- محمود شعبان
- 531 Views
ترجمة: يسرا شمندي
نشرت صحيفة اعتماد الإصلاحية، السبت 28 يونيو/حزيران 2025، تقريرا ذكرت فيه تصريحات لعبد الرضا فرجي راد، أستاذ الجيوسياسة، في حوار أجرته معه حول مستقبل التوترات بين طهران وواشنطن وتل أبيب، وتأثيرها على المسار الدبلوماسي الذي توقّف نتيجة التحركات الإسرائيلية والأمريكية.
تعليق التعاون مع الوكالة لا يلغي ضرورة التفاوض مع الغرب
صرَّح فرجي راد حول تأثير مصادقة مجلس صيانة الدستور على مشروع تعليق التعاون بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية على أفق المسار الدبلوماسي بين إيران والولايات المتحدة، قائلا إن “البرلمان أقر مشروعا، وقد صادق عليه مجلس صيانة الدستور أيضا، لكن الواقع يُظهر أننا مضطرون للدخول في مسار التفاوض، سواء مع الولايات المتحدة أو مع أوروبا”.
وأضاف أنه في الوقت الراهن، باتت حتى المفاوضات مع أوروبا تكتسب أهمية متزايدة، خاصة بسبب قضايا مثل آلية الزناد وإمكانية عودة العقوبات (السناب باك). ورغم أن مشروع البرلمان ينص على تعليق التعاون مع الوكالة ويبدو وكأنه يغلق جميع الأبواب، فإن هناك جوانب لا تزال قائمة، ويمكن أن تفتح بعض نوافذ الانفراج.

وتابع أن الحكومة، ومنظمة الطاقة الذرية، ووزارة الخارجية، حتى الآن، لم تتخذ أي إجراء لطرد المفتشين الموجودين في إيران. ومن جهة أخرى، وبالنظر إلى بعض التصريحات غير الرسمية من الطرف الأمريكي بشأن الاستعداد للتفاوض، لم تُعلن بعدُ أيّ من الجهات الإيرانية قرارا نهائيا بهذا الشأن.
وأردف أنه خلال الحرب التي استمرت اثني عشر يوما، أعلن كل من وزير الخارجية والمتحدث باسم الوزارة مرارا أن إيران مستعدة للحوار في حال توقّف العدوان من قبل النظام الإسرائيلي.
واستطرد بالقول إن موضوع تعليق أنشطة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية سيصبح من المحاور الرئيسية في حال دخول إيران في مفاوضات، لا سيما إذا كانت المفاوضات مع الدول الأوروبية مطروحة، لأن الأوروبيين يظهرون حساسية أكبر تجاه هذه المسألة، ويرجع سبب هذه الحساسية بوضوح إلى تفعيل آلية الزناد فض النزاع.
وأكَّد أن هناك دلائل في الوقت الراهن على أن الدول الأوروبية الثلاث، أي فرنسا وألمانيا وبريطانيا، عازمة على تفعيل آلية الزناد. وفي مثل هذه الظروف، إذا تجاهلت إيران هذه التطورات وامتنعت عن الانخراط في المشاورات، فقد تُواجه، إلى جانب العقوبات الأمريكية القائمة، عودة العقوبات الأممية من جديد. وهذا ما يجعل الدول الغربية، على عكس ما كانت عليه سابقا، غير متعجلة للعودة إلى طاولة المفاوضات.
وأشار إلى أن هذه الأطراف، قبل الهجوم الإسرائيلي، كانت في عجلة من أمرها للتفاوض، لأنها – بحسب مزاعمها – كانت ترى أن إيران تقترب من امتلاك سلاح نووي، خاصة مع امتلاكها 408 كيلوغرامات من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، بالإضافة إلى تشغيل أجهزة الطرد المركزي.
وأوضح أنه بناء على المعلومات التي نشرتها وزارة الخارجية والمتحدث باسمها، فقد تعرضت بعض المواقع النووية الإيرانية المهمة لأضرار خلال الهجمات الأخيرة، سواء في موقع فردو أو في منشآت أخرى، مما أدى بطبيعته إلى تأخير وتيرة تخصيب اليورانيوم.
