ما بعد التصعيد.. خبراء إيرانيون يحددون شروط الصمود وإنهاء الحرب

في خضم التطورات الإقليمية المتسارعة، ووسط مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار مع الاحتلال الإسرائيلي، برزت مواقف لافتة لعدد من الشخصيات السياسية والأكاديمية الإيرانية، مؤكدين أن وحدة الجبهة الداخلية، والتنسيق المحكم بين الميدان والدبلوماسية، شكّلا عنصرين حاسمين في صمود إيران وإفشال محاولات العدو.

وفي حوارين منفصلين لوكالة “إيرنا“، شدد كل من غلام رضا جمشيدي‌ها، أستاذ علم الاجتماع في جامعة طهران، ومحسن باك‌آيين، السفير الإيراني السابق لدى جمهورية أذربيجان، على أهمية الحفاظ على الوحدة الوطنية، وضرورة توظيف الزخم الشعبي والدبلوماسي لتحقيق الأهداف الاستراتيجية للنظام في هذه المرحلة الحساسة.

ذكر «غلام رضا جمشیدی‌ها»، أستاذ علم الاجتماع في جامعة طهران، بشأن نهج الشعب والحكومة تجاه بعضهما البعض بعد اجتياز مرحلة الحرب، أن تجربتنا في فترة الثورة والحرب عرضت وحدة وصمود الشعب الإيراني.

 إلا أن كثيرا من المواطنين اليوم يعتقدون أنه لو كان المسؤولون في المجتمع قد أدّوا مهامهم على الوجه الصحيح، لكان بإمكاننا بلوغ أهدافنا في وقت أقصر.

 ومن ناحية أخرى، فإن الهوية والوحدة الإقليمية والعقائدية والإيمانية لإيران تواجه اليوم تحديات. 

وأكد أن الحفاظ على الوحدة الوطنية في هذه الظروف الحساسة يحظى بأهمية بالغة. 

وأوضح أن معظم الناس في البداية لم يكونوا يصدقون، لكن مع مرور الوقت، انخرط جمع كبير منهم في الميدان.

وأضاف أن إدارة البلاد، إذا كانت دائما تُدار بشكل تُمنح فيه الأولوية للمصالح الوطنية، فإن الشعب سيتعاون بحماسة أكبر، وبيّن أن في مثل هذه الظروف، فإن الحفاظ على الوحدة والصبر من المبادئ المهمة.

 وأشار إلى أن هذا ما تؤكده الآية 200 من سورة آل عمران: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‎ “‎.

ذكر أن الحقيقة هي أن الصمود والمقاومة عبر الزمن تتطلب جهدا وتعاونا من الشعب. 

وأوضح أن التجربة تُظهر أنه إذا تمكن الناس من إقامة تواصل مؤثر فيما بينهم والاستماع إلى بعضهم البعض، فإنهم سيتمكنون من الصمود أمام المصاعب والتحديات.

وقف إطلاق النار

وذكر أنه في الظروف الراهنة، وبالنظر إلى إعلان وقف إطلاق النار واحتمال انتهاء الحرب، يجب على الناس أن يتعاملوا مع بعضهم البعض ومع الحُكم بنهج إيجابي ومتضامن، أوضح أن هذه فترة حساسة تتطلب يقظة ووعيا شاملا. 

وأشار إلى أنه في فترة الثورة، لعب كثير من الأفراد دورا مهما من خلال الاستماع إلى الآخرين وفهم احتياجات المجتمع، واعتبر أن هذا درس ثمين يمكن الاستفادة منه في الظروف الراهنة أيضا.

ذكر جمشیدی‌ها أن في فترة الثورة، كان شاهدا على أن الناس كانوا يصغون إليه وإلى آخرين، وكانوا يشاركون بفعالية في مختلف الساحات. 

وأوضح أن الناس اليوم ينظرون إلى الأفعال ونتائجها، واعتبر أن هذا التحول في الرؤية يُظهر أهمية العمل والتغيير الحقيقي في المجتمع.

 وأكد أنه في فترة الثورة والحرب، خاض الناس الكفاح بدافع من الحماسة والرغبة في التغيير، إلا أنهم اليوم يتوقعون أن تنعكس التغييرات الإيجابية والدائمة في حياتهم اليومية.

