أكاديمي إيراني: إسرائيل تُحكَم بعقلية عسكرية.. وإيران بلا أصدقاء عند الحاجة

Ad 4nxc3isudsfevsljk1yifohacep v5h81p2rcxe9q tws599wkecnhu2ngusabwyvume0yqh7qlt4wmku1vjy7szohitfm 1uygzzptkomz5 pcp0znodxcgtn6tkwa vixiuzcheaakeybijubc8a9qkjobdj5pq3sa

نشرت صحيفة “شرق” الإصلاحية، الأربعاء 9 يوليو/تموز 2025، حوارا أجرته مع مهرزاد بروجردي، أستاذ العلوم السياسية ونائب رئيس جامعة ميزوري للعلوم والتكنولوجيا، تناول خلفيات التصعيد الإسرائيلي الأخير ضد إيران. 

وفي ما يلي نص الحوار:

لماذا شنّت إسرائيل هجوما مفاجئا على إيران رغم التخطيط المسبق؟

مع الأخذ بعين الاعتبار ما جرى منذ السابع من أكتوبر، كان من الواضح أننا سنصل إلى هذه المرحلة عاجلا أم آجلا. العام الماضي أيضا شهدنا مناوشات جوية بين إيران وإسرائيل، لكن يبدو أن إسرائيل، بعد الضربات القاسية التي وجهتها إلى حماس وحزب الله، رأت في ذلك فرصة مناسبة لتوجيه ضربة مباشرة إلى إيران بهدف تعزيز موقعها وإثبات قوتها.

من وجهة نظر الإسرائيليين، كانت الظروف مؤاتية، خاصة في ظل وجود رئيس الولايات المتحدة يتعاطف مع هذا النوع من التحركات. 

لكن برأيي، وقف إطلاق النار هش، والاعتقاد بأن ما جرى هو نهاية للمواجهة قد يكون نوعا من السذاجة. في السابق، رعى ترامب هدنة بين حماس وإسرائيل لم تدم أكثر من أيام قليلة، واليوم هناك مؤشرات قد تعيد إشعال الصراع، مثل الحديث الغربي أو الإسرائيلي عن استئناف إيران لعمليات التخصيب، ما قد يدفعهم لمحاولة إنهاء ما لم يُنجز بعد.

كيف أثّرت شخصية نتنياهو وترامب في هذا الهجوم؟ وهل كان سيحدث لو كان قادة آخرون في السلطة؟

دور الأفراد في التاريخ مهم. في هذه الحالة، نحن أمام نتنياهو وترامب، ولكلّ منهما دوافعه الخاصة. لكن لا يصح أن نُسقِط تصورا بأن مصالح إسرائيل والولايات المتحدة متطابقة تماما، فهذا خطأ.

نتنياهو أطول من تولّى رئاسة الوزراء في إسرائيل، ويسعى دائما لتوجيه السياسة بما يخدم بقاءه. رغم ملاحقته قضائيا منذ سنوات، إلا أن فريقه القانوني نجح في حمايته حتى الآن. دوافعه شخصية أيضا، خصوصا بعد صدمة 7 أكتوبر التي زادت رغبته في الانتقام. وهو يملك باعا طويلا في التهويل، وكان لسنوات يروج أن إيران على وشك امتلاك قنبلة نووية، ليقنع العالم بضرورة التحرك. ما بعد 7 أكتوبر مثّل له فرصة مناسبة لضرب إيران.

لكن من المهم أن نلاحظ أن معظم رؤساء الحكومات الإسرائيلية – باستثناء واحد – دعموا مثل هذه الهجمات. كما أن هناك عقلية أمنية مسيطرة في إسرائيل، تصور المجتمع على أنه محاط بالتهديد الدائم، وتُبرر باسمها حتى الجرائم التي ارتُكبت في غزة.

أما ترامب، فكان يحاول استثمار الموقف سياسيا ويقول المثل: “النجاح له ألف أب، والفشل يتيم”. ترامب أراد أن يظهر كمنتصر، خاصة بعد أن رأت الولايات المتحدة أن إسرائيل وجّهت ضربات لإيران. فانضم للهجوم واستُهدفت بعض المواقع النووية، ثم أعلن وقف إطلاق النار.

