

ودعم النائب حسين علي حاجي دليكاني المشروع قائلاً إن تعليق الإيداع يمنح الحكومة ورقة ضغط تفاوضية ويمنع الغرب من الحصول على امتياز مجاني دون رفع العقوبات.

Image

المعارضون: لا مواجهة مع المجمع والمرشد

في المقابل، حذّر النائب حسن قشقاوي، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، من أن المشروع يتعارض مع تفسير مجلس صيانة الدستور الذي يمنع البرلمان من نقض أو تعطيل قرارات مجمع تشخيص مصلحة النظام.
وقال قشقاوي خلال الجلسة إن طرح المشروع في البرلمان يُعدّ سابقة خطيرة ومواجهة مباشرة مع المجمع، ولا ينبغي إدخال المجلس في هذه البدعة، إذ لم يحدث في تاريخ البرلمان أن أُعيد طرح قانون أُقرّ في المجمع.

وأضاف أن قائد الثورة الإسلامية أحال هذا الموضوع إلى مجمع تشخيص مصلحة النظام، وكان بإمكانه أن يوجّه بدراسته في البرلمان أو يطلب من الحكومة تقديم لائحة، لكنه اختار المجمع، وبالتالي يجب احترام هذا القرار.

أما النائب محمد باقري، عضو لجنة الأمن القومي، عبّر بدوره عن الموقف نفسه، متسائلًا: “لماذا يقف البرلمان أمام قرار أحاله القائد إلى المجمع؟”، مؤكداً أن مجمع تشخيص مصلحة النظام أدرى بما يحقق كرامة إيران. 

Image

قراءة قانونية للنقاش

وحول الوضع القانوني للموضوع، اعترض بعض النواب المؤيدين على رفض المناقشة العاجلة رغم حصول المشروع على 150 صوتا، إلا أن النظام الداخلي للبرلمان ينص بوضوح على ضرورة حصول مشروع المناقشة العاجلة على موافقة ثلثي الحاضرين.
كما لم يُقدَّم أي طلب جديد من 15 نائبا لطرح المشروع بصفة “المناقشة العادية”، مما جعل رئيس المجلس غير ملزم قانونيا بطرحه للتصويت مجددا.

جذور الأزمة: من FATF إلى CFT

تعود جذور هذا الجدل  إلى سنوات من المناقشات حول انضمام إيران إلى مجموعة العمل المالي (FATF) فقد بدأ التعاون بين الطرفين في عهد حكومة  حسن روحاني بهدف تعديل القوانين المتعلقة بغسل الأموال وتمويل الإرهاب، تمهيدًا لخروج البلاد من القائمة السوداء.
لكن مع رفض المجمع مشروعي “CFT” و”باليرمو”، أُعيد إدراج إيران في تلك القائمة عام 2019، ما زاد من صعوبة تعاملها المالي مع الخارج.
ومع تولي حكومة مسعود بزشكيان مهامها، سعت لإعادة طرح المشروعين على أمل استعادة ثقة المؤسسات الدولية، إلا أن الخلاف الداخلي ما زال يعرقل التنفيذ الفعلي لأي خطوة في هذا الاتجاه.

مواقف وسيطة داخل البرلمان

سعى بعض النواب إلى التوفيق بين الموقفين، إذ قال النائب ميثم ظهوريان إن المشروع لا يناقض قرار المجمع من حيث المبدأ، بل يتعلق فقط بوقت وآلية الإيداع، معتبرا أن تطبيق FATF وحده لا يكفي لإخراج إيران من القائمة السوداء، وأن المعالجة تحتاج إلى توافق مؤسسي شامل.

إن إحالة مشروع “منع تسليم وثائق CFT” إلى اللجان التخصصية تعني أن النقاش سيستمر خلال الأسابيع المقبلة، مع ترجيحات بأن يعيد البرلمان صياغة المشروع بشكل يتوافق مع قرار المجمع من دون الدخول في مواجهة معه.
ويرى محللون أن الحكومة تسعى إلى استثمار قرار المجمع الأخير لتقديم صورة أكثر إيجابية أمام المجتمع الدولي، بينما يخشى المحافظون أن يؤدي الانضمام الكامل إلى الشفافية المالية المفروضة دولياً إلى تقييد الدعم الإيراني لحلفائها الإقليميين.

يُظهر هذا التطور أن البرلمان الإيراني – رغم رفضه الاستعجال – لم يُغلق الباب نهائيا أمام النقاش، بل فضّل إبطاء المسار التشريعي في قضية تمسّ العلاقة بين السيادة الاقتصادية والالتزامات الدولية.
ويشير مراقبون إلى أن نتيجة التصويت تعبّر عن توازن دقيق بين الحذر السياسي والالتزام المؤسسي؛ إذ لم يمنح النواب الضوء الأخضر للاستعجال، لكنهم أيضاً لم يرفضوا المشروع من حيث المبدأ، مما يترك للحكومة والمجمع والبرلمان مساحة تفاوض مفتوحة.
ويرجّح خبراء أن هذا التريّث يعكس رغبة التيار المحافظ في كبح اندفاع الحكومة نحو الاندماج المالي الدولي، مع تجنّب الدخول في مواجهة مباشرة مع القيادة العليا أو المؤسسات السيادية.
وبينما تبقى إيران على قائمة FATF السوداء، فإن الجدل حول CFT يكشف عمق التباين بين من يرى في الانفتاح المالي ضرورة اقتصادية، ومن يخشى أن يكون بوابة لتقليص استقلال القرار الإيراني.