 وأضاف أنه في فترة الثورة والحرب، كانت الخطط تُوضع بناء على الظروف الخاصة آنذاك، إلا أن في الوقت الحاضر، يجب تصميم برامج بنهج بنّاء ومراعٍ لاحتياجات المجتمع.

 وأشار إلى أن البناء والتقدم في البلاد هدف سامٍ، ولكن لا بد من التخطيط والعمل استنادا إلى الواقع القائم والإمكانات المتاحة.

 وأوضح أن هذه المرحلة بلا شك يمكن أن تكون فرصة لإعادة التقارب بين الشعب والحكومة.

تابع هذا الأخصائي في علم الاجتماع، مشددا على أن التفاوت في الدخل داخل المجتمع يمثل تحدّيا حقيقيا يجب الالتفات إليه.

 وذكر أن الناس يتوقعون من الحُكم أن يتعامل مع جميع المواطنين بالعدل والإنصاف. 

وأشار إلى أن المخالفات وسوء استغلال السلطة، خصوصا من جانب أولئك الذين يتولون مناصب مسؤولية، من شأنها أن تؤدي إلى استياء عام.

تحقيق الوحدة

أوضح أن من أجل إعادة بناء ثقة الناس وتحقيق الوحدة، يجب على الحُكم اتخاذ إجراءات، منها إرساء العدالة والمساواة الاجتماعية والاقتصادية، والتحرك بحزم تجاه أي مخالفة أو فساد، خصوصا في أوساط أصحاب النفوذ والسلطة، والاستماع إلى المواطنين، وتوفير قنوات اتصال فعّالة لسماع آراءهم وهمومهم وأخذها بعين الاعتبار في عملية صنع القرار.

 وأكد أن هذه الخطوات من شأنها أن تسهم في إعادة بناء ثقة الشعب وخلق علاقة بنّاءة بين الناس والحُكم.

وأوضح أن الناس يتوقعون بحق أن يتصرف جميع المسؤولين، بغض النظر عن مناصبهم ومكانتهم، بعدالة وشفافية.

 وذكر أنه “ينبغي أن نتذكّر أيضا أن التغيير يبدأ من داخل المجتمع، وإذا قمنا نحن، كمواطنين، بمواءمة أسلوب حياتنا وسلوكنا مع القيم التي نزعم أننا نؤمن بها، فبإمكاننا أن نُحدث تأثيرا إيجابيا على الآخرين، وأكد أن تنفيذ هذه التغييرات يتطلب جهدا جماعيا ومستمرا”.

أضاف أنه “على الناس أن يكونوا إلى جانب بعضهم البعض، مشددا على أن في مجتمع متنوع جغرافيا وثقافيا مثل إيران، فإن الفهم المتبادل والاحترام المشترك هو مفتاح حل المشكلات وتحقيق الوحدة”. 

وأشار إلى أن لكل مدينة خصائصها الفريدة، وأن طهران، بصفتها العاصمة، تواجه تحدياتها الخاصة، بما في ذلك الكثافة السكانية والقضايا المرتبطة بها. 

وأكد أن فهم الاحتياجات الخاصة بكل مدينة ومنطقة يُعد خطوة مهمة نحو تحسين حياة الناس وبناء مجتمع ديناميكي وموحد.

ذكر جمشیدی‌ها في ختام حديثه، أن استقرار المجتمع وتقدّمه يعتمد على الجهد الجماعي، وأوضح أن الناس العاديين، في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، ينبغي أن يكونوا يقظين وواعين. 

وأكد في الوقت نفسه أنه “من المهم، بدلا من التركيز على المشكلات، أن نركّز على الحلول والإجراءات الإيجابية”. 

وختم بالإعراب عن أمله في أن تتجه الأوضاع نحو مسار يُمكّن جميع الناس من التمتع بحياة مُرضية.

فيما أكّد محسن پاک‌آیین، السفير الإيراني السابق لدى جمهورية أذربيجان، في حوار آخر مع الوكالة، بشأن المسارات التي أدت إلى فرض وقف إطلاق النار مع الاحتلال الاسرائيلي، وضرورة الحفاظ على هذا الوضع لإنهاء الحرب، أن مسألة وقف إطلاق النار مرتبطة بشكل مباشر بوقف العدوان من قبل الاحتلال الاسرائيلي والولايات المتحدة الأمريكية. 