لكن يجب التمييز هنا: ترامب لا يملك ذات دوافع نتنياهو. الجمهوريون – وتحديدا التيار الذي جاء به إلى الحكم – يعارضون التورّط في حروب خارجية بعد تجارب العراق وأفغانستان. كما أن التصعيد مع إيران كان سيضر ببرنامجه الاقتصادي، خصوصا مع احتمال ارتفاع أسعار النفط والسلع.

لذلك، نتنياهو قد يكون لديه دافع حقيقي للاستمرار في الحرب، لكن ترامب كان أقرب إلى انتهازي أراد استغلال اللحظة سياسيا.

هل إسرائيل تُدار بعقلية عسكرية وشعبها ما زال يحتمل الحروب؟

هذه حقيقة واقعة، إسرائيل تضمّ يهودا من أكثر من مئة دولة، من روسيا إلى إثيوبيا، وهذا يخلق تنوعا كبيرا في الآراء. هناك بالفعل تيارات سلمية، لكن بفعل التغيرات الديموغرافية، تراجع نفوذ حزب العمل والجناح السلمي، بينما صعد حزب الليكود بقيادة نتنياهو، بدعم من يهود قدموا من روسيا والدول الإسلامية، مثل يهود المغرب، ممن تعرضوا للاضطهاد سابقا.

بالنسبة لهجوم 7 أكتوبر، يجب أن نأخذ العبرة. مثلما أدى 11 سبتمبر إلى تغييرات عميقة في المنطقة، استغلت إسرائيل 7 أكتوبر لتبرير كل ما تقوم به بحق غزة، مدعية أن حماس قتلت مدنيين وأخذت رهائن.

إذا كنا صادقين، فلا يمكن تبرئة أنفسنا. تكرار هذه الكوارث نتيجة مباشرة لغياب المراجعة. الاستمرار بنفس السياسات يعني أننا لم نتعلم شيئا من الحرب الأخيرة. ومع ذلك، نرى الإعلام الرسمي في إيران يروّج لانتصارات وهمية، بدل الاعتراف بالواقع.

المشكلة أن أي شخص، حتى لو لم يكن في موقع مسؤولية، يتحدث باسم الدولة ويطلق مواقف خطيرة. أحدهم دعا مؤخرا إلى إعدام مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وكان على ممثل إيران في الأمم المتحدة أن يتبرأ من ذلك.

رغم كل شيء، لا يزال ممكنا تحويل التهديد إلى فرصة. نحن بحاجة إلى مصالحة وطنية، وفتح الأفق السياسي. المجتمع الإيراني تغيّر خلال العقود الماضية. هناك وعي أكبر بالحقوق، حضور أوسع للنساء، وتلاشي للفوارق بين الريف والمدينة. الإيرانيون يريدون الانفتاح على العالم.

هل يمكن للمثقفين في إيران والعالم اليوم التأثير، ولو بشكل رمزي؟

 هذه حقيقة اجتماعية لا يمكن إنكارها ، مع انتشار وسائل التواصل، أصبح بإمكان الجميع التعبير عن آرائهم، مما قلل من الدور التقليدي للمثقفين، خاصة أن الناس باتوا يفضلون المحتوى القصير على قراءة الكتب والمقالات. رغم تراجع تأثيرهم، لا يزال للمثقفين مكانة، خاصة في الجامعات والصحافة ومراكز الفكر، وعليهم أن يشاركوا أفكارهم مع المجتمع.

لكن في المقابل، هناك من يروج لأوهام خارج البلاد – أسميهم “بائعي الأحلام” أو “صُناع الأوهام” – يروّجون تصورات وهمية تُقنع الناس بأن النظام على وشك الانهيار، وأن أي لحظة قد تشهد انتفاضة تطيح به.