وأورد أن الوضع قد تغيّر مقارنة بالماضي، حيث كانت الأطراف الغربية قلقة من وتيرة تقدم البرنامج النووي الإيراني وتبدي استعجالا في بدء المفاوضات. أما الآن، فقد انقلبت المعادلة، وأصبحت إيران هي التي ينبغي أن تدير الوقت بدقة، لأن أي تأخير في الدخول في المفاوضات قد يكون على حساب مصالح إيران.
كما شدّد على أنه في حال تفعيل آلية الزناد، فإن العقوبات لن تبقى فحسب، بل إن استمرارها سيزيد من تعقيد المفاوضات المقبلة، لأن الغربيين، في تلك المرحلة، لن يكتفوا بطرح الملف النووي فقط، بل سيُدرجون قضايا أخرى ضمن جدول أعمالهم.
ولفت إلى أن إيران، في مواقفها الرسمية، لم ترفض مبدأ التفاوض، بل أبدت استعدادا للحوار. وفي ظل هذه الظروف، يبدو أن الدخول في مفاوضات، سواء مع الولايات المتحدة أولا ثم مع أوروبا، أو حتى بشكل متزامن، أصبح أمرا ضروريا.
وبيَّن أن المسؤولين في إيران سيتخذون القرار النهائي بعد الأخذ بعين الاعتبار جميع الأبعاد الأمنية والفنية والسياسية. لكنه أكَّد في الوقت ذاته أن مسألة التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وخصوصا في حال التفاوض مع الغرب، ليست قضية يمكن تجاهلها أو التغاضي عنها.
وأفاد أنه إذا كان الهدف هو التوصّل إلى اتفاق، فإن عمليات التفتيش التي تقوم بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية ستُستأنف باعتبارها جزءا من هذا الاتفاق. ولهذا السبب، يبدو أن البرلمان، في مشروعه، اكتفى بالتنصيص على تعليق التعاون، دون أن يطرح حتى الآن خيار الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار النووي (NPT).
اتفاق شامل مرهون بالشفافية والتنازلات
أبرز فرجي راد، بشأن مزاعم إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة حول تقديم حزمة مقترحة لإعادة إيران إلى طاولة المفاوضات، أن الأمر، قبل أي تحليل، يتطلب التحقق من مدى صحة ومصداقية هذا التقرير؛ أي أنه ينبغي أولا التأكد من مدى موثوقية تقرير شبكة سي إن إن ومدى استناده إلى وقائع حقيقية.
وأضاف أن النقطة الثانية تتعلق بإمكانية وجود نوايا خفية خلف هذا التقرير، مثل شن حرب نفسية، أو خداع، أو تمهيد لجرّ إيران نحو طاولة التفاوض. وأكّد كذلك على أهمية التحقق مما إذا كانت مثل هذه المقترحات ستُطرح فعليا ضمن مسار المفاوضات المحتملة، أم أنها ستبقى مجرد تسريبات إعلامية دون ترجمة عملية.
وتابع أن النقطة الثالثة تتعلق بكون المسؤولين الرسميين في الولايات المتحدة لم يؤكدوا حتى الآن هذا التقرير رسميا، كما لم ينفوه. وإذا افترضنا أن هذا التقرير نُشر بعلم وتنسيق مع الجهات الأمريكية، فيمكن الاستنتاج بأن الهدف منه هو إدخال إيران في مرحلة من التفاوض والمساومة.
وأوضح أن الأمريكيين شددوا على أنهم لا يسعون إلى اتفاق محدود فقط، بل يتحدثون عن خطة شاملة، وهي خطة – بحسب ما ورد في التقارير – لا تقتصر على الملف النووي، بل تشمل أيضا القضايا الإقليمية، والبرنامج الصاروخي الإيراني، وحتى تنظيم شكل من أشكال العلاقات الثنائية بين إيران والولايات المتحدة.