وأوضح “أننا في البداية لم نُطلق رصاصة واحدة نحو أي من الطرفين، ولم نكن البادئين بالحرب، لكننا ندافع بقوة عن وحدة أراضي البلاد ومعتقداتنا، كما كان واضحا تماما قبل ليلتين في قصف قاعدة العديد الأمريكية في قطر بالصواريخ”.

تابع أن “مسألة وقف إطلاق النار، وإلى متى يمكن أن يستمر، مرتبطة مباشرة بنهج الاحتلال الاسرائيلي وداعميه الأمريكيين.

 وإذا كفّوا عن العدوان، فمن الطبيعي أننا لا نسعى إلى الحرب، ويمكن أن يستمر وقف إطلاق النار، أما إذا حدث العكس، فمن الطبيعي أننا سندافع عن أنفسنا”. 

وأوضح أن “توقيت قبول وقف إطلاق النار والإجراءات المرتبطة به، يعتمد على عدوان الاحتلال الاسرائيلي، وأن تحديد توقيته وإعلانه يعود إلى ما تراه القيادة المحترمة في البلاد”.

أكد أن “التضامن الوطني كان من العوامل المهمة في انتصارنا في هذه المواجهة غير الشريفة”.

وصرّح هذا الخبير البارز في العلاقات الدولية، بخصوص دور الدبلوماسية في الوصول إلى وقف إطلاق النار وضرورة متابعة التحركات الدبلوماسية لإنهاء الحرب بشكل كامل، بأن هناك عدة مسائل تُعد من أبرز النقاط التي كانت، برأيه، السبب الرئيسي في انتصار إيران وهزيمة العدو في هذه المواجهة غير المنصفة؛ في المقام الأول، توجيهات المرشد الأعلى للقوات المسلحة، والسرعة التي أُبديت خصوصا في استبدال القادة الشهداء، والتدابير التي تم اتخاذها.

 أما النقطة الثانية، فهي مسألة الانسجام الوطني، حيث خرج جميع أبناء الشعب، على اختلاف توجهاتهم، متحدين للدفاع عن وحدة أراضي إيران وبسالة القوات المسلحة.

أضاف باک‌آیین أن النقطة الثالثة هي القوة العسكرية للبلاد، والتي شكّلت في الحقيقة الردّ الحاسم الذي وجهته القوات المسلحة إلى الطرفين المقابلين، أي إسرائيل وأمريكا. 

وأشار إلى أن العنصر الرابع تمثل في الدبلوماسية النشطة لإيران، التي ظهرت بصورة فعالة مستندة إلى قوة الردع العسكري، وأقنعت العالم والمجتمع الدولي بأن ما قامت به أمريكا واسرائيل هو عمل عدواني يتعارض مع المبادئ والقوانين الدولية.

وأكد أن التنسيق بين الميدان والدبلوماسية هو ما يوصلنا إلى أهداف النظام.

وذكر هذا المحلل في الشؤون الدولية، موضحا أن الولايات المتحدة أصبحت معزولة خلال الأيام الماضية، أن الدعم المقدم للإحتلال الإسرائيلي في الجلسات المتعددة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أظهر بوضوح أن الولايات المتحدة والإحتلال باتا وحيدين وبلا منطق داخل المجتمع الدولي.

 وأشار إلى أن هذه الأيام أظهرت وجود تنسيق مستمر بين القوات المسلحة لإيران، والحرس الثوري، والجيش، والجهاز الدبلوماسي ووزارة الخارجية، وهو ما يمكنه بالتأكيد أن يحقق أهدافنا في الدفاع عن النظام الإسلامي المقدس.

وأوضح أن الحاجة إلى هذا التنسيق محسوسة تماما، معربا عن أمله في تحقق ذلك، وأكد أن هذا الأمر سيتحقق بلا شك، فالمرشد الأعلى لإيران، الذي كان دوما داعما للقوات المسلحة والجهاز الدبلوماسي، وكذلك شعبنا العزيز الذي كان دائما حاضرا في ساحة الدفاع عن النظام، جميعهم سيدعمون هذا التنسيق بين الدبلوماسية والميدان.