إيران بين ساحة المعركة وطاولة التفاوض… كيف توظف طهران أوراقها الاستراتيجية؟

تشهد المنطقة في الآونة الأخيرة تصاعدا لافتا في حدة التوترات، وسط تداخل معقد بين المسارات العسكرية والسياسية والاقتصادية، ما يجعل المشهد الإقليمي مفتوحا على احتمالات متعددة. وفي ظل هذا الواقع، تتزايد أهمية قراءة مواقف الفاعلين الرئيسيين وتحليل الخطابات الصادرة عنهم، بوصفها مؤشرات على اتجاهات المرحلة المقبلة. كما أن توازنات القوة لم تعد تقاس فقط بما يجري في الميدان، بل بقدرة الأطراف على إدارة الضغوط وتوظيف أدواتها المختلفة ضمن سياق تفاوضي شديد الحساسية، تتقاطع فيه المصالح الدولية مع الحسابات الإقليمية، في مشهد يعكس تحولات أعمق في طبيعة الصراع.

تصريحات محسن رفسنجاني… مضيق هرمز والتخصيب النووي في صدارة المشهد التفاوضي

خلال لقاءه مع موقع اعتماد، الإثنين 27 إبريل/ نيسان 2026، قال محسن هاشمي رفسنجاني، عضو حزب كوادر البناء والرئيس الأسبق لمجلس بلدية طهران ونجل علي أكبر هاشمي رفسنجاني الرئيس الإيراني الأسبق، إن “على المفاوضين الإيرانيين أن يحصلوا على الصلاحيات الكاملة لاستخدام أوراق القوة المتاحة لتحقيق أكبر قدر من المكاسب”، في إشارة واضحة إلى ضرورة الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة توظيف عناصر القوة بشكل مباشر في العملية التفاوضية.

Image

في هذا السياق وخلال حديثه عن المفاوضات، شدد هاشمي على أن إيران تمتلك ورقتين استراتيجيتين أساسيتين يمكن البناء عليهما في المفاوضات الجارية، تتمثل الأولى في السيطرة على مضيق هرمز، والثانية في امتلاك كميات من اليورانيوم المخصب بنسبة مرتفعة تصل إلى ٦٠%، واعتبر أن هاتين الورقتين ليستا مجرد أدوات ضغط ظرفية، بل تمثلان عناصر قوة طويلة الأمد يمكن أن تفرض معادلات جديدة على طاولة التفاوض، إذا ما تم استخدامهما بالشكل الصحيح وفي التوقيت المناسب.

وفيما يتعلق بمضيق هرمز، أوضح هاشمي أن هذه الورقة تحمل بعدا جيوسياسي بالغ الأهمية، نظرا لكون المضيق يمثل شريانا حيويا لتدفقات الطاقة العالمية. ومن هذا المنطلق، أشار إلى أن إيران قادرة على استثمار موقعها الجغرافي للتحكم في هذا الممر الاستراتيجي، بما يتيح لها فرض شروطها في مواجهة الضغوط الدولية. لكنه في الوقت ذاته حذر من الاستخدام غير المدروس لهذه الورقة، مؤكدا أن فعاليتها تعتمد بشكل كبير على توقيت استخدامها، وأن أي استعجال قد يؤدي إلى تقليص أثرها أو استنزاف قيمتها التفاوضية.

أما فيما يتعلق باليورانيوم المخصب، فقد أكد هاشمي أن هذه الورقة تمثل بعدا مركبا، يجمع بين البعدين العلمي والسياسي. فمن جهة، أشار إلى أن المعرفة النووية أصبحت متجذرة داخل البنية العلمية الإيرانية، ولا يمكن سحبها أو تعطيلها، وهو ما يمنح طهران ميزة تفاوضية دائمة. ومن جهة أخرى، شدد على أن التخصيب ليس مجرد إنجاز تقني، بل هو أيضا أداة سياسية يمكن استخدامها للمطالبة برفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، سواء كانت أولية أو ثانوية.