المثقف الحقيقي عليه مسؤولية قول الحقيقة، حتى لو خالفت مزاج الناس، فدوره ليس تكرار كلام العامة بل أن يكون ضميرا يقظا يتقدم بخطوات عن مجتمعه. المجتمع بحاجة إلى فكر حقيقي، والمثقفون وحدهم قادرون على توفيره.

ألم يُعتقد خارج إيران أن الهجوم الإسرائيلي سيحظى بدعم شعبي؟

للأسف، كان هناك تصور شائع خارج إيران – وسمعته حتى من أصدقاء داخل البلاد – مفاده أن الناس ينتفضون اذا قصفت إسرائيل بعض الأهداف العسكرية. 

لكنني كنت دائما أؤكد، منذ أحداث مهسا وصولا إلى التطورات الحالية، أن الظروف غير مهيّأة لانتفاضة شعبية. ومع ذلك، فإن الهجوم على الوطن يختلف تماما؛ فمن غير الواقعي أن نتوقع من الشعب أن يخرج إلى الشارع لإسقاط النظام تحت وابل القصف الإسرائيلي.

أعتقد أن المجتمع الإيراني بطبيعته محافظ، ويتعامل بحذر مع التحولات الكبرى. نعلم أن الثورة والانتفاضة والتمرّد كُلفة باهظة من حيث الأرواح والموارد، وهي بحاجة إلى ظروف غير متوفّرة اليوم. ما قيل في هذا السياق لا يتجاوز كونه أوهاما، وربما يكون فشل هذا التصوّر صدمة لبعض الذين يحتاجون إلى التعرّف على المجتمع الإيراني بعمق، بدلا من الاكتفاء بالشعارات.

دعوني استحضر أبياتا من الشاعر الفردوسي قد تُضيء هذه المسألة وتمنحها عمقا رمزيا:

«إن سهرت على حماية وطنك، فستباركك الأرواح الطاهرة، وتُخلَّد في الذاكرة كرمز للشرف والوفاء»

«كُن درعا لوطنك، وانهض بالعدل، وازرع الخير في أرضك بيقظة ووعي.»

«فما أشد الحسرة إن تهدّمت إيران، وصارت مأوى للوحوش والغرباء.»

نحن بحاجة إلى عدالة وحكمة من الحُكّام لكي تُبنى وحدة وطنية حقيقية وتستمر. لكن، وللأسف، ما نشهده اليوم هو استقطاب خطير؛ فهناك من يعارضون الهجوم انطلاقا من حس ديني أو قومي، وآخرون يائسون يرون في تدخل أجنبي الحل الوحيد. وهذه الانقسامات تُشكّل ناقوس خطر يجب التنبه إليه بوعي ومسؤولية.

هل يمكن اعتبار هذا الالتفاف حول مفهوم “إيران” تحوّلا اجتماعيا حقيقيا، أم أنه تفاؤل مبالغ فيه؟

حديثك في منتهى الصواب، فنحن نُدرك هذا التحوّل رغم بُعد المسافة، من آلاف الكيلومترات، عبر متابعتنا لما يجري في إيران. لكنني آمل ألا يكون مجرد شعور عابر أو توظيفا عاطفيا مؤقتا. ففي حرب إيران والعراق أيضا، تعرّض الوطن لعدوان مباشر، وأنا من أبناء خوزستان وقد فقدت عددا من زملائي خلال تلك الحرب.

لكن ما إن وضعت الحرب أوزارها، حتى رأينا كيف تراجعت النزعة الوطنية، وتم السعي لفرض نمط فكري آخر لم يلقَ قبولا واسعا. الهوية الإيرانية، والعادات والتقاليد المتجذّرة التي ورثناها عن أجدادنا، ليست شجرة تهزّها الشعارات أو العواصف العابرة. فكل من حاول طمس الهوية الثقافية الإيرانية أو إقصاء تقاليدها المتوارثة، فشل في النهاية.

آمل أن يكون هذا التحوّل الوجداني راسخا، لكن ثباته لا يتحقق إلا بالمصالحة الوطنية. أما إذا واصلنا التعامل بعقلية ضيّقة ومنغلقة، فلن نصل إلى نتيجة. أحيانا لا يستفيق الإنسان إلا بعد الكارثة، والحرب الأخيرة التي استمرت 12 يوما كانت جرس إنذار واضح.

لقد علّمتني هذه التجربة أن إيران لا تملك أصدقاء حقيقيين. الرفاق في روسيا والصين لم يكونوا سوى أوهام، وعندما احتاجتهم البلاد لم يحرّكوا ساكنا. إيران دعمت كثيرا من القوى الإقليمية، لكن حين حانت لحظة الحقيقة، لم يُبدِ أحد استعدادا للدفاع عنها. كل طرف كان منشغلا بتحقيق مصالحه عبر سياسات الحكومة العراقية.

هل يشكّل تعارض المصالح بين إسرائيل والولايات المتحدة حاجزا أمام تكرار الهجوم على إيران؟

لا أظن أن من مصلحة ترامب السماح لإسرائيل بشنّ هجوم جديد على إيران، لكن يجب أن لا نغفل عن حقيقة مهمة أنه لا يمكن الوثوق بأقوال ترامب. فهو يصرّح اليوم بشيء، ويغيّره غدا. أفهم تماما قلق الطرف الإيراني من هذه التقلبات، فترامب يتبدّل في مواقفه كما تتبدل الرياح، وهذا أمر يثير الريبة.

ورغم ذلك، فإن احتمال الهجوم يبقى قائما. وفي ظل التهديد الذي يشكّله “آلية الزناد” والذي يُشبه المقصلة المعلّقة فوق رأس إيران خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، فإن البلاد مجبرة على التفاوض مع الولايات المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية. عدم الدخول في مفاوضات سيؤدي إلى تفعيل الآلية وعودة العقوبات الأقسى، وهو ما سيمنح إسرائيل مبررات إضافية لأي تحرك عسكري.

التعاون مع الوكالة والسماح بعمليات التفتيش أمر بالغ الأهمية. في أي مفاوضات، يسعى كل طرف إلى امتلاك ورقة رابحة، واليوم على الحكومة الإيرانية أن تتعامل مع هذا الملف بجدية أكبر، بعيدا عن الشعارات. لا يليق بأي نائب في البرلمان أن يُطلق تصريحات غير محسوبة بشأن السياسة الخارجية، فثمنها قد يكون باهظا على البلاد.

بالتالي، الكرة ليست فقط في ملعب إسرائيل والولايات المتحدة، بل في ملعبنا نحن أيضا، والنتيجة مرهونة بكيفية إدارتنا لهذه المرحلة الحساسة.

برأيكم، إلى أين تتّجه الأمور؟ وما توقّعاتكم لمسار المستقبل؟

من الصعب التنبؤ بالمستقبل، وجزء مني يريد أن يأمل التغيير، لكن الواقع يقول إن الأمل هو رأسمال المفلس، ونحن مفلسون. قبل 25 عاما، شاركت في لقاء حكومي مع الإيرانيين في الخارج وقدّمت ورقة نُشرت لاحقا في كتابي، قلت فيها: إن كنتم جادين في الحوار، فابدأوا أولا بالحوار مع إيرانيي الخارج الذين ما زالت تربطهم وشائج قوية بالوطن.

كيف تطلبون من إيراني عاش في أمريكا لعقود ويملك علما ومالا أن يعود، بينما تضعون أمامه عراقيل مثل الخدمة العسكرية لأبنائه، وغياب العفو السياسي، وتوجيه تُهم العداء للثورة؟ كيف يستثمر دون ضمانات، وهو مهدد بالمنع من السفر أو السجن؟

المصالحة الوطنية لا تعني رموزا شكلية كنشيد في ميدان، بل تغييرا حقيقيا في بنية السياسات. الجرح عميق ولا يُعالج بلصقة. هل وضعنا أسوأ من جنوب إفريقيا هناك اختاروا تجاوز الماضي وبنوا مستقبلا. لماذا لا نفعل نحن؟ هذا سؤال يجب أن يطرحه المثقفون والنخب، بدلا من الدوران في نفس الحلقة المغلقة.