ونوَّه أنه إذا افترضنا أن تقرير شبكة سي إن إن صحيح – رغم استمرار الشكوك حول دقته – فيمكن الاستنتاج أن الأمريكيين يسعون إلى تهيئة الأرضية للتوصل إلى اتفاق شامل، بشرط أن يعتقدوا أن إيران مستعدة لتقديم بعض التنازلات أو التراجع عن بعض مواقفها. وفي إطار كهذا، لن تقتصر المفاوضات على الملف النووي فقط.
وذكر أن المسؤولين الرسميين في إيران، سواء على مستوى رئيس الجمهورية أو وزير الخارجية، لم يُبدوا حتى الآن أي موقف واضح بشأن الدخول في مفاوضات أو رفضها. كما أن الخطابات الأخيرة للمسؤولين الكبار لم تتضمّن مؤشرات واضحة تدل على القبول أو الرفض.
وأشار إلى أن تبادل الرسائل غير المباشر بين إيران والولايات المتحدة لا يزال مستمرا، وقد يكون من بين هذه الرسائل ما يمهّد أو يُحضّر لبدء جولة جديدة من المفاوضات.
وشدّد على ضرورة أخذ موضوع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ونظام التفتيش التابع لها بعين الاعتبار في أي سيناريو مطروح، إذ حتى في حال صحّت المزاعم الواردة في تقرير “سي إن إن بشأن استثمار بقيمة 30 مليار دولار في البنية التحتية للبرنامج النووي الإيراني السلمي، فإن هذا الأمر يتطلب إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما هو الحال في جميع الدول التي تمتلك برامج نووية سلمية.
وأبلغ أن مشروع البرلمان لا يُنظر إليه كخطة استراتيجية دائمة، بل يُعد إجراء مؤقتا وتكتيكيا جاء كردّ فعل على ظروف خاصة. وفي ظل هذه المعطيات، فإن اتخاذ القرار النهائي، كما جرت العادة، يبقى من صلاحية أعلى مستويات القيادة في النظام.
أضرار المنشآت النووية ورقة تفاوضية محتملة
أفاد فرجي راد، بشأن تأثير حجم الأضرار التي لحقت بالمنشآت النووية الإيرانية على المفاوضات المحتملة بين طهران وواشنطن وحتى مع الترويكا الأوروبية، أن المتحدث باسم وزارة الخارجية، إسماعيل بقائي، كان قد أعلن في البداية عن أضرار جسيمة أصابت هذه المنشآت، وتم تأكيد ذلك لاحقًا من قبل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، ما يعني أن الشكوك لم تعد قائمة بشأن تضرر بعض المنشآت النووية بالفعل.
ونوَّه أن منشآت نطنز، وفوردو، وأصفهان تعرّضت لهجمات مباشرة، كما تعرّضت مواقع أخرى مثل بارجين، وخوناب أراك، لهجمات متكررة.
وبيَّن أن داخل الولايات المتحدة وجهات نظر متباينة بشأن حجم هذه الخسائر؛ فبينما تسعى بعض التيارات الحكومية إلى استغلال الوضع لخلق فرص سياسية، يرى الديمقراطيون المعارضون للإدارة أن تلك المنشآت لم تُدمَّر بالكامل.
وأفاد أن بعض التكهنات تفيد بأن قيام وزارة الدفاع الأمريكية بنشر معلومات مصنّفة قد يكون تمّ بدافع ممارسة الضغط على ترامب من قِبل الديمقراطيين.
وأظهر أن الأوروبيين اتخذوا موقفا مختلفا في هذا السياق، حيث أدلوا مؤخرا بتصريحات بشأن كمية الـ408 كيلوغرامات من اليورانيوم الإيراني، مدّعين أن هذه الكمية لا تزال سليمة ولم تُمسّ، الأمر الذي يعكس رغبتهم في خفض التوتر والحفاظ على نافذة مفتوحة أمام المسار الدبلوماسي. ويأتي ذلك في وقت يؤكد فيه ترامب وبعض المصادر الأمريكية أن تلك الكمية من اليورانيوم قد تمّ تدميرها ودفنها. 
وفسَّر أن هذا التباين في الروايات بين الأطراف الثلاثة – إيران، والولايات المتحدة، وأوروبا – يعكس مدى تعقيد المشهد الذي أعقب الهجمات.
وصرَّح أن النهج الأوروبي يبدو موجّها نحو التقليل من أهمية ما حدث، وربما بهدف تهيئة الأرضية لتفعيل دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية من جديد، والحفاظ على الإطار الرقابي ضمن أي مسار تفاوضي محتمل.
وقال أن أوروبا تسعى إلى إطلاق مسار دبلوماسي من خلال خفض التوتر وتدخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ويرى فرجي راد أنه في جميع الأحوال، ومن أجل الوصول إلى تقييم دقيق، يجب اعتماد تصريحات المسؤولين الرسميين في إيران كأساس للتحليل. فحين يُقال إن المنشآت قد تعرّضت لأضرار، فمن الطبيعي أن تكون أنشطة التخصيب غير ممكنة حاليا.
وأكَّد أن هذه المنشآت، مثل نطنز، وفوردو، كانت مراكز لتشغيل أجهزة الطرد المركزي، ومع تعطلها، فإن عملية التخصيب تتوقف مؤقتا أيضا.
وأفاد بأن توقّف عملية تخصيب اليورانيوم، رغم أنه جاء بشكل غير مقصود نتيجة الهجمات التي وقعت، يمكن اعتباره، في سياق المفاوضات المستقبلية، بمثابة ورقة تفاوضية أو امتياز يمكن لإيران الاستفادة منه في الجولات المقبلة.
وأورد أن المدة الزمنية اللازمة لإعادة هذه المنشآت إلى وضعها السابق ما تزال غير معروفة، فقد تستغرق شهرين أو ثلاثة أو حتى ستة أشهر وربما أكثر. ومع ذلك، فإن هذه الأضرار، على المدى القصير، قد تخلق مناخا مناسبا لإطلاق المفاوضات، خاصة إذا قامت إيران بطرح مطالبها وشروطها ضمن هذا الإطار.
وأبرز أن بدء المفاوضات – وخاصة في مرحلتها الأولى – سيُظهر بوضوح ما هي الخطة وخارطة الطريق التي تعتمدها الولايات المتحدة للمستقبل.
تحركات إسرائيل مرتبطة بقرارات ترامب ومسار التفاوض النووي
ذكر فرجي راد، في معرض تقييمه للخطوة التالية التي قد تتخذها تل أبيب بالتنسيق مع واشنطن، أن الخطوة المقبلة التي قد يُقدم عليها النظام الإسرائيلي وعلى وجه الخصوص رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تبدو مرتبطة بشكل مباشر بمسار المفاوضات.
ورأى أن سلوك إسرائيل تجاه إيران مرتبط إلى حدّ كبير بقرارات البيت الأبيض، ولا سيما بموقف ترامب، معتبرا أن نتنياهو لن يُقدم على أي خطوة ضد إيران دون تنسيق مسبق وموافقة أمريكية واضحة، مشيرا إلى أن الهجوم الأخير على المنشآت الإيرانية نُفّذ بدعم مباشر من واشنطن.
وصرَّح في هذا السياق، أنه إذا توصّل ترامب إلى قناعة بأن المفاوضات تسير بشكل إيجابي وأن الطرفين يقتربان من تفاهم، فمن المرجّح أن يوقف استمرار الهجمات الإسرائيلية.
وفي ختام حديثه أكّد فرجي راد أنه إذا كانت قراءة ترامب، كما حدث في خمس جولات سابقة، تفيد بأن المفاوضات ليست سوى وسيلة لكسب الوقت من دون تحقيق مكاسب ملموسة لواشنطن، فبناء على طبيعته وتصرفاته المعروفة، قد يفتح الباب مجددا أمام إسرائيل للقيام بخطوات استفزازية وعدوانية ضد إيران.