Image

وفي هذا الإطار، أوضح هاشمي أن من بين أبرز المطالب التي ينبغي أن تسعى إيران لتحقيقها عبر هذه الأوراق، هو رفع كامل للعقوبات الاقتصادية، إلى جانب الحصول على ضمانات واضحة بعدم تكرار أي اعتداءات مستقبلية. كما أشار إلى ضرورة العمل على تعويض الأضرار التي لحقت بإيران نتيجة الحرب، سواء عبر آليات مالية مباشرة أو من خلال تسريع وتيرة الاستثمارات الأجنبية داخل البلاد.

وأضاف أن من بين الأهداف الاستراتيجية أيضا، تطبيع ملف إيران في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بحيث يتم التعامل مع البرنامج النووي الإيراني ضمن الأطر الطبيعية، دون ضغوط أو استثناءات سياسية. كما طرح فكرة التزام الدول الغربية بالمساهمة في تطوير قطاع الطاقة النووية الإيراني، بما في ذلك بناء محطات كهرباء نووية بقدرة تصل إلى ٢٠ ألف ميغاواط باستخدام تقنيات حديثة.

وفي سياق متصل، أشار هاشمي إلى أن المفاوضات الجارية لا ينبغي أن تظل محصورة في الملف النووي فقط، بل يجب أن تشمل قضايا أوسع، مثل الأمن الإقليمي وممرات الطاقة، وعلى رأسها مضيق هرمز. واعتبر أن توسيع نطاق التفاوض يمنح إيران فرصة أكبر لطرح قضاياها الاستراتيجية وتحقيق مكاسب متعددة الأبعاد.

Image

كما لفت إلى أن بعض المؤشرات تفيد بأن المفاوضين الإيرانيين لا يمتلكون حتى الآن هامشا كافيا للمناورة باستخدام هذه الأوراق، وهو ما قد يحد من قدرتهم على تحقيق أقصى المكاسب الممكنة. ومن هنا، شدد مجددا على أهمية منحهم صلاحيات أوسع، بما يسمح لهم بالتفاعل بمرونة مع تطورات المفاوضات.

وفي جانب آخر من تصريحاته، تناول هاشمي مسألة أسعار النفط وتأثيرها على موازين القوى، مشيرا إلى أن الأزمات الحالية لم تؤد إلى ارتفاعات كبيرة في الأسعار كما حدث في أزمات سابقة، وذلك بسبب التحولات في سوق الطاقة العالمية، وعلى رأسها تحول الولايات المتحدة إلى منتج رئيسي للنفط. واعتبر أن هذا الواقع يفرض على إيران الاعتماد بشكل أكبر على أوراقها الأخرى، وعدم المبالغة في الرهان على عامل الطاقة وحده.

وفي ختام تصريحاته، أكد هاشمي أن تحقيق المكاسب يتطلب رؤية واقعية وإدارة دقيقة للتوازنات، مشيرا إلى أن النجاح في الميدان يجب أن يترجم إلى نتائج ملموسة على طاولة التفاوض، وأن أي تسرع أو سوء تقدير قد يؤدي إلى إهدار هذه الفرصة. كما شدد على أهمية استغلال اللحظة الراهنة بالشكل الأمثل، باعتبار أن الفرص الاستراتيجية لا تدوم طويلا.

كيف تتقدم إيران في الحرب؟ بين الصبر الاستراتيجي وضغوط الواقع على واشنطن

إذا كانت تصريحات هاشمي قد ركزت على أوراق محددة، فإن المشهد الأوسع يكشف عن مجموعة أوسع من عناصر القوة التي أسهمت في تحسين موقع إيران، ودفع الولايات المتحدة إلى تمديد وقف إطلاق النار. فحسب تقارير ودراسات، فيأتي في مقدمة هذه العناصر ما يمكن تسميته بالصبر الاستراتيجي، وهو النهج الذي اعتمدته طهران في إدارة الأزمة، حيث امتنعت عن الدخول في مفاوضات متسرعة، ورفضت تحويل الضغوط العسكرية إلى مكاسب سياسية مجانية لواشنطن.

Image

هذا النهج يعكس فهما عميقا لطبيعة الصراع، إذ تدرك إيران أن التفاوض تحت الضغط يؤدي غالبا إلى نتائج غير متكافئة. لذلك، سعت إلى إعادة تعريف شروط التفاوض، بحيث يتم من موقع الندية، وليس كرد فعل على التهديدات. هذه المقاربة ساهمت في إرباك الحسابات الأمريكية، التي كانت تراهن على تحقيق اختراق سياسي سريع.

على المستوى الداخلي، نجحت إيران في الحفاظ على تماسكها السياسي والاجتماعي، وهو عامل حاسم في أي صراع طويل. فغياب الانقسامات الداخلية قلل من فرص استغلالها من قبل الخصوم، ومنح القيادة قدرة أكبر على اتخاذ قرارات استراتيجية. كما أن القدرة على إدارة الأزمات الاقتصادية والخدمية ساهمت في تقليل تأثير الضغوط الخارجية.

أما على المستوى الإقليمي، فقد استفادت إيران من شبكة علاقاتها وتحالفاتها، التي منحتها عمقا استراتيجيا، وجعلت أي مواجهة معها ذات كلفة مرتفعة. هذا الامتداد الإقليمي لم يكن مجرد عنصر دعم، بل شكل أيضا أداة ردع غير مباشرة، حيث يمكن لطهران التأثير في عدة ساحات في آن واحد.

في المقابل، واجهت الولايات المتحدة مجموعة من القيود التي حدت من قدرتها على مواصلة التصعيد. أول هذه القيود هو عامل الزمن، حيث تفرض القوانين الأمريكية قيودا على مدة العمليات العسكرية دون موافقة الكونغرس، ما يضع الإدارة أمام ضغوط سياسية داخلية.

Image

كما لعب الرأي العام الأمريكي دورا مهما، إذ أظهرت التجارب السابقة أن الحروب الطويلة في الشرق الأوسط لا تحظى بدعم شعبي واسع، وهو ما يجعل أي تصعيد محفوفا بالمخاطر السياسية. ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يصبح من الصعب على أي إدارة تحمل تبعات حرب مفتوحة.

إلى جانب ذلك، برزت الاعتبارات الاقتصادية كعامل ضغط إضافي، حيث يمكن لأي تصعيد أن يؤدي إلى اضطراب في أسواق الطاقة وارتفاع الأسعار، وهو ما ينعكس مباشرة على الاقتصاد الأمريكي. وفي ظل أوضاع اقتصادية حساسة، يصبح من الصعب تجاهل هذه التداعيات.

ولا يمكن إغفال البعد العسكري، حيث تشير بعض التقارير إلى تحديات تتعلق بإدارة الموارد العسكرية، خاصة في ظل وجود تهديدات أخرى على الساحة الدولية. هذا التعدد في الجبهات يفرض على واشنطن حسابات دقيقة في توزيع قدراتها.

Image

كما أن أداء الحلفاء الإقليميين، وعلى رأسهم تل أبيب، لعب دورا في تشكيل القرار الأمريكي، إذ يواجه هؤلاء الحلفاء صعوبات في إدارة صراع طويل الأمد، ما يزيد من كلفة الاستمرار في المواجهة.

في ضوء هذه المعطيات أيضا، يمكن فهم قرار تمديد وقف إطلاق النار بوصفه نتيجة لتقاطع عدة عوامل، وليس استجابة لسبب واحد. فقد وجدت واشنطن نفسها أمام معادلة معقدة، حيث ترتفع كلفة التصعيد دون ضمان تحقيق مكاسب واضحة، في حين تزداد الضغوط الداخلية والخارجية.

Image

في المقابل، تسعى إيران إلى استثمار هذا الوضع لتعزيز موقعها، مع الحفاظ على توازن دقيق بين الضغط والمرونة. فهي تدرك أن أي تصعيد غير محسوب قد يؤدي إلى نتائج عكسية، لكنها في الوقت نفسه تحاول ترسيخ معادلة ردع تجعل من الصعب على خصومها فرض شروطهم.

في النهاية، يظهر المشهد أن الصراع دخل مرحلة جديدة، حيث لم يعد الحسم العسكري هو العامل الوحيد، بل أصبحت القدرة على إدارة التوازنات السياسية والاقتصادية هي المحدد الرئيسي. وفي هذا السياق، تبدو إيران وكأنها تراهن على الوقت وعلى تراكم الضغوط على خصومها، بينما تحاول الولايات المتحدة تجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة ذات كلفة غير محسوبة.

كلمات مفتاحية: